ملفات ثقيلة على طاولة الحكومة في آخر أشهر ولايتها
تعديل قوانين وإصلاح إداري ومواجهة أزمات التشغيل والتعليم والحماية الاجتماعية

في الأشهر الأخيرة من ولايتها، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام أجندة تشريعية وإصلاحية كثيفة، تتداخل فيها رهانات استكمال الأوراش الكبرى مع الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026. وبينما تؤكد الحكومة أنها ماضية في تنزيل التزاماتها إلى آخر يوم من عمر الولاية، ترى المعارضة أن المرحلة الحالية تحولت إلى سباق مع الزمن لتمرير مشاريع قوانين استراتيجية ظلت مؤجلة لسنوات، وسط استمرار نقاشات سياسية ومجتمعية حادة حول عدد من الملفات.
وتتصدر هذه الأجندة ملفات العدالة، وإصلاح المؤسسات، والتغطية الاجتماعية، والتشغيل، والتعليم، فضلا عن مشاريع قوانين ذات طابع اقتصادي وتنظيمي، تراهن الحكومة على استكمالها قبل نهاية الولاية، باعتبارها جزءا من برنامجها الإصلاحي الذي انطلق منذ سنة 2021.
إعداد: النعمان اليعلاوي
إصلاح مهنة المحاماة.. أكبر اختبار للحكومة
يعد مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الأوساط السياسية والقانونية، بعدما تحول إلى محور مواجهة مفتوحة بين الحكومة وجمعية هيئات المحامين بالمغرب.
ورغم تأكيد وزارة العدل أن المشروع يهدف إلى تحديث المهنة وملاءمة مقتضياتها مع الدستور والتحولات التي يعرفها قطاع العدالة، فإن المحامين يعتبرون أن النص تضمن مقتضيات تمس باستقلالية المهنة، وتم إعدادها دون احترام المقاربة التشاركية التي يفرضها الدستور.
وقد دخلت الأزمة مرحلة غير مسبوقة بعدما أعلنت جمعية هيئات المحامين الاستمرار في تعليق الخدمات المهنية والمساعدة القضائية، إلى جانب تنظيم اعتصام مفتوح أمام البرلمان، مع تشكيل لجنة للترافع الدولي، في تصعيد يعكس حجم الاحتقان الذي يرافق مناقشة المشروع.
وفي المقابل، دخل مجلس المنافسة على الخط عبر رأي استشاري دعا فيه إلى مراجعة عدد من المقتضيات التي اعتبرها مقيدة للمنافسة، خصوصا ما يتعلق بالسن الأقصى لولوج المهنة واشتراط شهادة الماستر، مؤكدا أن الإصلاح ينبغي أن يوازن بين جودة التكوين وضمان المنافسة وحق المواطنين في الولوج إلى الخدمات القانونية.
التشغيل في صدارة الأولويات
مع استمرار البطالة في مستويات مرتفعة، تحول ملف التشغيل إلى أولوية قصوى بالنسبة للحكومة خلال ما تبقى من ولايتها، خصوصاً بعدما أصبح من أبرز القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام، في ظل تزايد الطلب على فرص الشغل، ولا سيما في صفوف الشباب وحاملي الشهادات. ورغم المؤشرات الإيجابية التي حققها الاقتصاد الوطني في بعض القطاعات، فإن سوق الشغل ما يزال يواجه تحديات مرتبطة بضعف إحداث مناصب الشغل مقارنة بوتيرة نمو عدد الوافدين الجدد إلى سوق العمل، فضلاً عن تأثير سنوات الجفاف وتداعيات الأزمات الدولية على عدد من الأنشطة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة خارطة طريق وطنية جديدة للتشغيل، خصصت لها اعتمادات مالية إضافية، بهدف جعل خلق فرص العمل محوراً مركزياً في مختلف السياسات العمومية. وترتكز هذه الخارطة على تحفيز الاستثمار المنتج، ومواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحسين قابلية التشغيل لدى الشباب، وتعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية لضمان نجاعة التدخلات العمومية في مجال التشغيل.
وتعتبر الحكومة أن خلق فرص الشغل لا يمكن أن يتحقق من خلال برامج الدعم المباشر فقط، بل يستدعي تحريك عجلة الاستثمار العمومي والخاص، وتشجيع المبادرة المقاولاتية، وتوفير مناخ أعمال أكثر جاذبية. ومن هذا المنطلق، تواصل تنزيل الميثاق الجديد للاستثمار، الذي يمنح حوافز مالية وضريبية للمشاريع الاستثمارية، مع تركيز خاص على المشاريع ذات القيمة المضافة العالية والقادرة على إحداث مناصب شغل مستقرة، سواء على المستوى الوطني أو داخل الجهات الأقل استفادة من الاستثمارات.
كما تواصل الحكومة تنزيل برامج دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، باعتبارها النسيج الاقتصادي الأكثر قدرة على خلق فرص العمل، من خلال تسهيل الولوج إلى التمويل، وتبسيط المساطر الإدارية، وتعزيز المواكبة التقنية والإدارية، فضلاً عن تشجيع الابتكار والتحول الرقمي داخل هذه المقاولات، بما يمكنها من الرفع من تنافسيتها وتوسيع أنشطتها.
ويحظى قطاع الصناعة باهتمام خاص ضمن استراتيجية التشغيل، حيث تراهن الحكومة على مواصلة تنفيذ مخططات التصنيع، وجذب استثمارات جديدة في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والرقمية، بالنظر إلى قدرتها على توفير مناصب شغل مؤهلة وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وفي موازاة ذلك، تعمل الحكومة على تشجيع ريادة الأعمال وتطوير المقاولات الناشئة، من خلال إطلاق برامج موجهة للشباب وحاملي المشاريع، وتوفير آليات للتمويل والمواكبة والتكوين، بما يسمح بتحويل الأفكار المبتكرة إلى مشاريع اقتصادية قادرة على خلق فرص الشغل. كما تواصل دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتباره رافعة للتشغيل، خاصة في العالم القروي والمناطق ذات الهشاشة الاقتصادية.
استكمال ورش الحماية الاجتماعية
يظل ورش الدولة الاجتماعية أبرز عنوان للولاية الحكومية الحالية، إذ تواصل الحكومة استكمال تنزيل المشروع الملكي المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية، باعتباره أكبر إصلاح اجتماعي يشهده المغرب خلال العقود الأخيرة، وأحد الأوراش الاستراتيجية التي تراهن عليها السلطة التنفيذية لتغيير طبيعة السياسات الاجتماعية والانتقال من منطق الدعم القطاعي إلى منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية تستهدف مختلف فئات المجتمع.
وخلال الأشهر الأخيرة من الولاية، كثفت الحكومة جهودها لاستكمال تنزيل مختلف مكونات هذا الورش، الذي يقوم على أربعة محاور رئيسية تشمل تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وتوسيع الاستفادة من التعويضات العائلية، وإرساء نظام للدعم الاجتماعي المباشر لفائدة الأسر المستحقة، إضافة إلى توسيع قاعدة المنخرطين في أنظمة التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل، وذلك في إطار تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى تعميم الحماية الاجتماعية على جميع المغاربة.
ويتصدر تعميم التأمين الإجباري عن المرض أولويات الحكومة، بعدما أصبح ملايين المواطنين الذين لم يكونوا يستفيدون سابقاً من أي تغطية صحية منخرطين في المنظومة الجديدة، وهو ما فرض في المقابل تحديات كبيرة على مستوى تمويل النظام الصحي وتحسين جودة الخدمات الصحية العمومية، خاصة مع تزايد الإقبال على المستشفيات والمراكز الصحية.
وتؤكد الحكومة أن المرحلة الحالية لم تعد تقتصر على توسيع عدد المستفيدين، بل انتقلت إلى تحسين جودة الخدمات المقدمة، من خلال مواصلة إصلاح المنظومة الصحية، وتعزيز الموارد البشرية، وبناء وتجهيز مستشفيات جديدة، وإعادة تأهيل المؤسسات الصحية القائمة، فضلاً عن تحديث آليات تدبير المنظومة الصحية لتستجيب للطلب المتزايد على العلاج.
وفي هذا الإطار، تواصل الحكومة تنزيل القانون المتعلق بالمجموعات الصحية الترابية، الذي يمثل أحد الأعمدة الأساسية للإصلاح الصحي، إذ يهدف إلى إعادة تنظيم العرض الصحي على المستوى الجهوي، ومنح الجهات صلاحيات أوسع في تدبير المؤسسات الصحية، بما يضمن تقريب الخدمات من المواطنين وتحسين حكامة القطاع، وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج.
كما تواصل الحكومة توسيع برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، الذي أصبح يشكل إحدى الركائز الأساسية للدولة الاجتماعية، حيث تستفيد منه مئات الآلاف من الأسر وفق معايير الاستهداف المعتمدة في السجل الاجتماعي الموحد. وترى الحكومة أن هذا البرنامج يمثل تحولاً نوعياً مقارنة بالبرامج الاجتماعية السابقة، لأنه يعتمد على الاستهداف المباشر للأسر الأكثر هشاشة، بما يضمن توجيه الموارد العمومية إلى الفئات المستحقة وتحسين نجاعة الإنفاق الاجتماعي.
وفي موازاة ذلك، تعمل الحكومة على استكمال إصلاح المنظومة الصحية من خلال تسريع وتيرة تأهيل المستشفيات الجامعية والإقليمية، وتوسيع شبكة مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، وتحسين ظروف اشتغال الأطر الطبية والتمريضية، فضلاً عن مواصلة تنزيل برامج الرقمنة داخل القطاع الصحي، بما يتيح تبسيط المساطر وتحسين تتبع الملفات الطبية للمرضى.
كما يشكل إصلاح المنظومة الدوائية أحد الملفات التي تحظى باهتمام خاص خلال ما تبقى من الولاية، إذ تسعى الحكومة إلى ضمان وفرة الأدوية الأساسية، وتشجيع الصناعة الدوائية الوطنية، وتقليص كلفة العلاج على المواطنين، بالتوازي مع مراجعة عدد من الآليات التنظيمية المرتبطة بالتغطية الصحية والتعويض عن المصاريف الطبية.
إصلاح المندوبية السامية للتخطيط
من بين أبرز المشاريع التي صادق عليها مجلس الحكومة في الأسابيع الأخيرة مشروع القانون رقم 47.26 المتعلق بالمندوبية السامية للتخطيط، والذي يمثل أحد أكبر الإصلاحات المؤسساتية خلال هذه الولاية.
ويقضي المشروع بتحويل المندوبية إلى هيئة للحكامة الجيدة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، انسجاما مع مقتضيات الفصل 159 من الدستور.
ولا يقتصر الإصلاح على الجانب المؤسساتي، بل يمنح الهيئة اختصاصات جديدة تتعلق بتقييم السياسات العمومية، وتتبع النموذج التنموي الجديد، وإعداد مؤشرات التنمية على المستوى الوطني والجهوي، بما يجعلها فاعلا أساسيا في توجيه القرار العمومي خلال السنوات المقبلة.
ويرى متابعون أن الحكومة تراهن على هذا الإصلاح لإرساء منظومة مستقلة لإنتاج البيانات الرسمية وتقييم البرامج العمومية، وهو مطلب ظل مطروحا منذ سنوات.
إصلاح الإدارة ورقمنة الخدمات
من الملفات التي تسعى الحكومة إلى استكمالها أيضا مواصلة رقمنة الإدارة العمومية وتبسيط المساطر الإدارية، وقد شهدت السنوات الأخيرة إطلاق عشرات المنصات الرقمية الخاصة بالخدمات الإدارية والاستثمارية، في إطار استراتيجية تستهدف تقليص آجال معالجة الملفات وتحسين علاقة الإدارة بالمواطن.
كما تعمل الحكومة على تطوير الحكومة الرقمية وتعزيز الأمن السيبراني وربط الإدارات العمومية بمنصات موحدة لتبادل المعطيات، وتواصل الحكومة كذلك مراجعة عدد من القوانين المنظمة للمؤسسات الدستورية وهيئات الحكامة، في إطار تنزيل مقتضيات دستور 2011.
ويشمل ذلك إعادة تنظيم عدد من المؤسسات، وتحديث اختصاصاتها، ومنحها استقلالية أكبر، بما يواكب متطلبات الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال
اقتصاديا، تواصل الحكومة تنزيل الإصلاحات المرتبطة بتحسين مناخ الاستثمار، عبر تفعيل الميثاق الجديد للاستثمار، وإحداث المراكز الجهوية للاستثمار بصيغتها الجديدة، وتبسيط المساطر، وتحفيز الاستثمار المنتج.
كما تراهن على المشاريع المرتبطة بالبنيات التحتية استعدادا لتنظيم كأس العالم 2030، والتي تشمل النقل والطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ.
وتعتبر الحكومة أن هذه المشاريع ستساهم في خلق فرص الشغل وتحريك الاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة، كما من الملفات التي لا تزال مطروحة أيضا مواصلة تنزيل الإصلاح الجبائي وفق توصيات المناظرة الوطنية للجبايات.
وتسعى الحكومة إلى توسيع الوعاء الضريبي، وتحقيق العدالة الجبائية، ومواصلة إصلاح الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة، بالتوازي مع الحفاظ على توازنات المالية العمومية.
كما تواصل تنفيذ برامج ترشيد النفقات، مع الحفاظ على مستوى مرتفع من الاستثمار العمومي.
الحكومة تسابق الزمن لحسم حصيلتها قبل نهاية الولاية
مع اقتراب العد العكسي لنهاية الولاية الحكومية، دخلت حكومة عزيز أخنوش مرحلة حاسمة من عمرها السياسي، عنوانها تسريع وتيرة الإصلاحات واستكمال الأوراش المفتوحة، في محاولة لتحويل الوعود التي حملها البرنامج الحكومي إلى حصيلة ملموسة قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية لسنة 2026. وبينما تؤكد الأغلبية أن الحكومة ماضية في تنفيذ التزاماتها إلى آخر يوم من ولايتها، ترى المعارضة أن المرحلة الحالية تشهد سباقاً لتمرير مشاريع قوانين استراتيجية وتأجيل الحسم في عدد من الملفات الاجتماعية التي لا تزال تلقي بظلالها على المشهد السياسي.
ومنذ بداية السنة الجارية، ارتفعت وتيرة اجتماعات مجلس الحكومة بشكل لافت، مع توالي المصادقة على مشاريع قوانين ومراسيم تنظيمية تهم قطاعات العدالة والصحة والاستثمار والحكامة والتعليم، في مؤشر على رغبة السلطة التنفيذية في استكمال أكبر عدد ممكن من الإصلاحات قبل انتهاء الولاية.
ويعتبر متابعون أن الحكومة تدرك أن تقييم أدائها خلال الاستحقاقات المقبلة لن يقتصر على المؤشرات الاقتصادية أو الخطابات السياسية، وإنما سيعتمد أساساً على مدى نجاحها في تحويل الإصلاحات الكبرى إلى قوانين ومؤسسات وبرامج قابلة للقياس، وهو ما يفسر تسارع وتيرة العمل التشريعي خلال الأشهر الأخيرة.
الدولة الاجتماعية في قلب الحصيلة
تضع الحكومة ورش الدولة الاجتماعية في مقدمة الملفات التي تعول عليها للدفاع عن حصيلتها، باعتباره أكبر مشروع اجتماعي عرفه المغرب خلال العقود الأخيرة، والمرتكز الأساسي للبرنامج الحكومي.
وتؤكد الحكومة أنها نجحت في تعميم التأمين الإجباري عن المرض على ملايين المغاربة، وإطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة إصلاح المنظومة الصحية، إلى جانب تنزيل القوانين المؤطرة للمجموعات الصحية الترابية، معتبرة أن هذه الإصلاحات تؤسس لنموذج اجتماعي جديد يقوم على توسيع الحماية الاجتماعية وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وفي المقابل، ترى المعارضة أن نجاح هذا الورش لا يقاس فقط بعدد المستفيدين، وإنما أيضاً بجودة الخدمات الصحية، واستدامة التمويل، وقدرة المستشفيات العمومية على مواكبة الارتفاع الكبير في عدد المنخرطين.
التشغيل.. الرهان الأصعب
لا يخفي المسؤولون الحكوميون أن التشغيل يظل أكبر التحديات المطروحة خلال ما تبقى من الولاية، في ظل استمرار البطالة، خاصة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات.
ولهذا السبب، أطلقت الحكومة خارطة طريق وطنية للتشغيل، مدعومة بميزانيات إضافية وبرامج لتحفيز الاستثمار، وتطوير المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتشجيع ريادة الأعمال، إلى جانب تسريع تنزيل الميثاق الجديد للاستثمار.
وترى الحكومة أن المشاريع الكبرى المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030، وتوسيع البنيات التحتية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، ستبدأ في إحداث أثر تدريجي على سوق الشغل، بينما تعتبر المعارضة أن نتائج هذه السياسات لم تنعكس بعد بالشكل الكافي على الواقع الاجتماعي.
إصلاحات تشريعية كبرى
على المستوى التشريعي، تسعى الحكومة إلى إنهاء عدد من النصوص القانونية التي تعتبرها أساسية ضمن حصيلتها.
ويبرز في مقدمة هذه الملفات مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، الذي تحول إلى أحد أكثر المشاريع إثارة للجدل، بعد رفض جمعية هيئات المحامين بالمغرب لمضامينه وإطلاقها برنامجاً احتجاجياً مفتوحاً، في وقت دعا فيه مجلس المنافسة إلى مراجعة عدد من مقتضياته المرتبطة بشروط الولوج إلى المهنة وتعزيز المنافسة داخل سوق الخدمات القانونية.
كما صادق مجلس الحكومة على مشروع القانون المتعلق بالمندوبية السامية للتخطيط، الذي يقضي بتحويلها إلى هيئة للحكامة الجيدة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، بما يعزز دورها في إنتاج الإحصائيات الرسمية وتقييم السياسات العمومية ومواكبة النموذج التنموي الجديد.
وتندرج هذه الإصلاحات ضمن مسار أوسع يهدف إلى تحديث المؤسسات الدستورية، وتعزيز الحكامة، وتحسين آليات التخطيط والتقييم، وهي ملفات تعتبرها الحكومة جزءاً من إرثها المؤسساتي.
التعليم والاستثمار في الرأسمال البشري
يواصل قطاع التعليم بدوره احتلال موقع متقدم ضمن أولويات الحكومة، التي تؤكد أن خارطة الطريق الخاصة بالإصلاح دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي، من خلال تعميم مؤسسات الريادة، وتوسيع التعليم الأولي، وإصلاح المناهج، وتعزيز التكوين المستمر للأطر التربوية.
وتعتبر الحكومة أن الاستثمار في الرأسمال البشري يشكل شرطاً أساسياً لتحقيق النمو الاقتصادي، فيما تطالب النقابات التعليمية بمواصلة الحوار بشأن الملفات المهنية وتحسين أوضاع العاملين بالقطاع.
اقتصادياً، تواصل الحكومة تنزيل الميثاق الجديد للاستثمار، باعتباره إحدى الركائز الأساسية لتحقيق النمو وخلق فرص الشغل.
كما تواصل إطلاق مشاريع كبرى في مجالات النقل والسكك الحديدية والموانئ والمطارات والطاقة، استعداداً للاستحقاقات الدولية المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، وهو ما تراهن عليه الحكومة لتحريك الاقتصاد الوطني وتعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية.
ويرى اقتصاديون أن نجاح هذه المشاريع سيشكل أحد أبرز المؤشرات التي سيقاس بها أداء الحكومة خلال السنوات المقبلة، بالنظر إلى أثرها المباشر على التنمية الجهوية والتشغيل.
بين الحصيلة والرهان الانتخابي
رغم أن الحكومة تؤكد أن وتيرة العمل الحالية تدخل في إطار الوفاء بالتزاماتها الدستورية، فإن المتابعين يرون أن الأشهر الأخيرة من الولاية تحمل أيضاً بعداً سياسياً واضحاً، بالنظر إلى اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، حيث تسعى مكونات الأغلبية إلى تقديم حصيلة قوية أمام الناخبين.
في المقابل، تعمل أحزاب المعارضة على إبراز الاختلالات التي رافقت تنفيذ البرنامج الحكومي، خصوصاً في ما يتعلق بارتفاع كلفة المعيشة، والبطالة، والقدرة الشرائية، معتبرة أن عدداً من الإصلاحات لم يحقق بعد الأثر المنتظر على حياة المواطنين.
ويجمع مراقبون على أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد الصورة النهائية للحكومة الحالية، ليس فقط من خلال عدد مشاريع القوانين التي ستتم المصادقة عليها، وإنما أيضاً بمدى قدرتها على معالجة الملفات الاجتماعية العالقة، واحتواء الاحتجاجات القطاعية، وتسريع تنزيل الأوراش الملكية الكبرى.
وبين حرص الأغلبية على إنهاء ولايتها بحصيلة تشريعية ومؤسساتية وازنة، وسعي المعارضة إلى تحويل النقاش نحو تقييم الأثر الفعلي للسياسات العمومية على معيش المواطنين، تدخل الحكومة آخر أشهرها أمام اختبار سياسي حقيقي. فنجاحها في استكمال الإصلاحات الكبرى، وتحقيق نتائج ملموسة في ملفات التشغيل، والحماية الاجتماعية، والتعليم، والاستثمار، سيكون العامل الحاسم في رسم ملامح حصيلتها، كما سيشكل أحد أبرز عناوين المنافسة السياسية التي ستسبق الانتخابات التشريعية المقبلة.
إصلاح التعليم في صدارة رهانات الحكومة قبل نهاية الولاية
يشكل إصلاح منظومة التربية والتكوين أحد أبرز الملفات التي تراهن عليها الحكومة في الأشهر الأخيرة من ولايتها، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها القطاع ضمن البرنامج الحكومي، وارتباطه المباشر بورش الدولة الاجتماعية الذي جعله الملك محمد السادس في صلب أولويات النموذج التنموي الجديد. وبينما تؤكد الحكومة أن إصلاح المدرسة العمومية دخل مرحلة التنفيذ الفعلي، يرى متابعون أن الأشهر المتبقية من الولاية ستكون حاسمة في تقييم مدى قدرة الإصلاحات المعلنة على تحسين مؤشرات التعلم، والحد من الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المنظومة.
وتسعى الحكومة إلى إنهاء ولايتها وهي تحمل حصيلة تعتبرها غير مسبوقة في قطاع التعليم، من خلال مواصلة تنزيل خارطة الطريق 2022-2026، التي ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في تحسين جودة التعلمات، والحد من الهدر المدرسي، وتعزيز انفتاح المدرسة على محيطها، إلى جانب مواصلة إصلاح الحكامة والارتقاء بأوضاع الموارد البشرية.
تعميم «المدارس الرائدة»
ويعد مشروع «المدارس الرائدة» أبرز الأوراش التي يراهن عليها وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، باعتباره نموذجا جديدا لتطوير المدرسة العمومية، يقوم على اعتماد مقاربات بيداغوجية حديثة تستهدف تحسين التحصيل الدراسي للتلاميذ، خاصة في المواد الأساسية، مع توفير مواكبة مستمرة للأطر التربوية واعتماد آليات دورية لتقييم النتائج.
وتؤكد الوزارة أن التجارب الأولى لهذا المشروع أظهرت تحسنا في مستوى التعلمات داخل المؤسسات المستفيدة، الأمر الذي دفعها إلى توسيع التجربة لتشمل آلاف المؤسسات التعليمية بمختلف جهات المملكة، في أفق تعميمها تدريجيا على مجموع المدارس العمومية.
كما تواصل الوزارة العمل على تطوير المناهج الدراسية، وإدراج مقاربات جديدة في التدريس، وتعزيز استعمال الوسائل الرقمية، مع التركيز على تحسين التحكم في اللغات والرياضيات والعلوم، باعتبارها ركائز أساسية للرفع من جودة التعليم.
وتعتبر الحكومة أن إصلاح التعليم لا يمكن أن ينجح دون معالجة أوضاع الموارد البشرية، ولذلك تواصل تنزيل النظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية، الذي شكل محورا لحوار اجتماعي طويل مع النقابات التعليمية.
كما تعمل الوزارة على تعزيز برامج التكوين الأساس والمستمر لفائدة الأساتذة والأطر الإدارية، بهدف تطوير الممارسات التربوية، وتحسين الأداء داخل الأقسام، وإدماج الوسائل الرقمية في العملية التعليمية، فضلا عن دعم الكفاءات المهنية لمواكبة التحولات التي يعرفها القطاع.
وفي موازاة ذلك، يتواصل توسيع التعليم الأولي باعتباره إحدى الركائز الأساسية للإصلاح، من خلال إحداث أقسام جديدة، خاصة بالعالم القروي، وتأهيل الفضاءات التعليمية، وتكوين المربيات والمربين، بهدف تقليص الفوارق منذ السنوات الأولى للتمدرس.
الرقمنة وتحديث المدرسة
ومن بين الملفات التي تواصل الحكومة الاشتغال عليها أيضا، تسريع ورش الرقمنة داخل المؤسسات التعليمية، عبر تعميم المنصات الرقمية، وإنتاج محتويات تعليمية إلكترونية، وربط المؤسسات التعليمية بشبكات الاتصال، ورقمنة الخدمات الإدارية والتربوية، بما يسهم في تحديث طرق التدريس وتحسين تدبير المؤسسات.
كما تعمل الوزارة على تطوير أنظمة تقييم التلاميذ، وتعزيز آليات التتبع والمواكبة، واعتماد مؤشرات دقيقة لقياس مردودية الإصلاحات، بما يسمح بتصحيح الاختلالات بشكل مستمر.
غير أن الإصلاحات التي تروج لها الحكومة اصطدمت أخيرا بما كشف عنه تقرير الرصد العالمي للتعليم لسنة 2026 الصادر عن منظمة اليونسكو، والذي أعاد النقاش حول واقع المدرسة المغربية.
ففي الوقت الذي أقر فيه التقرير بأن المغرب حقق تقدما مهما في تعميم الولوج إلى التعليم، بعدما انخفض عدد الأطفال غير المتمدرسين بنسبة 72 في المائة خلال الخمسة والعشرين عاما الماضية، أكد في المقابل أن هذا التقدم لم ينعكس على الاحتفاظ بالتلاميذ داخل المنظومة التعليمية.
وأبرز التقرير أن تلميذا واحدا فقط من أصل أربعة تلاميذ يتمكن من بلوغ شهادة البكالوريا، فيما يغادر 16 في المائة من التلاميذ الدراسة قبل نهاية المرحلة الابتدائية، وترتفع النسبة إلى 53 في المائة قبل استكمال التعليم الإعدادي، لتصل إلى 74 في المائة قبل نهاية التعليم الثانوي التأهيلي.
كما سلط التقرير الضوء على أزمة جودة التعلمات، مشيرا إلى أن 60 في المائة من تلاميذ المرحلة الابتدائية لا يتوفرون على الحد الأدنى من مهارات القراءة، بينما يعجز 78 في المائة منهم عن اكتساب الكفايات الأساسية في الرياضيات، وهي مؤشرات تعكس استمرار ما يعرف بـ«فقر التعلم».
الحكومة تدافع عن الإصلاح والنقابات تطالب
في المقابل، تؤكد الحكومة أن إصلاح التعليم يحتاج إلى الوقت حتى تظهر نتائجه، معتبرة أن الإصلاحات التي يجري تنزيلها اليوم ستنعكس تدريجيا على مؤشرات الجودة خلال السنوات المقبلة.
وتشير إلى أن خارطة الطريق الحالية تختلف عن التجارب السابقة، لأنها تعتمد على التقييم المستمر، وتحسين الأداء داخل المؤسسات التعليمية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع التركيز على النتائج وليس فقط على البرامج.
كما تؤكد أن إصلاح المدرسة العمومية يتطلب تعبئة مختلف الفاعلين، من أطر تربوية وإدارات وأسر وجماعات ترابية، باعتباره ورشا مجتمعيا يتجاوز مسؤولية الوزارة وحدها.
من جهتها، ترى النقابات التعليمية أن نجاح أي إصلاح يظل رهينا بتحسين أوضاع الأسرة التعليمية، ومواصلة الحوار الاجتماعي، وتنفيذ الالتزامات المتفق بشأنها، إلى جانب معالجة الإشكالات المرتبطة بالاكتظاظ، والخصاص في الموارد البشرية، والفوارق المجالية، والبنيات التحتية.
وتؤكد أن تحسين جودة التعليم يقتضي أيضا توفير ظروف عمل مناسبة للأساتذة والإداريين، وتعزيز التكوين المستمر، وضمان الاستقرار المهني، حتى تنعكس الإصلاحات على أداء المؤسسات التعليمية.
اختبار سياسي قبل الانتخابات
ويجمع متابعون على أن ملف التعليم سيكون أحد أبرز الملفات التي ستحدد حصيلة الحكومة الحالية قبل نهاية ولايتها، بالنظر إلى مكانته في البرنامج الحكومي، وحجم الاعتمادات المالية التي خصصت له، والرهانات المرتبطة بتكوين الرأسمال البشري.
فإذا كانت الحكومة تراهن على تعميم «المدارس الرائدة»، وإصلاح المناهج، وتطوير التكوين، وتسريع الرقمنة، باعتبارها مؤشرات على دخول الإصلاح مرحلة التنفيذ، فإن التقارير الوطنية والدولية، وعلى رأسها تقرير اليونسكو الأخير، تؤكد أن المدرسة المغربية ما زالت مطالبة بمعالجة تحديات كبرى تتعلق بالهدر المدرسي وجودة التعلمات وتحقيق الإنصاف.
وبين خطاب حكومي يؤكد أن الإصلاح يسير في الاتجاه الصحيح، وانتقادات تربوية تعتبر أن النتائج الملموسة لم تظهر بعد بالشكل الكافي، يدخل ملف التعليم الأشهر الأخيرة من الولاية الحكومية باعتباره أحد أهم الاختبارات السياسية والإصلاحية، كما سيكون من أبرز المعايير التي سيحتكم إليها المواطنون عند تقييم حصيلة الحكومة، خلال الاستحقاقات التشريعية المقبلة.

«الحكومة حققت تقدما في وضع لبنات مهمة لمشروع الدولة الاجتماعية لكنها لم تستطع تحويل هذا البناء إلى أثر اجتماعي»
- ما أهم الملفات التشريعية المعروضة على الحكومة؟
إن الأشهر الأخيرة من عمر الولاية الحكومية الحالية ليست سباقا تقنيا يروم إنهاء ما تبقى من مشاريع القوانين، بل تعكس لحظة سياسية مركبة، تتقاطع فيها الحصيلة مع الحساب، والإصلاح مع الكلفة، والتدبير اليومي مع سؤال الإرث التشريعي الذي ستتركه الحكومة خلفها. فالأداء الحكومي لا يقاس فقط بما التزمت به الحكومة في بداية ولايتها، بل بما استطاعت أن تحققه في نهايتها، خاصة حين يتعلق الأمر بملفات مؤجلة أو خلافية أو ذات أثر مباشر على بنية الدولة والمجتمع.
وفي هذا الإطار، تبدو الأجندة التشريعية للحكومة محكومة بثلاثة عناوين كبرى: إصلاح العدالة، تنزيل الدولة الاجتماعية، وترتيب الخيارات الاقتصادية والمالية، قبل نهاية الولاية. إلا أن هذه العناوين لا تتحرك في فراغ سياسي، بل في خضم توترات مهنية واجتماعية وحقوقية، تجعل من كل نص قانوني اختبارا لمدى قدرة الحكومة على إنتاج التوافق، لا مجرد تمرير الأغلبية.
ويأتي مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة في مقدمة الملفات الأكثر حساسية، لأنه تجاوز طابعه المهني الضيق ليصبح عنوانا لسؤال أعمق حول علاقة الدولة بالمهن القانونية وباستقلالية الفاعلين داخل منظومة العدالة. فالخلاف حول هذا المشروع لا يتعلق فقط بتفاصيل تقنية تخص شروط الولوج أو التأديب أو التنظيم الداخلي، بل يعكس توترا أعمق بين منطق التحديث الإداري ومنطق الاستقلالية المهنية. وهنا تكمن دلالة الملف: فالإصلاح حين لا يبنى على توافق متين، قد يتحول من وعد بالتحديث إلى مصدر جديد للاحتقان.
ولا ينفصل هذا الملف عن ورش إصلاح العدالة في معناه الأوسع، حيث تظل نصوص المسطرة الجنائية والمسطرة المدنية وباقي القوانين المنظمة للمهن القضائية في قلب النقاش العمومي. فهذه النصوص تمس علاقة المواطن بالقضاء، وحدود السلطة، وضمانات المحاكمة العادلة، وفعالية الولوج إلى العدالة. وبالتالي فإن جوهر السؤال الحقيقي لا يتعلق بسرعة المصادقة، بل بجودة النصوص وقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين النجاعة المؤسساتية وحماية الحقوق والحريات. فالعدالة لا تصلح بمنطق المسطرة وحده، بل بمنطق الثقة أيضا.
أما ورش مراجعة مدونة الأسرة فيمثل ملفا يختلف في طبيعته عن باقي الإصلاحات التشريعية، لأنه لا يقتصر على تعديل قواعد قانونية تنظم العلاقات الأسرية، بل يلامس أحد أكثر المجالات التصاقا بالبنية القيمية والثقافية للمجتمع المغربي. ولذلك، فإن هذا الورش لا يختبر فقط قدرة المشرع على إنتاج نص قانوني جديد، وإنما يختبر، قبل ذلك، قدرة الدولة على إدارة التحول الاجتماعي في مجتمع يعرف تحولات ديموغرافية واقتصادية وثقافية متسارعة، دون أن يتحول الإصلاح إلى مصدر للاستقطاب أو الانقسام.
وتزداد خصوصية هذا الورش بالنظر إلى أنه انطلق بتوجيهات ملكية، وبمرجعية دستورية ودينية واضحة، بما يعكس أن الدولة اختارت مقاربة تقوم على التوفيق بين مقتضيات التطور الاجتماعي وثوابت الأمة، بعيدا عن منطق الغلبة الإيديولوجية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تعديل بعض المقتضيات القانونية، وإنما في بناء توازن دقيق بين حماية الحقوق، ومراعاة التحولات التي تعرفها الأسرة المغربية، والحفاظ على التماسك المجتمعي باعتباره شرطا لنجاح أي إصلاح مستدام.
ومن هذا المنطلق، فإن مدونة الأسرة لا تمثل مجرد نص قانوني معروض على المسطرة التشريعية، بل تشكل لحظة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون والمجتمع. فالقوانين ذات الطبيعة الأسرية لا تستمد مشروعيتها من سلامة صياغتها القانونية وحدها، وإنما من قدرتها على التعبير عن التوازنات العميقة داخل المجتمع، واستيعاب تحولات الواقع دون القطيعة مع مرجعياته. ولذلك، فإن نجاح هذا الورش لن يقاس بسرعة إخراجه، أو بحجم التعديلات التي سيتضمنها، بقدر ما سيقاس بقدرته على إنتاج توافق مجتمعي يجعل الإصلاح إطارا للاستقرار، لا مدخلا لاستدامة الجدل.
- هل نجحت الحكومة في تنفيذ برنامجها؟
لا يمكن مقاربة حصيلة الحكومة بمنطق الثنائية المبسطة بين النجاح والإخفاق، لأن هذا المنظور يغفل طبيعة الفعل الحكومي داخل النظام الدستوري المغربي، كما يتجاهل السياق الاستثنائي الذي طبع الولاية الحالية. فالتقييم المتوازن يقتضي التمييز بين مستويين اثنين: مستوى المبادرة الاستراتيجية، الذي يندرج في عدد من الملفات ضمن التوجيهات الملكية الكبرى، ومستوى الفعالية الحكومية في تحويل تلك التوجيهات إلى سياسات عمومية، وأطر تشريعية، وآليات تنفيذ، ونتائج قابلة للقياس.
ومن هذه الزاوية، يصعب إنكار أن الحكومة أبانت عن دينامية واضحة على مستوى الإصلاح المؤسساتي، سواء من خلال مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، أو استكمال إصلاح المنظومة الصحية، أو تفعيل ميثاق الاستثمار، أو الدفع بعدد من الإصلاحات التشريعية المرتبطة بمنظومة العدالة والإدارة. غير أن القيمة السياسية لهذه المنجزات لا تكمن في استصدار النصوص، أو إطلاق البرامج، وإنما في قدرتها على إحداث تحول نوعي في أداء المؤسسات وفي جودة الخدمات العمومية. فالإصلاح، في جوهره، ليس حدثا تشريعيا، بل عملية تراكمية يقاس نجاحها بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وثقتهم في الدولة.
في المقابل، فإن البرنامج الحكومي لم يكن مجرد إعلان نوايا، بل تعاقدا سياسيا تضمن أهدافا كمية ونوعية واضحة، من قبيل إحداث مليون منصب شغل، وتعزيز الطبقة الوسطى، وتحسين القدرة الشرائية، ورفع وتيرة النمو الاقتصادي. وعند إخضاع هذه الالتزامات لمنطق التقييم الموضوعي، يتبين أن جانبا مهما منها لم يتحقق بالمستوى الذي رسم له، أو لم يحدث الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي كان منتظرا. وهنا تظهر الفجوة التقليدية بين الإنجاز الإداري والإنجاز التنموي؛ فليس كل إصلاح مؤسساتي ينتج بالضرورة تحولا اقتصاديا أو اجتماعيا بالسرعة والعمق نفسيهما.
ولا يمكن، بطبيعة الحال، فصل هذه الحصيلة عن السياق الذي اشتغلت فيه الحكومة. فقد تزامنت ولايتها مع تداعيات جائحة «كوفيد-19»، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع معدلات التضخم، واضطراب سلاسل التوريد العالمية، وما ترتب على ذلك من ضغوط على المالية العمومية والاقتصاد الوطني. غير أن استحضار هذه الإكراهات، على وجاهته، لا يعفي الحكومة من مسؤولية النتائج، ذلك أن الشرعية السياسية لا تختصر في حسن تدبير الخطاب، بل في القدرة على تدبير الأزمات والتقليص من تداعياتها الاجتماعية. فالمواطن لا يقارن الواقع بما كان يمكن أن يكون، وإنما يقارنه بما وعد به.
اقتصاديا، حافظت الحكومة على قدر معتبر من الاستقرار الماكرو-اقتصادي، واستمرت في تنفيذ إصلاحات هيكلية استهدفت تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز التوازنات المالية. غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لم تكن كافية لإنتاج أثر اجتماعي مماثل. فالاقتصاد الكلي قد يحقق قدرا من الاستقرار، بينما يظل الاقتصاد المعيشي للمواطن تحت ضغط البطالة، وغلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية. وهذه إحدى الإشكالات البنيوية في السياسات العمومية، حين تتسع المسافة بين تحسن المؤشرات الكلية وبين إدراك المجتمع لثمارها الفعلية.
- ماذا بخصوص الملف الاجتماعي؟
إذا كان لكل ولاية حكومية ملف يختزل صورتها في الوعي العام، فإن الملف الاجتماعي هو العنوان الذي ستقرأ من خلاله التجربة الحكومية الحالية. ذلك أن الحكومة جعلت من إرساء الدولة الاجتماعية محور برنامجها، غير أن هذا الورش، في السياق الدستوري المغربي، ليس مشروعا حكوميا بالمعنى الضيق، بل هو خيار استراتيجي للدولة انطلق بتوجيهات ملكية، تجسد في إطلاق أوراش كبرى، على رأسها تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وإعادة هيكلة منظومة الدعم الاجتماعي. ومن ثم، فإن تقييم الحكومة ينبغي أن ينصرف أساسا إلى قدرتها على تنزيل هذه الأوراش، وتعبئة الموارد اللازمة لها، وضمان نجاعتها واستدامتها، أكثر من نسب المبادرة إليها.
ولا شك أن الحكومة أحرزت تقدما على هذا المستوى، إذ أشرفت على توسيع التغطية الصحية، وإطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة إصلاح المنظومة الصحية، وإحياء الحوار الاجتماعي، وإطلاق إصلاحات في التعليم، إلى جانب برامج لدعم التشغيل وتحفيز الاستثمار. وهي خطوات تعكس إرادة في ترجمة الاختيارات الاستراتيجية للدولة إلى سياسات عمومية ومؤسسات وآليات تنفيذ. غير أن الإصلاحات الكبرى لا تقاس بقوة النصوص أو بحجم الاعتمادات المرصودة لها فحسب، وإنما بمدى قدرتها على إعادة تشكيل الواقع الاجتماعي، وتقليص الفوارق، وتحسين جودة الحياة.
وهنا تبرز المفارقة التي طبعت الحصيلة الاجتماعية للحكومة. فقد بدا أن وتيرة البناء المؤسساتي كانت أسرع من وتيرة الأثر الاجتماعي. فالحماية الاجتماعية، رغم أهميتها، واجهت تحديات مرتبطة بالتمويل، وبجاهزية المنظومة الصحية، وبالخصاص في الموارد البشرية، وبالتفاوتات المجالية في الولوج إلى الخدمات. لذلك، ظل الانتقال من الاعتراف القانوني بالحق إلى ضمان ممارسته الفعلية يمثل التحدي الأكبر في هذا الورش.
ويظل ملف التشغيل الاختبار الأكثر حساسية لهذا المشروع برمته. فمهما اتسعت شبكات الحماية، يبقى التشغيل الوسيلة الأكثر استدامة لتحقيق الكرامة والاستقلال الاقتصادي. وقد أطلقت الحكومة عددا من البرامج واعتمدت خارطة طريق للتشغيل، وربطت جزءا من سياساتها الاستثمارية بخلق فرص العمل، إلا أن النتائج بقيت دون سقف الالتزامات المعلنة، واستمرت البطالة، خاصة في صفوف الشباب، في مستويات مقلقة. ويكشف ذلك أن معضلة التشغيل ليست مرتبطة بضعف المبادرات، بقدر ما ترتبط باختلالات هيكلية في النموذج الاقتصادي، وبمحدودية قدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج فرص شغل كافية وذات قيمة مضافة.
وفي قطاعي الصحة والتعليم، ورغم الإصلاحات الجارية، ما زالت جودة الخدمات العمومية تمثل التحدي الأكبر. فنجاح تعميم التغطية الصحية يظل رهينا بتأهيل المستشفيات، وتوفير الموارد البشرية، وتقليص الفوارق المجالية. كما أن إصلاح التعليم، بما في ذلك تجربة مدارس الريادة، سيظل محكوما بقدرته على الارتقاء بجودة التعلمات، واستعادة دور المدرسة العمومية في تحقيق تكافؤ الفرص والحراك الاجتماعي، لا بنتائج مرحلية أو مؤشرات ظرفية.
كما أعاد الحوار الاجتماعي جزءا من الثقة بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين، وأفضى إلى تحسينات في الأجور والدخل، غير أن أثرها تقلص بفعل التضخم وارتفاع كلفة المعيشة. وفي المقابل، بقي إصلاح أنظمة التقاعد مؤجلا، رغم أنه من أكثر الملفات الاجتماعية إلحاحا وتعقيدا، بالنظر إلى التحديات المالية والديموغرافية التي تواجهها بعض الصناديق.
وفي تقديري، حققت الحكومة تقدما ملموسا في وضع لبنات مؤسساتية مهمة لمشروع الدولة الاجتماعية، وساهمت في تنزيل برامج استراتيجية للدولة، لكنها لم تستطع، حتى الآن، أن تحول هذا البناء إلى أثر اجتماعي يوازي حجم الطموحات التي رافقته. فالدولة الاجتماعية تقوم على معادلة متكاملة: اقتصاد قادر على خلق الثروة وفرص الشغل، وخدمات عمومية ذات جودة، وآليات فعالة لإعادة توزيع ثمار النمو، بما يعزز شعور المواطن بالأمن الاجتماعي والكرامة وتكافؤ الفرص. وعندما تكتمل هذه العناصر، يتحول الإصلاح من مشروع مؤسساتي إلى واقع يعيشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
* أستاذة القانون العام – كلية العلوم القانونية والسياسية – ابن طفيل





