حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

الحياة المنسية للمولى عبد العزيز…. سلطان سابق لزمانه

 

يونس جنوحي

 

«سلطان سابق لزمانه.. المولى عبد العزيز باختصار شديد، كان شابا سنة 1894، في محيط من الشيوخ الطاعنين في السن.. تعطش لمعرفة أسرار الميكانيك والكهرباء واستعمال آلة التصوير وممارسات الرياضات العصرية.. فاتُهم ببيع البلاد إلى الأجانب.

ما لا يعرفه الناس عن المولى عبد العزيز أنه كان سلفيا، مثقفا، يجالس العلماء، واطلع على فتاوى السلفيين، قبل سنة 1900،  لمواجهة المد الأجنبي، في وقت احتاج علماء المغرب إلى سنوات إضافية، لكي يتأكد لهم أن ما كان يدافع عنه المولى عبد العزيز لم يكن محرما!».

 

سلطان شاب آمن بأهمية التنقيب المنجمي وسمح به للأجانب

عندما سمح السلطان المولى عبد العزيز سنة 1905، لأول شركة ألمانية بالتنقيب في منطقة سوس عن المعادن، قوبل قراره وقتها بصدمة كبرى في أوساط علماء القرويين.. في وقت كانت عمليات التنقيب السرية، قد بدأت بالفعل في عهد والده المولى الحسن الأول، ما بين 1873 و1894.

ولأن المولى عبد العزيز كان عارفا بأهمية التنقيب المنجمي، بحكم عشرات القصص التي سمعها على لسان الأجانب، من تغير أحوال بلدان كثيرة، بفضل الثروات المنجمية، فقد سمح لأول مرة لشركة أجنبية متخصصة في التنقيب، يملكها ألمانيان، لكي تشرع في عمليات الحفر المنجمي واستخراج المعادن، بعقد واضح.

ورغم المعارضة الشديدة التي شُنت ضد المولى عبد العزيز في ذلك الوقت، إلا أنه كان واعيا بأن المنقبين الأجانب لن يترددوا في التنقيب سرا في مناطق محيطة بطنجة الدولية، وهو ما سوف «يشرعن» لاحقا نهب خيرات البلاد، وفضّل أن يؤسس لتراخيص التنقيب وإنشاء المناجم، لتنظيم مجال التنقيب على المعادن النفيسة، خصوصا الذهب والفضة.

وأبرز شاهد على أن المولى عبد العزيز كان سباقا، وعارفا بأهمية التنقيب المنجمي في إطار القانون، هو القنصل الأمريكي في المغرب سنة 1909، السيد إدموند هولت. فقد كتب هذا الأخير في مذكراته «أرض المغرب الغريب»، مثيرا هذه الحقيقة التاريخية، قائلا إن أحد أعضاء نقابة المناجم الألمانية الكبرى، توجه صوب قصر المولى عبد العزيز في فاس، وطلب منه أن يمنحهم رخصة استغلال منجمي للتنقيب عن المعادن في جنوب المغرب. وسمح له السلطان فعلا بالانطلاق، بعد تحرير عقد مكتوب يضمن حق المغرب في عائدات المعادن.

يقول القنصل الأمريكي أيضا إن ممثل نقابة المناجم الألمانية الكبرى كان مرفوقا بمنقبين ألمانيين هما الأخوان «مانسيمان»، وهما اللذان استفادا من الرخصة، بالإضافة إلى رجل ثري مغربي كان حاصلا على «الباسبور» الأمريكي -أي من المحميين- في ذلك الوقت، وهو الذي توسط للأجانب الثلاثة، لكي يستقبلهم السلطان في قصر فاس. وقد كتب القنصل الأمريكي بهذا الخصوص قائلا:

«كان السلطان عبد العزيز قد منح امتيازات سخية لاستغلال مساحات واسعة من الأراضي للأخوين الألمانيين «مانيسمان»، اللذين رغبا في تطوير موارد استخراج المعادن في ذلك الجزء من البلاد.

كان الأخوان «مانيسمان» يرغبان في استكشاف الأراضي، وجمع عينات من التربة الخام، إلا أنهما لم يتقدما كثيرا في المنطقة، إذ كانا قليلي الأدب والكياسة، إلى درجة أنهما دخلا في جدال مع المغربي الأمريكي، والذي رفع عنهما جناح الحماية التي كان يوفرها لهما.

وجد السيد مانيسمان نفسه في قمة الإحراج، فوق فوهة البركان تماما. فاضطر إلى الاستعانة بخدمات صديق سابق، ليشتغل حارسا له ويُعيده إلى موگادور. وربما لا يعلم السيد مانيسمان إلى الآن، أن السبب الوحيد الذي جعل السوسيين يسمحون له بدخول بلادهم، يتمثل في أنه جرى تقديمه إليهم على أساس أنه عبد مسيحي يملكه المغربي الأمريكي!».

مرة أخرى، كان القدر المغربي، والمناخ العام في البلاد غير مؤهل بعدُ لاستعياب أهمية التنقيب المنجمي.. ففي الوقت الذي كان المولى عبد العزيز واعيا بأهمية المناجم وعائداتها لخزينة الدولة المصابة بالإفلاس، فإن أعيان المناطق وممثلي المخزن لم يكونوا مستعدين بعد لرؤية الشركات الأجنبية وهي تستثمر في البلاد.

 

سلطان ورث «مشاكل» سهلت احتلال البلاد

لم يكن الطريق أمام المولى عبد العزيز معبدا.

شاب ورث العرش سنة 1894، في سن صغيرة، جعلته يستعين برجال ثقة والده المولى الحسن الأول، لكي تحافظ البلاد على سيرها خارج المخطط المرسوم لاحتلالها، إما من طرف فرنسا أو بريطانيا.

ولأنه لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة بعد، فقد كان من الضروري أن يشرف مجلس من العلماء على توفير المشورة له، وللرجل الواقف خلفه، الوزير باحماد الذي كان رجل الثقة الأول للسلطان الحسن الأول.

مع دخول سنة 1900، توفي باحماد، وواصل المولى عبد العزيز مسار الحكم، دون تأثر يذكر، وهو ما يطعن في الإشاعة التي تقول إن باحماد كان يحكم البلاد فعليا. بل كان المولى عبد العزيز محاطا بلجنة من العلماء ونخبة من رجال والده الراحل، مثل عبد الكريم بن سليمان، ومحمد الطريس، والتازي، والگباص، وغيرهم من رجال المخزن الثقاة الذين حافظوا على وزارات سيادية منذ عهد المولى الحسن الأول، واستمروا مع المولى عبد العزيز.

بعد 1900، أصبح للمولى عبد العزيز نخبة جديدة من ورثة الوزارات.. حيث حاول جاهدا تجنيب البلاد مآسي الانقسامات، خصوصا مع ظهور «بوحمارة»، الذي ادعى أنه ابن السلطان وأنه الأحق بالعرش.

كان المولى عبد العزيز يملك رؤية عصرية وقراءة جديدة لمحيط المغرب، فقد كان القناصلة الأجانب يرسلون السفارة تلو الأخرى لمناقشة المولى عبد العزيز حول مستقبل المنطقة، سيما وأن بلاد الجزائر كانت مستعمرة فرنسية فعلا، ويجب التعامل معها على مستوى الحدود الشرقية بكثير من الحذر.

حاول المولى عبد العزيز أن يجنب البلاد فتنة الثورات، لكن جاهزية الجيش العزيزي لم تكن تسعفه، خصوصا وأن الجيش كان يعاني من تبعات المجاعة التي عصفت بالمغرب لسنوات متتالية، وأيضا الأوبئة التي تسببت في وفاة آلاف المغاربة على امتداد عشر سنوات تقريبا.

هذه الظروف جعلت مهمة المولى عبد العزيز عصيبة، وزاد من تعميقها اصطفاف قبائل مراكش حول أخيه المولى عبد الحفيظ.

هذا الأخير كان في البداية وفيا لأخيه الأصغر، ولم يكن يخطط نهائيا للانقلاب عليه، بل توجد في الأرشيف رسائل ولاء متبادلة بين الأخوين، إلى أن تدخلت القبائل بتواطؤ مع علماء القرويين، لكي تشير على المولى عبد الحفيظ بأنه يتعين عليه استلام العرش، وإنهاء نفوذ النصارى في المغرب.

رؤية المولى عبد العزيز، التي تقضي بفتح باب التواصل مع القوى الأجنبية والتفاوض معها، لم ترق للعلماء ورجال المخزن، وقرر أغلبهم الانقلاب عليه، في مقابل أقلية بقيت وفية للسلطان الشاب، ومؤمنة برؤيته.

إزاحة السلطان المولى عبد العزيز كلفت المغرب سنوات من التخبط، واتضح أنه كان على حق، عندما رضخ المولى عبد الحفيظ لشروط أوروبا منذ الأشهر الأولى لوصوله إلى العرش، ليتأكد له أن ما كان يحلم به العلماء ومحركو الانقلاب، من إغلاق للباب في وجه النصارى وطردهم من المغرب، لم يكن ممكنا من الناحية العملية.

 

هزيمة الجيش العزيزي وإبعاد السلطان عن فاس

لم تنل سيرة المولى عبد العزيز ما تستحقه من تمحيص، خصوصا ما يتعلق بفترة ما قبل 1906، أي ما قبل مؤتمر الجزيرة الخضراء.

هل كان المولى عبد العزيز محاطا بالأشخاص الخطأ؟

الجواب عن هذا السؤال يتطلب تقليب وثائق اختفى بعضها، وبقي مصير أخرى مجهولا. لكن مفاتيحها دُفنت مع شخصيات مغربية اشتغلت في زمن المولى عبد العزيز، بعد أن ورثها عن والده المولى الحسن الأول.

أحد الذين اشتغلوا إلى جانب المولى عبد العزيز، خليفته في طنجة، الوزير الطريس.

هذا الرجل كان يمثل السلطان في مدينة طنجة الدولية، ويتعامل مع ممثلي القنصليات الأجنبية، في مدينة لم تكن خاضعة لا سياسيا ولا تقنيا لسلطة المغرب.

هذا الخليفة السلطاني، لم يحزن لما علم بهزيمة الجيش العزيزي.. بشهادة القنصل الأمريكي في المغرب وقتها، السيد «هولت». هذا الأخير كتب في مذكراته عن لقائه بالوزير الطريس، والذي تألق في وزارة الخارجية والحربية في زمن المولى الحسن الأول، ثم تقاعد خليفة سلطانيا في عهد المولى عبد العزيز ما بين 1894 و1908.

وقد جاء في شهادة القنصل، ضمن مذكراته التي انفردنا في «الأخبار» بترجمتها كاملة على حلقات:

«كان الطرّيس رجلا مُسنا، طاعنا جدا في السن. لقد بدا لي، عندما رأيته أول مرة، قبل وفاته بفترة قصيرة، وكأنه قطعة من الخزف العتيق، سهل الكسر. وكان هذا اللقاء في وقت عزل السلطان مولاي عبد العزيز.

وباعتباري المسؤول عن البعثة الأمريكية في ذلك الوقت، ذهبتُ إلى الطريس لكي أطلب منه تأكيد أو نفي الخبر الذي وصل إلى مسامعي، والذي مفاده أن قوات السلطان مولاي عبد العزيز هُزمت على مشارف مراكش على يد الجيش الحفيظي.

استقبلني الطريس داخل غرفة الاستقبال الصغيرة في منزله، وكانت هناك شمعتان كبيرتان مغروستان في شمعدان نحاسي ضخم، لإضاءة الغرفة المظلمة. كان الطريس يلف نفسه داخل «الكسا»، المصنوع من صوف أبيض ثلجي ناعم، وعيناه الزرقاوتان بارزتان، بينما كان حاجباه مرسومان بقلم كُحل أسود.

بمجرد ما أن بدا عليه التأثر عندما علم بالخبر، سقط طرفا «الكسا» عن كتفيه، لينكشف لي عنقه الذابل عاريا، وكان أبيض تماما خاليا من أي تجاعيد، وكأنه عنق امرأة. ولاحظتُ أيضا أن الدم كان ينبض بقوة داخل عروقه الزرقاء البارزة.

لم يستطع الطريس أن يُنيرني في ما يخص موضوع الإشاعات عن هزيمة الجيش العزيزي.

اعترف لي، بعد أن ادعى جهله الكامل في البداية بأي تفاصيل، بأنه سمع الإشاعة من قبلُ، لكنه اعتبر في قرارة نفسه أنها تحتاج إلى تأكيد. على كل حال، كانت عظمة الله ورعايته تشمل الجميع، ووقع ما قدر له الله أن يكون».

هذا الوصف الدقيق لحالة وزير بقامة محمد الطريس، كان كافيا للوقوف على حالة الحزن التي أصابت وزراء مخضرمين من طينته، والذين اعتبروا الانقلاب على المولى عبد العزيز كارثة تاريخية.. وقد اتضح فعلا أن مشاكل المغرب لم تكن لتُحل بالإطاحة بالسلطان الشاب.

لو أن منصب وزير الحربية حافظ على ديناميته التي كانت على عهد الوزير المنبهي -أقيل من المنصب سنة 1901- لما تمكنت قوات المدني الكلاوي القادمة من مراكش من الانقلاب عليه، والإطاحة بالمولى عبد العزيز في فترة بتلك الحساسية.

 

التصوير.. هواية تمسك بها السلطان رغم «تحريمها»

لا يمكن القول إلا إن السلطان المولى عبد العزيز كان سابقا لزمانه.

كان السلطان معجبا بآلة التصوير وتقنيات التصوير الفوتوغرافي، في وقت كان فيه علماء القرويين قد أفتوا فعلا بتحريم الإنارة بالكهرباء، واستعمال آلات التصوير.

ورغم أن علماء القرويين ما بين 1894 و1912 لم يكونوا قد تعرفوا على آلات التصوير عن قرب، ولم يسبق لهم التعرف على تقنية اشتغالها، إلا أنهم أصدروا فتوى بتحريم التصوير، وأججوا الشارع ضد السلطان المولى عبد العزيز، الذي كان عمره في تلك الفترة لا يتجاوز عشرين سنة، وجعلوه في مواجهة مباشرة مع غضب الشارع الفاسي، ومحافظي المدن الأخرى الذين كانت تأتيهم أخبار فاس من خلال مراسلات العلماء في ما بينهم.

فتوى تحريم التصوير بالكاميرا التي جُلبت إلى قصر المولى عبد العزيز تسببت في أزمة بين القصر والقرويين، وعلماء كانوا إلى وقت قريب مقربين من السلطان المولى عبد العزيز.

هذا الأخير لم يكن يرى أي حرج في تعلم استعمال آلة التصوير.. بل إنه كان يحث محيطه، وبينهم شيوخ اشتغلوا إلى جانب والده المولى الحسن الأول، على تعلم استعمال آلة التصوير، وأقنعهم بالوقوف أمام الآلة والتقط بنفسه أول «بورتريه» شخصي لهم.

وهذه الجزئية أكدها، «غابرييل فير»، الذي أرخ للفترة ما بين 1901 و1905، من حياة السلطان المولى عبد العزيز. إذ شرح كيف أن السلطان كان يهوى التصوير الفوتوغرافي، والتقط مئات الصور لأفراد عائلته من نساء ورجال القصر الملكي في فاس، وكان يحرص على وضع الصور في إطار خاص، ويزين بها أركان الغرف. وكان سباقا إلى توفير أول أرشيف ملكي حقيقي لأفراد الأسرة الملكية، الذين عاشوا في كنفه في تلك الفترة.

غابرييل فير الذي جاء إلى المغرب سنة 1901، تحول إلى صديق حميم للسلطان الشاب. وعرض تجربته في أوروبا، وفرنسا على وجه الخصوص، على السلطان. وحكى له عن تجربته في السينما رفقة الأخوين «لوميير»، مخترعي السينما، بحكم أنه اشتغل معهما ووضع تجربته في استعمال آلات التصوير رهن إشارتهما. ولاحقا وضعها رهن إشارة السلطان المولى عبد العزيز أيضا.

ورغم أن السيد «فير» درس الصيدلة في فرنسا، إلا أنه تفرغ لهواية التصوير، وكان وراء إدخال اختراعات حديثة إلى القصر الملكي في فاس، قبل أن يغادر بعد الإطاحة بالمولى عبد العزيز، إلى مدينة الدار البيضاء التي استقر بها إلى أن توفي سنة 1936.

بالعودة إلى أجواء فاس في الفترة التي تعلم فيها المولى عبد العزيز تقنيات التصوير، فقد انتشرت الإشاعات بهذا الخصوص، وأخطرها تلك التي تقول إن السلطان يسرف في إنفاق أموال الدولة، وإنه اشترى آلة تصوير حديثة مغلفة بالذهب.. وهي الآلة التي لم يشر إليها نهائيا أي مسؤول أجنبي تعامل مع المولى عبد العزيز. كما أنه لا توجد أي إشارة من شركات تصنيع آلات التصوير في أوروبا أو الولايات المتحدة، لتؤكد أن آلة تصوير بتلك المواصفات قد صنعت من أجل المولى عبد العزيز، أو جرى بيعها إليه، أو حتى أنه حصل عليها هدية.

بعد أقل من عشرين سنة فقط على مغادرة المولى عبد العزيز للسلطة، شرع أغلب علماء القرويين في التقاط الصور، وتعاملوا مع المصورين، ولم يمانعوا أن يتعامل المغاربة مع آلة التصوير، لكي يتضح أن علماء القرويين ظلموا المولى عبد العزيز، وتسرعوا بإصدار فتوى تحريم التصوير الفوتوغرافي. لكي يتضح مرة أخرى أن المولى عبد العزيز كان فعلا سابقا لزمانه.

 

دخول السيارات لفاس ساهم في الإطاحة بالمولى عبد العزيز

رغم أن بعض الإشارات التاريخية تشير إلى أن السلطان المولى الحسن الأول، أول من اقتنى سيارة -بل من أوائل من اشتروا سيارة من نوع «مرسيدس»- إلا أن المولى عبد العزيز كان أول من جرب قيادة السيارة بنفسه، وتجول بها في أرجاء فاس، بعد أن تعلم أبجديات السياقة في قلب ساحة القصر الملكي التاريخية.

تعود الوقائع إلى فترة ما بين 1900 و1903، حيث كان المولى عبد العزيز قد استقبل في القصر مندوبين، الأول فرنسي، والثاني كان يحمل الجنسية البريطانية. وكلاهما كانا ضيفين على القصر، لإقناع السلطان الشاب باقتناء سيارة لتحديث موكبه الرسمي.

لكن السلطان أبدى رغبة شديدة في تعلم سر الميكانيك، الذي يحرك السيارة دون الحاجة إلى أن تُجر بالخيول.

وقد سجل ضيوف القصر الملكي وقتها شغف السلطان المولى عبد العزيز وتعطشه إلى استيعاب السر العلمي وراء الطاقة التي تحرك السيارات البخارية.

وفعلا تمكن المولى عبد العزيز من قيادة السيارة بنفسه، بعد حصص تعليمية مكثفة، وسرعان ما تعرف على طريقة اشتغال محرك السيارة.

سمح السلطان المولى عبد العزيز لوفود أجنبية بدخول فاس بالسيارات البخارية، لزيارته في القصر. وهو الحدث الذي تسبب في غليان شعبي في المدينة، بعد أن أدلى علماء القرويين بدلوهم في الموضوع، وخطبوا في الناس مؤكدين أنه لا يجوز التعامل مع تلك الآلات الأجنبية، ما دام سر طاقتها غير معروف.

كان المولى عبد العزيز سابقا لزمانه، لأنه تعرف على سر عمل المحرك البخاري، في وقت كان فيه نخبة علماء المغرب لا يزالون مؤمنين أن قوى «خارقة» ترتبط بعالم الجن، تُحرك تلك السيارات التي دخل بها الأجانب لأول مرة إلى فاس.

عندما تعرف المولى عبد العزيز على عالم السيارات، كان شغفه بالميكانيك قد ترسخ أكثر، عندما جرب قيادة الدراجة الهوائية بنفسه.

ووقتها انتشرت إشاعات في فاس، مفادها أن السلطان قد تساهل مع ضيوفه الأجانب، وتركهم يتجولون بالدراجات الهوائية في باحات القصر.. واعتبروا الأمر تدنيسا لحرمة مكان برمزية القصر الملكي.

قبل أن يخرج وزراؤه السابقون ليؤكدوا أن السلطان كان قد عين مدربا خاصا، لكي يعلمه طريقة ركوب الدراجة الهوائية، وأقام مضمارا محليا، لكي يختبر بنفسه مهاراته في قيادة الدراجة الهوائية، بحكم أنه يتعذر عليه التجول بها بحرية في شوارع فاس وأزقتها.

كما أن المولى عبد العزيز حرص على أن يتعلم مقربوه قيادة الدراجة الهوائية، وأشرف بنفسه على تعليم أصدقائه، وكان يتسلى بمراقبتهم وهم يسقطون أرضا في المرات الأولى، قبل أن يتعلموا سر الحفاظ على التوازن فوق العجلة.

لم تتجول السيارات بحرية في مدينة فاس إلا بعد سنوات على الإطاحة بالمولى عبد العزيز، وبالضبط في عهد أخيه المولى عبد الحفيظ ما بين 1908 و1912.. وصار من المعتاد رؤية سيارات تشق طريقها المغبر إلى بوابة القصر الملكي، وعلى متنها قناصلة وسفراء أجانب جاؤوا لمقابلة السلطان، قبل الحماية الفرنسية.

 

علماء ربطوا صداقة مع المولى عبد العزيز

من الحقائق المنسية بخصوص المولى عبد العزيز، أنه كان يتخذ مستشارين من العلماء، رغم أن أغلبهم هاجموه في بداية فترة حكمه، بسبب انفتاحه على الاختراعات الأوروبية.

بدأت شرارة هذا الجفاء، عندما سمح المولى عبد العزيز سنة 1895 لمهندس ألماني بأن يمد القصر الملكي في فاس بالتيار الكهربائي. الألمان أهدوا المغرب مولدا كهربائيا، وربطوه بمصباح كهربائي، ينير إحدى غرف القصر، قبل أن تتم توسعة شبكة إمداد أرجاء القصر بالكهرباء لاحقا.

وبسبب هذا الانفتاح الملكي على استعمال التيار الكهربائي، شن العلماء حربا ضد السلطان المولى عبد العزيز، قبل أن يمتلك أحدهم الشجاعة، وهو عبد الحي الكتاني، وأصدر فتوى يجيز فيها استعمال ضوء الكهرباء في الحياة اليومية، وشرح في نص الفتوى، التي جاءت في رسالة اطلع عليها السلطان بنفسه، كيف أن التيار الكهربائي لا يتعلق بأي عمل شيطاني، وإنما باختراع علمي خالص، وألا حرج في استعماله.

أصبح المولى عبد العزيز لاحقا صديقا للشيخ عبد الحي الكتاني، والشيخ الصديقي، وربط صداقات مع علماء من الأسرتين، خصوصا عندما أقام لفترة في مدينة طنجة الدولية.

أما أبرز صداقة جمعت بين عالم والمولى عبد العزيز، كانت مع العالم الكبير الشيخ تقي الدين الهلالي.

وقد دارت بين الرجلين في أربعينيات القرن الماضي، سنوات قليلة قبل وفاة المولى عبد العزيز، سجالات ومكاشفات وجلسات فكرية، اطلع فيها الشيخ الهلالي على عمق تفكير المولى عبد العزيز الذي بقي وفيا لتيار السلفية.

إذ كان تيار السلفية، الممتد من الشرق، في أوج انتشاره عندما كان المولى عبد العزيز في السلطة، وكان المولى عبد العزيز محافظا، ومعجبا بأفكار علماء السلفية الكبار في المشرق، لكنه في الوقت نفسه تعرف على الأجانب، وسبق علماء المغرب إلى الاطلاع على فتاوى علماء الشرق، الذين لم يحرموا استعمال السيارات والكهرباء والهاتف وغيرها من الاختراعات الحديثة التي أربكت فعلا علماء المغرب قبل 1912، وتسببت في انقسام كبير في أوساطهم.

بالعودة إلى العالم تقي الدين الهلالي، فإن الرجل قد استفاد من الفترة التي قضاها متجولا في أصقاع الأرض. فقد سبق له أن أقام في الشرق، وانتقل من الحجاز إلى العراق وسوريا، ومنهما عاد إلى أوروبا، واكتشف ألمانيا وفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، بل وحصل على أعلى شهادة علمية من جامعة ألمانيا التي جاء إليها بقصد تدريس اللغة العربية للمستشرقين الألمان، قبل أن يتعلم الألمانية بدوره، ويقرر الدراسة في الجامعة الألمانية. كما أنه بصم على تجربة إذاعية باللغة العربية في الراديو الألماني، وتعرف على نخبة الساسة الألمان في فترة الثلاثينيات، وراكم تجربة كبيرة خلال جولته التي امتدت لعقود.

الصداقة التي جمعت تقي الدين الهلالي بالمولى عبد العزيز، تعززت أكثر عندما سجل الشيخ نقاشاته مع السلطان المولى عبد العزيز، ونقل في بعض كتاباته كيف أن السلطان كان ملما بتفاصيل التيار السلفي ومحطاته ورموزه، وحتى النقاط الخلافية بين علماء هذا التيار، ولم يتردد في الكشف عن قناعاته الشخصية أيضا، والتي اكتشف الهلالي بفضلها أن السلطان كان دائما محافظا، ومُعارضا للتمذهب والطرق الصوفية التي كان يعتنقها أغلب رجال المخزن في ذلك الوقت.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى