
لا يقتصر الإصلاح على مجرد فتح تحقيقات وإصدار بلاغات للتناول الإعلامي، بل إن القيمة الحقيقية لأي مسار رقابي تكمن في الوصول إلى الحقيقة كاملة وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدا عن الانتقائية والحسابات الضيقة، لأن الرأي العام لم يعد يقتنع بمشاهد تكرار الحديث عن محاربة الفساد حتى من الفاسدين أنفسهم، دون أن يرى نتائج ملموسة تفضي إلى محاسبة المتورطين وترتيب الجزاءات القانونية في حقهم، مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.
لقد تحولت بعض ملفات خروقات التعمير، وتبديد المال العام، والتلاعب بالصفقات العمومية، واستغلال النفوذ وسلطة التوقيع، إلى قضايا عمرت طويلا بشكل مبالغ فيه، حيث تمر السنوات دون الحسم فيها، بينما يتم أحيانا تقديم «أكباش فداء» لامتصاص الغضب، في الوقت الذي تبقى فيه خيوط أخرى بعيدة عن المساءلة، والأسوأ أن بعض المسؤولين والمنتخبين الذين تحوم حولهم شبهات ثقيلة، يواصلون ممارسة مهامهم بشكل عادي، أو يتم فقط تنقيلهم إلى مواقع إدارية أخرى بعيدا عن الاحتكاك المباشر بالمواطن، وكأن الأمر يتعلق بإجراءات تدبيرية عادية، لا بملفات ترتبط بثقة المواطنين في مؤسساتهم.
إن قوة القانون لا تقاس بصرامة النصوص المكتوبة، بل بمدى تطبيقها على الجميع دون استثناء، بحيث كلما تسربت الانتقائية والكيل بمكيالين إلى مسارات المتابعة والمحاسبة، اهتزت صورة المؤسسات وتعمقت أزمة الثقة في العمل السياسي والإداري، وهو ما ينعكس مباشرة على فرص التنمية والإصلاح. إذ لا يمكن الحديث عن تخليق الحياة العامة في ظل استمرار مظاهر الإفلات من العقاب، أو الاكتفاء بعزل منتخبين دون متابعات، أو إسقاط قرارات انفرادية دون ترتيب الآثار القانونية اللازمة.
وإذا كانت تقارير لجان التفتيش التابعة لوزارة الداخلية، وتقارير المجلس الأعلى للحسابات، والفضائح التي تكشفها الصراعات حول اقتسام المصالح والغنائم، إضافة إلى التحقيقات الإعلامية الجادة، كلها تؤكد وجود اختلالات متكررة، فإن المطلوب اليوم هو تحويل هذه المعطيات إلى مسارات قضائية واضحة ومنصفة، مع احترام قرينة البراءة وضمان شروط المحاكمة العادلة، لأن محاربة الفساد لا تعني طبعا إصدار أحكام مسبقة خارج المؤسسات القضائية المختصة.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تصبح تصفية الملفات العالقة ضرورة سياسية وأخلاقية، إذ لا يعقل أن يعود إلى الواجهة أشخاص تلاحقهم شبهات ثقيلة في تدبير المال العام، أو اتخاذ قرارات انفرادية أضرت بمصالح المواطنين، فقط بسبب غياب الحسم أو بطء المساطر.
إن التعليمات الملكية السامية الداعية إلى تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ليست مجرد شعارات للاستهلاك السياسي أو المناسباتي، بل هي خارطة طريق واضحة لبناء دولة قوية بمؤسساتها وثقة مواطنيها، كما أن المحاسبة ليست دعوة للانتقام وتصفية الحسابات، بل شرط أساسي لبناء الثقة وضمان تكافؤ الفرص وحماية المصلحة العامة، التي يتحدث عنها الجميع ويخدمها القليل.





