الرأي

التنافي المفترى عليه

حسن البصري

قطع جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، الشك باليقين حين وجه رسالة تهنئة لفوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بمناسبة حصوله على منصب في الحكومة المغربية، بتعيينه وزيرا منتدبا لوزيرة المالية، مكلفا بالميزانية.
كانت رسالة زعيم «فيفا» ردا صريحا على الذين اعتقدوا أن الحقيبة الوزارية تسقط المسؤولية القيادية في الجامعة، وأن الكرة والسياسة لا يجتمعان في رجل أو امرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما.
حين نعيد قراءة تاريخ الرياضة المغربية، سنتوقف عند أسماء جمعت بين الرياضة والسياسة دون أن يلومها الناس على الجمع بينهما، فقد كان عمر بوستة رئيسا لأول جامعة لكرة القدم ووزيرا للشؤون الاجتماعية والرياضة ورئيسا لنقابة الأطباء، ولم يمنعه أحد من «التعدد».
وعلى شاكلة بوستة جمعت بين حقيبة الوزارة ومنصب رئاسة الشأن الكروي أسماء عديدة كإدريس السلاوي وأرسلان الجديدي وعثمان السليماني، وغيرهم من القيادات التي حملت هموم الكرة والسياسة، وأسدت من مواقعها في الحكومة خدمات لعشيرة الكرة.
في كثير من الدول العربية يجلس، رؤساء اتحادات كرة القدم على كراسي وزارات مؤثرة، في شتى المجالات، دون أن تشتكي الفرق من قبعتي الرئيس، فرئيس اتحاد الكرة العراقي عدنان درجال وزير للرياضة، وهيثم بن طارق جمع بين رئاسة الاتحاد العماني ووزارة التراث والثقافة، وعبد الله بن زايد شغل منصب وزير للإعلام في الإمارات دون أن يلغي منصبه كرئيس للاتحاد الكروي.
وكانت شهية رئيس اتحاد زيمبابوي لكرة القدم فيليب تشيانغوا، مفتوحة على منصب رئيس «فيفا» حين نال حقيبة وزارية في بلاده. وشغل أحمد أحمد منصب رئيس اتحاد بلاده و»كاف» بعد تأبط حقيبة سياسية في بلاده.. وقس على ذلك من النماذج التي كانت تسعى بين منصات الملاعب ومقرات الحكومات.
هناك نقاش حول ما بات يعرف بـ «حالة التنافي»، من خلال سؤال جوهري: هل يجوز لرئيس جامعة أن يصبح وزيرا؟
الذين طرحوا هذا السؤال المشروع طبعا، كان عليهم أن ينزلوا درجات في سلم «التنافي» ويتساءلون عن مدى أحقية رئيس جماعة ترابية في الجمع بين رئاسة ناد ورئاسة مجلس جماعي؟
والذين يرفعون راية التسلل كلما جمع مسؤول بين منصب رياضي ومنصب سياسي، يعلمون جيدا أن الذين يراكمون المناصب الجمعوية هم أكثر عددا من العاطلين، وأن ظاهرة الجمع بين المسؤوليات تجد في قطاع «المجتمع المدني» سريرا يساعد على تناسل المناصب.
وبإلقاء نظرة على المشهد الكروي لتكتمل رؤية أقصى حالات التنافي، سنجد أنفسنا أمام كائنات متعددة بطاقات الزيارة، رئيس فريق ورئيس مجلس جماعي وبرلماني ورئيس عصبة ورئيس جمعية للتبرع بدم الآخرين وعضو شرفي في هيئة للرفق بالحيوان.
كما في بعض سيناريوهات أفلام «الأكشن» الكروي، يتقمص الممثل دورين على الأقل خلال مسلسل واحد، وفي مشاهد اللعبة المجنونة يموت البطل ثم تراه في النسخة الثانية من الفيلم، كذلك الأمر في مجالس الجماعات وجمعيات حماية المال السائب. يتقلد الرجل هذه المناصب ويمارس التعدد بالتدريج، وفي غفلة من الجميع وباسم جموع عن بعد، يراكم المناصب في يوم في شهر في سنة، ويدعي أنه يرعى أسرته في أوقات الفراغ.
التنافي «فيه وفيه»، منه ما يجوز ومنه ما يدخل دائرة المحظور، فكثير من رؤساء الفرق لا يجدون حرجا في منح صفقات بملايين الدراهم لشركات في ملكية أبنائهم، ولا تتنقل فرقهم إلا برعاية شركات أسفار يديرها ذوو القربى.
إذا كان رئيس اتحاد لكرة القدم وزيرا للتجهيز ستكتمل البنايات المعطلة وستعود الحياة إلى الأوراش، وإذا كان وزيرا للتعليم سيخرج مشروع «رياضة ودراسة» إلى الوجود، وإذا كان وزيرا للصحة ستستفيد الفرق من أسطول سيارات الإسعاف، وإذا كان وزيرا للتضامن سيعيد الاعتبار لنجوم الكرة الذين اصطفوا في طوابير المساعدات، وهلم جرا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى