حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةسياسية

الحكومة حققت تقدما في وضع لبنات مهمة لمشروع الدولة الاجتماعية لكنها لم تستطع تحويل هذا البناء إلى أثر اجتماعي


 

  1. ما أهم الملفات التشريعية المعروضة على الحكومة؟

إن الأشهر الأخيرة من عمر الولاية الحكومية الحالية ليست سباقا تقنيا يروم إنهاء ما تبقى من مشاريع القوانين، بل تعكس لحظة سياسية مركبة، تتقاطع فيها الحصيلة مع الحساب، والإصلاح مع الكلفة، والتدبير اليومي مع سؤال الإرث التشريعي الذي ستتركه الحكومة خلفها. فالأداء الحكومي لا يقاس فقط بما التزمت به الحكومة في بداية ولايتها، بل بما استطاعت أن تحققه في نهايتها، خاصة حين يتعلق الأمر بملفات مؤجلة أو خلافية أو ذات أثر مباشر على بنية الدولة والمجتمع.

وفي هذا الإطار، تبدو الأجندة التشريعية للحكومة محكومة بثلاثة عناوين كبرى: إصلاح العدالة، تنزيل الدولة الاجتماعية، وترتيب الخيارات الاقتصادية والمالية، قبل نهاية الولاية. إلا أن هذه العناوين لا تتحرك في فراغ سياسي، بل في خضم توترات مهنية واجتماعية وحقوقية، تجعل من كل نص قانوني اختبارا لمدى قدرة الحكومة على إنتاج التوافق، لا مجرد تمرير الأغلبية.

ويأتي مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة في مقدمة الملفات الأكثر حساسية، لأنه تجاوز طابعه المهني الضيق ليصبح عنوانا لسؤال أعمق حول علاقة الدولة بالمهن القانونية وباستقلالية الفاعلين داخل منظومة العدالة. فالخلاف حول هذا المشروع لا يتعلق فقط بتفاصيل تقنية تخص شروط الولوج أو التأديب أو التنظيم الداخلي، بل يعكس توترا أعمق بين منطق التحديث الإداري ومنطق الاستقلالية المهنية. وهنا تكمن دلالة الملف: فالإصلاح حين لا يبنى على توافق متين، قد يتحول من وعد بالتحديث إلى مصدر جديد للاحتقان.

ولا ينفصل هذا الملف عن ورش إصلاح العدالة في معناه الأوسع، حيث تظل نصوص المسطرة الجنائية والمسطرة المدنية وباقي القوانين المنظمة للمهن القضائية في قلب النقاش العمومي. فهذه النصوص تمس علاقة المواطن بالقضاء، وحدود السلطة، وضمانات المحاكمة العادلة، وفعالية الولوج إلى العدالة. وبالتالي فإن جوهر السؤال الحقيقي لا يتعلق بسرعة المصادقة، بل بجودة النصوص وقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين النجاعة المؤسساتية وحماية الحقوق والحريات. فالعدالة لا تصلح بمنطق المسطرة وحده، بل بمنطق الثقة أيضا.

أما ورش مراجعة مدونة الأسرة فيمثل ملفا يختلف في طبيعته عن باقي الإصلاحات التشريعية، لأنه لا يقتصر على تعديل قواعد قانونية تنظم العلاقات الأسرية، بل يلامس أحد أكثر المجالات التصاقا بالبنية القيمية والثقافية للمجتمع المغربي. ولذلك، فإن هذا الورش لا يختبر فقط قدرة المشرع على إنتاج نص قانوني جديد، وإنما يختبر، قبل ذلك، قدرة الدولة على إدارة التحول الاجتماعي في مجتمع يعرف تحولات ديموغرافية واقتصادية وثقافية متسارعة، دون أن يتحول الإصلاح إلى مصدر للاستقطاب أو الانقسام.

وتزداد خصوصية هذا الورش بالنظر إلى أنه انطلق بتوجيهات ملكية، وبمرجعية دستورية ودينية واضحة، بما يعكس أن الدولة اختارت مقاربة تقوم على التوفيق بين مقتضيات التطور الاجتماعي وثوابت الأمة، بعيدا عن منطق الغلبة الإيديولوجية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تعديل بعض المقتضيات القانونية، وإنما في بناء توازن دقيق بين حماية الحقوق، ومراعاة التحولات التي تعرفها الأسرة المغربية، والحفاظ على التماسك المجتمعي باعتباره شرطا لنجاح أي إصلاح مستدام.

ومن هذا المنطلق، فإن مدونة الأسرة لا تمثل مجرد نص قانوني معروض على المسطرة التشريعية، بل تشكل لحظة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون والمجتمع. فالقوانين ذات الطبيعة الأسرية لا تستمد مشروعيتها من سلامة صياغتها القانونية وحدها، وإنما من قدرتها على التعبير عن التوازنات العميقة داخل المجتمع، واستيعاب تحولات الواقع دون القطيعة مع مرجعياته. ولذلك، فإن نجاح هذا الورش لن يقاس بسرعة إخراجه، أو بحجم التعديلات التي سيتضمنها، بقدر ما سيقاس بقدرته على إنتاج توافق مجتمعي يجعل الإصلاح إطارا للاستقرار، لا مدخلا لاستدامة الجدل.

 

  1. هل نجحت الحكومة في تنفيذ برنامجها؟

لا يمكن مقاربة حصيلة الحكومة بمنطق الثنائية المبسطة بين النجاح والإخفاق، لأن هذا المنظور يغفل طبيعة الفعل الحكومي داخل النظام الدستوري المغربي، كما يتجاهل السياق الاستثنائي الذي طبع الولاية الحالية. فالتقييم المتوازن يقتضي التمييز بين مستويين اثنين: مستوى المبادرة الاستراتيجية، الذي يندرج في عدد من الملفات ضمن التوجيهات الملكية الكبرى، ومستوى الفعالية الحكومية في تحويل تلك التوجيهات إلى سياسات عمومية، وأطر تشريعية، وآليات تنفيذ، ونتائج قابلة للقياس.

ومن هذه الزاوية، يصعب إنكار أن الحكومة أبانت عن دينامية واضحة على مستوى الإصلاح المؤسساتي، سواء من خلال مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، أو استكمال إصلاح المنظومة الصحية، أو تفعيل ميثاق الاستثمار، أو الدفع بعدد من الإصلاحات التشريعية المرتبطة بمنظومة العدالة والإدارة. غير أن القيمة السياسية لهذه المنجزات لا تكمن في استصدار النصوص، أو إطلاق البرامج، وإنما في قدرتها على إحداث تحول نوعي في أداء المؤسسات وفي جودة الخدمات العمومية. فالإصلاح، في جوهره، ليس حدثا تشريعيا، بل عملية تراكمية يقاس نجاحها بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وثقتهم في الدولة.

في المقابل، فإن البرنامج الحكومي لم يكن مجرد إعلان نوايا، بل تعاقدا سياسيا تضمن أهدافا كمية ونوعية واضحة، من قبيل إحداث مليون منصب شغل، وتعزيز الطبقة الوسطى، وتحسين القدرة الشرائية، ورفع وتيرة النمو الاقتصادي. وعند إخضاع هذه الالتزامات لمنطق التقييم الموضوعي، يتبين أن جانبا مهما منها لم يتحقق بالمستوى الذي رسم له، أو لم يحدث الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي كان منتظرا. وهنا تظهر الفجوة التقليدية بين الإنجاز الإداري والإنجاز التنموي؛ فليس كل إصلاح مؤسساتي ينتج بالضرورة تحولا اقتصاديا أو اجتماعيا بالسرعة والعمق نفسيهما.

ولا يمكن، بطبيعة الحال، فصل هذه الحصيلة عن السياق الذي اشتغلت فيه الحكومة. فقد تزامنت ولايتها مع تداعيات جائحة «كوفيد-19»، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع معدلات التضخم، واضطراب سلاسل التوريد العالمية، وما ترتب على ذلك من ضغوط على المالية العمومية والاقتصاد الوطني. غير أن استحضار هذه الإكراهات، على وجاهته، لا يعفي الحكومة من مسؤولية النتائج، ذلك أن الشرعية السياسية لا تختصر في حسن تدبير الخطاب، بل في القدرة على تدبير الأزمات والتقليص من تداعياتها الاجتماعية. فالمواطن لا يقارن الواقع بما كان يمكن أن يكون، وإنما يقارنه بما وعد به.

اقتصاديا، حافظت الحكومة على قدر معتبر من الاستقرار الماكرو-اقتصادي، واستمرت في تنفيذ إصلاحات هيكلية استهدفت تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز التوازنات المالية. غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لم تكن كافية لإنتاج أثر اجتماعي مماثل. فالاقتصاد الكلي قد يحقق قدرا من الاستقرار، بينما يظل الاقتصاد المعيشي للمواطن تحت ضغط البطالة، وغلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية. وهذه إحدى الإشكالات البنيوية في السياسات العمومية، حين تتسع المسافة بين تحسن المؤشرات الكلية وبين إدراك المجتمع لثمارها الفعلية.

 

  1. ماذا بخصوص الملف الاجتماعي؟

إذا كان لكل ولاية حكومية ملف يختزل صورتها في الوعي العام، فإن الملف الاجتماعي هو العنوان الذي ستقرأ من خلاله التجربة الحكومية الحالية. ذلك أن الحكومة جعلت من إرساء الدولة الاجتماعية محور برنامجها، غير أن هذا الورش، في السياق الدستوري المغربي، ليس مشروعا حكوميا بالمعنى الضيق، بل هو خيار استراتيجي للدولة انطلق بتوجيهات ملكية، تجسد في إطلاق أوراش كبرى، على رأسها تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وإعادة هيكلة منظومة الدعم الاجتماعي. ومن ثم، فإن تقييم الحكومة ينبغي أن ينصرف أساسا إلى قدرتها على تنزيل هذه الأوراش، وتعبئة الموارد اللازمة لها، وضمان نجاعتها واستدامتها، أكثر من نسب المبادرة إليها.

ولا شك أن الحكومة أحرزت تقدما على هذا المستوى، إذ أشرفت على توسيع التغطية الصحية، وإطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة إصلاح المنظومة الصحية، وإحياء الحوار الاجتماعي، وإطلاق إصلاحات في التعليم، إلى جانب برامج لدعم التشغيل وتحفيز الاستثمار. وهي خطوات تعكس إرادة في ترجمة الاختيارات الاستراتيجية للدولة إلى سياسات عمومية ومؤسسات وآليات تنفيذ. غير أن الإصلاحات الكبرى لا تقاس بقوة النصوص أو بحجم الاعتمادات المرصودة لها فحسب، وإنما بمدى قدرتها على إعادة تشكيل الواقع الاجتماعي، وتقليص الفوارق، وتحسين جودة الحياة.

وهنا تبرز المفارقة التي طبعت الحصيلة الاجتماعية للحكومة. فقد بدا أن وتيرة البناء المؤسساتي كانت أسرع من وتيرة الأثر الاجتماعي. فالحماية الاجتماعية، رغم أهميتها، واجهت تحديات مرتبطة بالتمويل، وبجاهزية المنظومة الصحية، وبالخصاص في الموارد البشرية، وبالتفاوتات المجالية في الولوج إلى الخدمات. لذلك، ظل الانتقال من الاعتراف القانوني بالحق إلى ضمان ممارسته الفعلية يمثل التحدي الأكبر في هذا الورش.

ويظل ملف التشغيل الاختبار الأكثر حساسية لهذا المشروع برمته. فمهما اتسعت شبكات الحماية، يبقى التشغيل الوسيلة الأكثر استدامة لتحقيق الكرامة والاستقلال الاقتصادي. وقد أطلقت الحكومة عددا من البرامج واعتمدت خارطة طريق للتشغيل، وربطت جزءا من سياساتها الاستثمارية بخلق فرص العمل، إلا أن النتائج بقيت دون سقف الالتزامات المعلنة، واستمرت البطالة، خاصة في صفوف الشباب، في مستويات مقلقة. ويكشف ذلك أن معضلة التشغيل ليست مرتبطة بضعف المبادرات، بقدر ما ترتبط باختلالات هيكلية في النموذج الاقتصادي، وبمحدودية قدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج فرص شغل كافية وذات قيمة مضافة.

وفي قطاعي الصحة والتعليم، ورغم الإصلاحات الجارية، ما زالت جودة الخدمات العمومية تمثل التحدي الأكبر. فنجاح تعميم التغطية الصحية يظل رهينا بتأهيل المستشفيات، وتوفير الموارد البشرية، وتقليص الفوارق المجالية. كما أن إصلاح التعليم، بما في ذلك تجربة مدارس الريادة، سيظل محكوما بقدرته على الارتقاء بجودة التعلمات، واستعادة دور المدرسة العمومية في تحقيق تكافؤ الفرص والحراك الاجتماعي، لا بنتائج مرحلية أو مؤشرات ظرفية.

كما أعاد الحوار الاجتماعي جزءا من الثقة بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين، وأفضى إلى تحسينات في الأجور والدخل، غير أن أثرها تقلص بفعل التضخم وارتفاع كلفة المعيشة. وفي المقابل، بقي إصلاح أنظمة التقاعد مؤجلا، رغم أنه من أكثر الملفات الاجتماعية إلحاحا وتعقيدا، بالنظر إلى التحديات المالية والديموغرافية التي تواجهها بعض الصناديق.

وفي تقديري، حققت الحكومة تقدما ملموسا في وضع لبنات مؤسساتية مهمة لمشروع الدولة الاجتماعية، وساهمت في تنزيل برامج استراتيجية للدولة، لكنها لم تستطع، حتى الآن، أن تحول هذا البناء إلى أثر اجتماعي يوازي حجم الطموحات التي رافقته. فالدولة الاجتماعية تقوم على معادلة متكاملة: اقتصاد قادر على خلق الثروة وفرص الشغل، وخدمات عمومية ذات جودة، وآليات فعالة لإعادة توزيع ثمار النمو، بما يعزز شعور المواطن بالأمن الاجتماعي والكرامة وتكافؤ الفرص. وعندما تكتمل هذه العناصر، يتحول الإصلاح من مشروع مؤسساتي إلى واقع يعيشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية.

 

* أستاذة القانون العام – كلية العلوم القانونية والسياسية – ابن طفيل

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى