حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسيةملف التاريخ

«الجلاء».. عندما استعاد المغرب القواعد العسكرية من الأمريكيين

خمس قواعد أمريكية طالب محمد الخامس واشنطن بمغادرتها واستمر التفاوض لسنوات

يونس جنوحي

 

«يقال إن الوزير الأول السابق عبد الله إبراهيم أول من دعا إلى جلاء القوات الأمريكية عن المغرب.. وتبنت مصادر كثيرة هذا الطرح.. لكن الحقيقة أن أول من دعا صراحة إلى جلاء القوات الأمريكية وإخلاء قواعدها هو الملك الراحل محمد الخامس في خطاب يعود إلى شهر فبراير 1956، أي شهرا قبل توقيع وثيقة استقلال المغرب رسميا عن فرنسا.

لكن في شهر شتنبر 1959، انتقل موضوع الجلاء ليصبح مخططا واضحا، دعا المغرب إلى وضع تواريخ محددة لتفعيله..

هذه قصة القواعد الأمريكية و«الجلاء» الذي أدخل عليه الملك الراحل الحسن الثاني تعديلات فاجأت الأمريكيين أنفسهم.

 

++++++++++++++++++++++

 

عندما بكى الأمريكيون وهم يغادرون المغرب

هي خمس قواعد عسكرية أمريكية تأسست في المغرب بعد الإنزال التاريخي لسنة 1943: النواصر، سيدي سليمان، بنسليمان، بنكرير والقنيطرة.

لكن أهمها كانت قاعدة القنيطرة، بحكم أنها كانت تتوفر على إمكانيات ضخمة، وصنفت على أنها واحدة من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية خارج تراب الولايات المتحدة، في ذلك التاريخ.

عندما حصل المغرب على الاستقلال في مارس 1956، كان الملك الراحل محمد الخامس أمام معطى مهم، يتمثل في أن هذه القواعد الأمريكية تشتغل بموجب اتفاق يعود إلى 22 دجنبر 1950، أبرم بين وزير الخارجية الفرنسي وسفير الولايات المتحدة الأمريكية في باريس.

لا شرعية، إذن، للقواعد الأمريكية بعد استقلال المغرب. فالطرفان، الموقعان على الاتفاق، لم يتطرقا إلى مسألة استقلال المغرب. وسنرى في هذا الملف أن الفرنسيين لم يكونوا يتوقعون أصلا أن يغادروا المغرب في فترة الخمسينيات.. لذلك كان الوضع كله مربكا.

خصصت إذاعة «راديو ماروك»، الناطقة باسم الإقامة العامة الفرنسية في المغرب، وأول إذاعة في البلاد، حصصا يوميا للبث باللغة الإنجليزية، موجهة إلى آلاف الأمريكيين المقيمين في القواعد الأمريكية وعائلاتهم.

ورغم أن الإدارة الأمريكية كانت متشددة نوعا ما في ضبط محيط قواعدها، إلا أن الجنود وعائلاتهم اندمجوا في الحياة المغربية، وكان منظر الأمريكيين وهم يتجولون في بعض المدن، خصوصا الرباط والقنيطرة، مألوفا بين المغاربة.

تطورت الأحداث بعد استقلال المغرب، وكانت دعوة الملك الراحل محمد الخامس إلى ضرورة إخلاء القواعد الأمريكية بعدة استقلال البلاد، بدأت تتخذ منحى عمليا، بتحديد تواريخ واضحة لعملية «الجلاء» التي صارت شعارا وطنيا وقوميا مغربيا خالصا.

في بداية سنة 1960 بدأت أولى عمليات الإخلاء، ولو بشكل غير مُعلن، بحكم أن الأمريكيين كانوا تحت ضغط الالتزام بالاتفاق الموقع مع الملك الراحل محمد الخامس، ومن جهة أخرى كانوا يراقبون تحركات الاتحاد السوفياتي في شمال إفريقيا، سيما في المغرب وتونس، البلدان المستقلان عن فرنسا رسميا.

عندما بدأ كبار المسؤولين العسكريين عملية الجلاء، كان إخلاء قاعدة النواصر وبنكرير، يتخلف عن إخلاء قاعدة القنيطرة. فالأخيرة كانت شاسعة المساحة، ويشتغل فيها أكثر من 5000 جندي، وأغلبهم مستقرون داخلها مع عائلاتهم ويستفيدون من سكن وظيفي داخل القاعدة.

في القنيطرة كان وداع الجنود الأمريكيين مؤثرا، فقد كان هناك جنود قضوا في المغرب أكثر من عشر سنوات، اشتغلوا خلالها في مختلف مراكز وإدارات القاعدة، ومنهم أيضا من ربط صداقات متينة مع شخصيات مغربية.

ففي الخمسينيات، كانت صداقة الباشا الكلاوي مع الجنرالات الأمريكيين لا تخفى على أحد، وجعلت مقامهم في المغرب يرقى إلى ما هو إنساني.. فقد نظم الباشا، سنة 1950، دورة في لعبة الكولف، استضافها في قصره بمراكش، وكانت خاصة بجنود القاعدة الأمريكية..

كان الكلاوي يودع هؤلاء العسكريين على طريقته، قبل رحيلهم الفعلي بعشر سنوات.

بكى كثير من الأمريكيين ذكرياتهم المغربية، وبدا الأمر بوضوح عندما بلغ أغلبهم سن التقاعد -خصوصا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي- وكتبوا بنوع من التأثر عن ذكرياتهم في المغرب.. سيما وأن إدارة القواعد الخمس، نظموا للجنود حفلات أمريكية وأحضروا نجوم السينما والترفيه الأمريكي، إلى المغرب لإحياء احتفالات رأس السنة الميلادية، أو ذكرى استقلال الولايات المتحدة الأمريكية.. ما جعل هؤلاء الجنود يحتفظون بذكريات مغربية استثنائية..

من جانبها رصدت مجلة «لايف» الشهيرة، في أحد أعدادها، شهر مارس سنة 1960، تغطية عن مغادرة الأمريكيين لقاعدة سيدي سليمان، وكتبت المجلة أن بعض هؤلاء الجنود أجهشوا بالبكاء وهم يلقون النظرة الأخيرة على محيط القاعدة قبل مغادرة المغرب نهائيا.

 

 

 

الملك الحسن الثاني يفاجئ واشنطن بتمديد عمل القواعد العسكرية

كان المخطط يقتضي أن يغادر الأمريكيون المغرب نهائيا سنة 1963، وهو المخطط الذي وُضع على عهد الملك الراحل محمد الخامس، وشُرع في تنفيذه مع نهاية سنة 1959.

كانت حكومة عبد الله إبراهيم تستفيد من الوضع سياسيا، على اعتبار أن بداية الجلاء وقعت عندما جلس أحد قادة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المعارض على كرسي الوزارة الأولى. لكن الحقيقة أن «الجلاء» كان مشروعا وضعه الملك الراحل محمد الخامس منذ مارس 1956 لحسم موضوع وجود القواعد العسكرية الأجنبية فوق التراب المغربي بعد الاستقلال.

ثلاث سنوات هي المدة التي استغرقتها محاولات الجلوس إلى طاولة واحدة لحسم تاريخ محدد لجلاء القوات الأمريكية من المغرب.

ففي سنة 1959، جرى الاتفاق على تحديد موعد لبداية الجلاء، وأن يكون الإخلاء على مراحل. وبدأت أولى عمليات الإخلاء في سنة 1959، على أساس أن تستمر العملية تدريجيا، وتنتهي برحيل آخر جندي أمريكي سنة 1963.

لكن ما وقع أن الملك الراحل محمد الخامس توفي في فبراير 1961، ولم يكن الجلاء الأمريكي قد قطع سوى نصف المرحلة المتفق عليها. في حين أن الفرنسيين كانوا قد أخلوا جل مواقعهم، ولم يعد تقريبا للوجود العسكري الفرنسي فوق التراب المغربي أي وجود باستثناء بعض المسؤولين العسكريين الذين كانوا يشتغلون في الثكنات التي تسلمها المغرب نهائيا.

وقبل حلول سنة 1963، الموعد النهائي لإجلاء كافة الأمريكيين من القواعد، فاجأ الملك الراحل الحسن الثاني الجميع بسن سياسة جديدة تجاه الولايات المتحدة الأمريكية.

فقد أعاد الملك الجديد جدولة مواعد الإخلاء، وأبرم اتفاقا مع الأمريكيين يهم القاعدة الجوية في القنيطرة، حيث نص الاتفاق على أن يتدرب الطيارون المغاربة في الولايات المتحدة الأمريكية وفق برنامج يمتد لأزيد من خمس سنوات، وأن يتسلم المغرب طائرات مقاتلة من الأمريكيين، وإعادة تقسيم القاعدة الجوية في القنيطرة، حيث سُلمت أزيد من ثلاثة أرباع مساحتها للمغرب، في حين احتفظ الأمريكيون بجزء من البناية، خُصص للقوات الأمريكية المتبقية في المغرب، والتي تشتغل في مجال مراقبة الرادارات والتنسيق مع نقاط المراقبة الأمريكية في جنوب إسبانيا.

بموجب هذا الاتفاق، لم تعد للأمريكيين أي سلطة على إدارة القاعدة الجوية، التي تسلمها المغرب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.

وحتى عندما جرت أطوار المحاولة الانقلابية ضد الملك الحسن الثاني صيف سنة 1972، أكد الأمريكيون للملك أنهم لا يملكون أي معطيات عن برنامج تسليح الطائرات المقاتلة أو مواعد إقلاعها، وأن سلطة تسيير إدارة القاعدة سُلمت للمغرب منذ الستينيات.

هذا المعطى يسلط الضوء على تدبير الملك الراحل الحسن الثاني لملف جلاء القوات الأمريكية، حيث قلص وجود الأمريكيين فوق التراب المغربي، واقترح على الأمريكيين أن يبقوا على جزء من نقاط المراقبة التي كانوا يشغلونها منذ 1943.

لكن الجلاء الكلي للقوات الأمريكية من قاعدة القنيطرة تحقق لاحقا، في سبعينيات القرن الماضي، واتضح أن الملك الراحل الحسن الثاني كان يراعي السياق الدولي أثناء تنفيذ اتفاق جلاء القوات الأمريكية.

++++++++++++++++++++++

 

قصة «مدينة أمريكية».. في الغرب المغربي

الذين زاروا القاعدة الجوية العسكرية في مدينة القنيطرة، خلال خمسينيات القرن الماضي، أكدوا أن الأمر كان يتعلق بملحقة أمريكية متكاملة، يخال الداخل إليها أنه فوق تراب الولايات المتحدة الأمريكية.

مساحات خضراء وبنايات على الطراز الأمريكي، وجنود أمريكيون في كل مكان وأعلام أمريكية ترفرف فوق البنايات وقرب السياج الكبير الذي يحيط بالمنطقة.

كانت القاعدة عبارة عن مدينة أمريكية حقيقية، تتوفر فيها كل مرافق الحياة العصرية. محلات بيع السلع الأمريكية، وأماكن للترفيه على الطريقة الأمريكية. حتى أن إدارة القاعدة كانت تواظب على إحضار مشاهير السينما والترفيه الأمريكيين ليروحوا عن الجنود الأمريكيين.. وهو ما كان يُكمل الأجزاء الناقصة من المشهد.

حتى المقاهي داخل القاعدة كانت حافلة بكل ما هو أمريكي، ولم يكن هناك وجود لأي سلع فرنسية أو مغربية.

بحسب شهادات بعض قدماء الجيش الأمريكي، الذين أدوا الخدمة العسكرية في القنيطرة -بور ليوطي سابقا-، فإن الأمر كان يتعلق بمدينة أمريكية في الغرب المغربي.

يوهان بيكر، أحد هؤلاء الجنود الأمريكيين المتقاعدين، قضى فترة تدريب في القاعدة الجوية ما بين سنوات 1957 و1959، وكان عمره وقتها لا يتجاوز عشرين سنة. يحكي في حديث خص به «الأخبار»:

«عندما جئت أول مرة، في ربيع سنة 1957 إلى المغرب، نزلنا مباشرة في قلب القاعدة الجوية، وانخرطنا في برنامج تدريبي قاس.

يوم الأحد، كان يُسمح لنا بمغادرة القاعدة، والترويح عن أنفسنا قليلا. وكنا نجدها فرصة لالتقاط الصور، وتجربة التواصل مع البدويين الذين يسكنون بجوار القاعدة. وقد كانوا متسامحين معنا ويتركوننا نركب دوابهم، ونشرب الشاي معهم بالقرب من السياج الهائل الذي يحيط بالقاعدة.

في الرباط، كنا نتجول أسبوعيا في منطقة «الأوداية» التاريخية، المطلة على المحيط الأطلسي، لكن الذهاب إلى الرباط كان يتطلب الحصول أولا على ترخيص من الإدارة. وكان رؤساؤنا يعاقبون الضباط المخالفين للتعليمات، بصرامة وحزم. إلا أن المجندين كانوا يقتنصون الفرصة دائما، ويتسللون إلى الخارج ويتوجهون إلى مدينة الرباط للاستكشاف.

في القاعدة، كان البرنامج حافلا جدا، يبدأ اليوم مع أولى ساعات الصباح، وترفع الأعلام الأمريكية، ثم يشرع المجندون في التدريب. قضيت فترة لا بأس بها داخل المطبخ. وكانت مهمتي رفقة مئات المجندين تتمثل في تحضير الوجبات للجنود، وأثار انتباهي أن كل أنواع الطعام المستعملة في مطابخ القاعدة تأتي مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية.

ثم انتقلت إلى قسم الذخيرة، وكنت مسؤولا عن الشحنات التي تغادر القاعدة جوا.

سمعنا الكثير من الحكايات داخل القاعدة، عن جنود سابقين، خصوصا خلال فترة الحرب، عوقبوا لأنهم سهلوا حصول بعض المقاومين المغاربة على أسلحة أمريكية من قلب القواعد الأمريكية.

وكان معنا جنود برتب أعلى، قضوا سنوات في الخدمة داخل القاعدة، وكانوا قد تعلموا بعض الكلمات باللغة العربية، ولديهم أصدقاء مغاربة خارج القاعدة، خصوصا في الدار البيضاء والرباط.

في حالتنا نحن، لم يحدث أبدا أن وقعت أمور مشابهة، لكن الإدارة كانت صارمة جدا بخصوص المعدات العسكرية وسلامة محيط القاعدة».

 

الأمريكيون تخوفوا من المد الروسي في المغرب..

ما بين مارس 1956 وشهر ماي 1957، لم يرد الأمريكيون ردا رسميا على دعوة المغرب لفتح موضوع إخلاء القواعد الأمريكية فوق التراب المغربي.

قواعد يشغلها الأمريكيون منذ 1943، وشرعوا في توسعتها وإعدادها وفق احتياجات مرحلة الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي.

كان موقع بعض القواعد، خصوصا قاعدة سيدي سليمان، ثم قاعدة القنيطرة، استراتيجيا بالنسبة للأمريكيين. ووفق خبرائهم، فإن قاعدة القنيطرة كانت أنسب مكان في الخريطة لمراقبة الهجوم السوفياتي المحتمل على الولايات المتحدة. أبعد نقطة تراقب المحيط الأطلسي كاملا، وتسمح للأمريكيين بالتوفر على مراقبة استباقية للأجواء.

تحول ملف الجلاء إلى مشروع حكومي، بموافقة من الملك الراحل محمد الخامس الذي أثار الموضوع لأول مرة في خطاب يعود إلى سنة 1956، ونشرت الصحافة المغربية المدافعة عن تيار عبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد، في دجنبر 1957، مقالات ترفع شعار «الجلاء الشامل والنهائي» للقوات الأمريكية والفرنسية عن المغرب.

لكن سرعان ما أصبحت الحملة ضد الأمريكيين على وجه الخصوص. ومع وصول عبد الله إبراهيم إلى الوزارة الأولى نهاية 1958، عاد موضوع «الجلاء»، إلى الواجهة، في شهر شتنبر 1959، عندما طالب الوزير الأول المغربي رسميا بجلاء القوات الأمريكية، ووجه رسالة إلى المسؤولين الأمريكيين في المغرب يطلب منهم الرد على المقترح المغربي، مشيرا إلى الخطوة الملكية الأولى التي فُتح فيها الموضوع مع الأطراف الأمريكية، ودعاهم إلى ضرورة احترام استمرار المحادثات مع الملك الراحل محمد الخامس.

في الطرف الآخر، كان الأمريكيون يتخوفون من أن يكون لموضوع «الجلاء» علاقة بالاتصالات بين المغرب والاتحاد السوفياتي. فقد كانت وزارة الدفاع في روسيا أهدت للمغرب أسطولا كاملا من الطائرات المقاتلة، كما أن عسكريين سوفيات كانوا يشرفون على تدريب الطيارين المغاربة.

ولم يكن الأمريكيون ليسمحوا للروس بالفوز باتفاق عسكري مع المغرب، على حساب القواعد الأمريكية.

أبان الأمريكيون عن حسن نية تجاه الملك الراحل محمد الخامس، عندما فتحوا باب المحادثات لترتيب موضوع الإخلاء، لكن المسؤولين لم يُخفوا للملك الراحل، وولي العهد الأمير مولاي الحسن، تخوفهم من أي توسع روسي في المنطقة، على حساب صداقة المغرب مع الولايات المتحدة.

بعد مضي ثلاثة أشهر على مذكرة شتنبر، التي بعثها عبد الله إبراهيم بأمر من الملك الراحل محمد الخامس، توصل المغرب والولايات المتحدة، في دجنبر 1959 إلى اتفاق نهائي، يقضي بجلاء القوات الأمريكية وإخلاء القواعد العسكرية، في أجل أقصاه سنة 1963. وهكذا زف الملك الراحل خبر الاتفاق مع الأمريكيين على «الجلاء»، وفق التصور الزمني أعلاه، إلى المغاربة في خطاب تاريخي.

 

محمد الخامس أول من أثار «إرث» القواعد الأمريكية بالمغرب منذ 1956

«ليس بخاف أننا لم نفتأ -منذ استرجاع المغرب استقلاله- نضع في مقدمة اهتمامنا قضية وجود الجيوش الأجنبية المختلفة فوق تراب مملكتنا، عاملين على جلائها دون قيد أو شرط».

هذا مقتطف من خطاب الملك الراحل محمد الخامس، يعود إلى تاريخ 15 فبراير 1956.

وكانت تلك المرة الأولى التي يتحدث فيها الملك الراحل محمد الخامس عن موضوع إخلاء القواعد العسكرية الفرنسية والأمريكية الموجودة في المغرب.

بعض الأطراف، تنسب «شرف» إثارة موضوع القواعد الأجنبية، إلى عبد الله إبراهيم، على اعتبار أن الأخير طالب في شهر شتنبر 1959 بجلاء القوات الأمريكية وتسليم القواعد العسكرية إلى الدولة المغربية. إلا أن التاريخ يشهد أن الملك الراحل محمد الخامس أول من أثار الموضوع. بل وأعاد إثارته في خطاب العرش في نونبر سنة 1960، عندما تحدث مرة أخرى عن جلاء القوات الأمريكية وإرث القواعد العسكرية الأجنبية في المغرب، ثم مسألة موريتانيا التي كانت تشغل وقتها الرأي العام الوطني.

بث الخطاب الملكي على أمواج الراديو، وخلف ردود فعل متباينة في أوساط السفارات الأجنبية في الرباط.

خاطب الملك الراحل محمد الخامس المغاربة يومها واضعا خارطة طريق لإتمام «جلاء» القوات الأمريكية عن المغرب:

«إن من بين القضايا الكبرى التي ظلت تشغل بالنا، وتنال حظا وافرا من اهتمامنا، قضية جلاء الجيوش الأجنبية التي يتنافى وجودها فوق ترابنا مع سيادتنا. لقد أعطينا الأولوية لهذه القضية المهمة، واتجهنا إلى تصفيتها بحزم وجد مع الدول التي يعنيها الأمر، فكان من نتائج جهودنا المبذولة في هذا الميدان أن تم اتفاق بيننا وبين الرئيس ايزنهاور أثناء اجتماعنا معه بالدار البيضاء حول الجلاء عن القواعد الأمريكية، وصدر بلاغ مشترك تعهدت فيه جمهورية الولايات المتحدة بأن تشرع في سحب قواتها سحبا كاملا قبل نهاية سنة 1963، وغداة صدور البلاغ المشترك شرع في تطبيق الاتفاق وفعلا تسلمنا قاعدة ابن سليمان ومطار سلا ومركز الردار بالسعيدية ومشرع بلقصيري .

كما وقع الاتفاق مع الحكومة الفرنسية على جلاء قواتها عن بلدنا جلاء تاما قبل الثاني من شهر مارس 1961، وتحويل قواعدها العسكرية الجوية إلى مدارس لتعليم الطيران موضوعة تحت مراقبتنا ومفتوحة أمام طلبتنا، وستصفى هذه المدارس بدورها قبل نهاية سنة 1963.

وإلى يومنا هذا احتل جيشنا جل الثكن الفرنسية السابقة بالدار البيضاء ومديونة وجميع ثكن عين حرودة والقنيطرة، كما احتل مطار مدينة الرباط وكافة المنشآت العسكرية التي كانت موجودة بعاصمتنا، ومنها مركز القيادة العليا الفرنسية.

وقد عينا لجنة وزارية تسهر على تطبيق اتفاقية الجلاء، وتراقب المدارس الجوية التي فقدت كل صبغة عسكرية، والتي لن يسمح للقوات المنسحبة أن تتجمع فيها، ولا أن تستعمل كقاعدة لأعمال حربية، كما عينا لجانا من القوات المسلحة الملكية تقيم داخل هذه المدارس، للسهر على تطبيق مقتضيات الاتفاقية تطبيقا تاما».

 

 

سيناريو ربط بين استقرار المغرب ووجود القواعد الأمريكية

يحكي الكاتب البريطاني برنارد نيومان، أثناء زيارته إلى المغرب سنة 1952، عن وجود القواعد الأمريكية في المغرب. بالنسبة له، كان موضوع هذه القواعد مثيرا للفضول، وتساءل في كتابه Morocco Today، الصادر سنة 1953، عما إن كانت القواعد الأمريكية في المغرب تشبه القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا، خصوصا في ألمانيا الغربية. وخلص إلى أن خصوصية القواعد الأمريكية في المغرب، تتمثل في أن المغاربة يرون في الوجود الأمريكي فوق ترابهم، استمرارا للاستعمار الذي بدأته فرنسا منذ 1912، ولم تفلح في تطبيقه بشكل كامل -كما وقع في الجزائر- بين المغاربة. هذه الخلاصة استقاها نيومان من خلال لقاءاته مع بعض قادة حزب الاستقلال -لم يذكر أسماءهم-.

بعد الحرب العالمية الثانية، ازدادت وتيرة انتشار القواعد الأمريكية في العالم، لكن القواعد المنتشرة في المغرب، خصوصا قاعدة القنيطرة ثم قاعدة سيدي سليمان، كانتا الأهم في شمال إفريقيا، بحكم الموقع الجغرافي الذي يتيح للجيش الأمريكي نصب الرادارات ومراقبة أي هجوم سوفياتي محتمل قبل أن يعبر المحيط الأطلسي. وبلغة الأمن العسكري، فقد كان الأمريكيون يتوفرون على أسبقية أكثر من سبع ساعات أمام السوفيات، لحماية أمريكا من أي هجوم سوفياتي محتمل.

يحكي نيومان في كتابه عن أجواء القواعد الأمريكية، وكيف اطلع عليها خلال رحلته في مختلف أقاليم المغرب، خصوصا عندما كان في طريقه إلى مدينة مراكش، حيث رأى قاعدة «بنكرير» الأمريكية، ورغم أنها لم تكن قاعدة كبرى، إلا أن وجودها في المنطقة كان فعلا مثيرا للاهتمام:

«طريقنا كان بجانب قاعدة جوية أمريكية. قال لي أحد العمال الاعتياديين في المقهى المجاور، إن القاعدة تتوفر على أطول مدرج طائرات في العالم. إنه يتسع لطائرة من نوع B36 -الطائرة المصممة لحمل القنبلة الذرية- ولأي طراز يتم تطويره.

أضاف الرجل بثقة قائلا إن هناك مخزنا للقنابل الذرية في المغرب، لكنه لم يكشف لي عن مصدر معلومته.

تدهورت المنطقة لتصبح شبه صحراوية. القرى المتفرقة جمعت دورها ومنازلها خلف أسوار صخرية للحماية. خراف داكنة، وأبقار صفراء، وجِمال شعثاء، تنضاف كلها إلى المشهد، لتصبح مموهة تماما على الخلفية. وكذلك أيضا كان الفلاحون والرعاة بجلابيبهم البنية الرثة.

بعد منطقة بن گرير، تغير طابع المنازل، وصارت الآن تبدو أكواخا مكعبة من الطين.

ظهرت قاعدة أمريكية أخرى في الأفق. تطوع رقيب من الجيش الأمريكي، أركبناه معنا في الطريق، لكي يقدم لنا معلومات مفادها أن القاعدة كانت الأكبر في العالم -طولها ستة أميال- ولم أستطع أن أناقش تصريحه مقارنة مع مزاعم الآخر».

طرح نيومان مسألة إرث هذه القواعد الأمريكية في حال استقلال المغرب، أو وقوع مستجد دولي.. ونقل السؤال سنة 1952 دائما، إلى الفرنسيين وإلى المتحزبين الوطنيين المغاربة -خصوصا من حزب الاستقلال-فكانت الردود التي حصل عليها متباينة.

الفرنسيون أكدوا أن مسألة مغادرتهم للمغرب لن تحدث إلا إن قامت حرب عالمية ثالثة. وكان هناك إجماع بين الشخصيات الفرنسية التي حاورها نيومان في كتابه، بخصوص استمرار الوجود العسكري والمدني الفرنسي في المغرب. لم يكن الفرنسيون يضعون احتمالا واحدا لمغادرتهم المغرب خلال السنوات المقبلة.

أما الوطنيون المغاربة، فربطوا بين مغادرة فرنسا وإخلاء القواعد الأمريكية، وكانوا يرون أن الإخلاء ليس إلا مسألة وقت فقط..

أقل من ثلاث سنوات على صدور الكتاب، انقلبت كل المؤشرات التي كان يضعها الفرنسيون نصب أعينهم. حصل المغرب على الاستقلال، وأثار الملك الراحل محمد الخامس موضوع جلاء القوات الأمريكية منذ 1956.. وفي سنة 1960، كان مخطط الجلاء ساري المفعول، ويسير وفق خط زمني متفق عليه!

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى