
أثار تصريح والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، عقب الاجتماع الفصلي الأخير للبنك المركزي، بشأن احتمال دخول بنك Revolut إلى السوق المغربية، نقاشا واسعا حول أسباب عدم منح المؤسسة ترخيصا للبنك، حيث اعتبر البعض أن الأمر يهدف إلى حماية البنوك المحلية من المنافسة.
غير أن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن البنك البريطاني لم يتقدم، إلى حدود الساعة بأي طلب رسمي للحصول على اعتماد من بنك المغرب، ولم تفتح أي مسطرة للترخيص ولم يعرض أي ملف على الدراسة. وكل ما جرى هو لقاء بين مسؤولي الطرفين عبّر خلاله “ريفوليت” عن اهتمامه بالسوق المغربية، ما يجعل الحديث عن “رفض” أو “تعطيل” سابق لأوانه، في وقت تؤكد فيه مصادر مطلعة أن مسألة الترخيص تخضع لاعتبارات تنظيمية ورقابية معقدة تتجاوز مجرد حماية الفاعلين المحليين.
لمياء جباري
بعد الاهتمام الذي أبداه البنك الرقمي البريطاني “Revolut” بدخول السوق المغربية، أكد والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، أن الظرفية الحالية لا تسمح بالتعامل بإيجابية مع هذا التوجه، مشيرا إلى أن البنك المركزي يركز في المرحلة الراهنة على استكمال عدد من الأوراش الاستراتيجية قبل فتح المجال أمام فاعلين جدد في قطاع الخدمات المالية الرقمية.
وأوضح الجواهري، خلال ندوة صحفية أعقبت الاجتماع الفصلي لمجلس بنك المغرب يوم الثلاثاء 23 يونيو 2026، أنه استقبل في مطلع يونيو مسؤولي “Revolut” بحضور ممثل مغربي للشركة، حيث عبروا عن اهتمامهم بالمغرب باعتباره سوقا واعدة ومنصة مناسبة للتوسع نحو القارة الإفريقية، مستفيدين من الموقع الجغرافي للمملكة وشبكة علاقاتها الاقتصادية مع الدول الإفريقية.
وأضاف أن مسؤولي البنك البريطاني استعرضوا طموحاتهم التوسعية، غير أنه أبلغهم بأن بنك المغرب منشغل حاليا بثلاثة ملفات استراتيجية لا تتيح في الوقت الراهن دراسة مشاريع من هذا النوع. ويتمثل أول هذه الملفات في مواكبة المستجدات التنظيمية الأوروبية المتعلقة بحركة الأموال العابرة للحدود، ولا سيما ما يرتبط بتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج.
وأوضح والي بنك المغرب أن معالجة هذه القضايا تختلف بحسب طبيعة العلاقات مع كل شريك، إذ يمكن تسوية بعض الملفات بسرعة، فيما تتطلب أخرى وقتا أطول.
أما الورش الثاني، فيتعلق بالتقييمات الدورية التي سيخضع لها المغرب من طرف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مع نهاية السنة الجارية، والتي تروم قياس متانة المنظومة المالية والاقتصادية ومدى توافقها مع المعايير الدولية.
ويخص الملف الثالث التقييم المرتقب من قبل مجموعة العمل المالي (GAFI)، المكلفة بمراقبة التزام الدول بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو استحقاق يحظى بأهمية خاصة بالنظر إلى تأثيره المباشر على صورة المملكة لدى المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.
وأكد الجواهري أن مسؤولي“Revolut” أبدوا تفهمهم لهذه الاعتبارات، واستفسروا عن إمكانية استئناف النقاش في مرحلة لاحقة، موضحا أنه أبلغهم بأن الأولوية في الوقت الحالي تظل لإنجاح هذه الأوراش والاستحقاقات الدولية، على أن تتم إعادة النظر في الموضوع عندما تتوفر الظروف المناسبة.
وفي السياق ذاته، شدد والي بنك المغرب على أن “Revolut” لم تتقدم بأي طلب رسمي للحصول على ترخيص لمزاولة نشاطها بالمغرب، وأن الأمر لا يتجاوز، إلى حدود الساعة، إبداء اهتمام أولي بالسوق المغربية واستكشاف فرص التوسع المستقبلية.
ويعكس موقف بنك المغرب نهجا حذرا في التعامل مع دخول المؤسسات المالية الرقمية الدولية، في وقت تواصل فيه البنوك المغربية تسريع تحولها الرقمي، عبر تطوير خدمات بنكية مبتكرة وإطلاق عروض رقمية مستقلة أو شبه مستقلة عن النموذج البنكي التقليدي.
مراعاة خصوصيات المنظومة البنكية
يخاطب “Revolut” جيلا جديدا من المستخدمين، ويجسد نموذجا حديثا للخدمات المالية الرقمية يقوم على السرعة والمرونة وتجاوز الحدود الجغرافية. فمن خلال تطبيق موحد وسهل الاستخدام، يتيح خدمات الدفع الإلكتروني، وتحويل العملات، وتدبير نفقات السفر، وإنجاز التحويلات المالية بشكل فوري، ما يجعله خياراً مفضلاً لدى الشباب، والمسافرين، والعاملين المستقلين، ورواد الأعمال في الاقتصاد الرقمي، فضلاً عن المغاربة المقيمين بالخارج الذين يديرون معاملاتهم المالية بين أكثر من بلد وعملة.
وفي المغرب، يحظى هذا النموذج باهتمام متزايد، غير أن التعاطي معه يفرض مقاربة متوازنة تراعي خصوصيات المنظومة البنكية الوطنية. فالمملكة تتوفر على قطاع مصرفي متين ومنظم، تقوده مؤسسات مالية تضطلع بدور محوري في تمويل الاقتصاد الوطني وتعزيز الحضور المالي للمغرب على الصعيد الإفريقي. كما قطعت البنوك المغربية خلال السنوات الأخيرة أشواطاً مهمة في مسار التحول الرقمي، عبر تطوير التطبيقات البنكية، وتوسيع خدمات الأداء الإلكتروني، وتحسين تجربة الزبناء.
ورغم هذا التطور، فإن التحولات المتسارعة في سلوك المستخدمين أعادت رسم معايير المنافسة داخل القطاع البنكي. فلم تعد قوة المؤسسة تقاس فقط بحجم أصولها أو انتشار وكالاتها، بل أصبحت ترتبط أيضاً بسرعة إنجاز العمليات، ووضوح الرسوم، وسهولة استخدام التطبيقات، وجودة الخدمات الرقمية، ومستوى الثقة الذي توفره لزبنائها. وأضحى التطبيق البنكي اليوم الواجهة الرئيسية التي تربط المؤسسة المالية بعملائها.
ومن هذا المنطلق، يتجاوز النقاش حول ريفولوت مسألة دخول الشركة إلى السوق المغربية، ليطرح تساؤلات أوسع بشأن كيفية تعامل المملكة مع الجيل الجديد من المؤسسات المالية الرقمية العالمية. فالانفتاح على هذا النوع من الفاعلين قد يساهم في تعزيز المنافسة، والرفع من جودة الخدمات، وتسريع تبني الابتكار المالي، لكنه في المقابل يستوجب إطاراً تنظيمياً واضحاً يضمن حماية المستهلك، وأمن البيانات، والامتثال للقوانين، واحترام قواعد الصرف، وإدماج هذه المنصات ضمن المنظومة المالية الوطنية وفق ضوابط دقيقة.
وتتجلى أهمية هذا الملف بشكل أكبر عندما يتعلق الأمر بالمغاربة المقيمين بالخارج، بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية لتحويلاتهم المالية في دعم الاقتصاد الوطني. فكل حل رقمي قادر على جعل هذه التحويلات أسرع وأقل كلفة وأكثر شفافية يمثل قيمة مضافة للمستخدمين، لكنه يظل رهيناً بضمانات رقابية وتنظيمية تحافظ على سلامة التدفقات المالية واستقرار المنظومة البنكية.
وفي هذا السياق، ينسجم موقف بنك المغرب القائم على التريث مع مقاربة ترتكز على الحفاظ على الاستقرار المالي. فالمؤسسة لا ترفض الابتكار، لكنها تشدد على ضرورة إدماجه وفق مساطر واضحة، وجدول زمني مدروس، ومنظومة رقابية متكاملة، لاسيما عندما يتعلق الأمر بوسائل الأداء، والتحويلات العابرة للحدود، والبيانات المالية، وهي مجالات ترتبط بشكل مباشر بأمن النظام المالي وثقة المتعاملين فيه.
أما بالنسبة للبنوك المغربية، فإن الاهتمام المتزايد بمنصات مثل “ريفولوت” لا ينبغي اعتباره تهديداً لمكانتها، بل مؤشراً على التحول العميق الذي يشهده السوق وتغير انتظارات الزبناء.
إطلاق أول “نيو بنك” مغربي
بشكل عام، يمر القطاع البنكي المغربي بمرحلة انتقالية؛ فبدل وجود “نيو بنوك” مستقلة بالكامل كما هو الحال في أوروبا، تعتمد السوق المغربية حاليا على عروض رقمية تطورها البنوك التقليدية، مع توجه متزايد نحو الخدمات المصرفية عبر الهاتف والذكاء الاصطناعي والمدفوعات الفورية.
في هذا الإطار، أطلقت مجموعة التجاري وفا بنك رسميًا “Simple”، أول بنك رقمي (نيو بنك) في المغرب. ويجمع هذا التطبيق الشامل (Super App) بين الخدمات البنكية، ووسائل الأداء، والادخار، وخدمات السفر، وعروض نمط الحياة (Lifestyle) ضمن واجهة واحدة على الهاتف المحمول.
ويراهن البنك على تجربة رقمية متكاملة بنسبة 100 في المائة، ونموذج Freemium يتيح الولوج إلى الخدمات الأساسية للجميع، إلى جانب شبكة تضم أكثر من 7000 نقطة تواصل، بهدف توسيع استخدام الخدمات المالية الرقمية وتعزيز انتشارها في المغرب.
وبحسب التجاري وفا بنك، تتميز المنصة الجديدة بمقاربة تضع تجربة المستخدم في صلب اهتماماتها، في ظل بيئة أصبحت فيها توقعات العملاء تتشكل بفعل المعايير التي تفرضها المنصات الرقمية العالمية الكبرى.
ويتمثل الهدف في توفير تجربة بنكية فورية، سلسة، ومخصصة، يمكن الولوج إليها مباشرة عبر الهاتف الذكي. ويقدم البنك “Simple” باعتباره تحولًا نوعيًا مقارنة بالنماذج التقليدية للخدمات البنكية عبر الهاتف. وبينما كانت منصة “L’bankalik” تستهدف أساسًا فئة الشباب من خلال عرض بنكي مبسط، تسعى المنصة الجديدة إلى تغطية نطاق أوسع من الاستخدامات، يشمل الأداء، وخدمات السفر، والادخار، إلى جانب الاستفادة من العروض والامتيازات الترويجية.
ويرى التجاري وفا بنك أن معايير تجربة الزبون لم تعد تحددها المؤسسات البنكية وحدها، بل أصبحت تتأثر أيضًا بالعادات الرقمية التي كرستها التطبيقات المستخدمة يوميًا. ومن هذا المنطلق، يقدم “Simple” كاستجابة للتغيرات التي تعرفها سلوكيات الاستهلاك الرقمي في المغرب.





