
هو أحد رجالات الملك الحسن الثاني، وكان له حضور وازن في العهد الجديد، وتقلد مسؤوليات حساسة في دواليب الدولة، وراكم تجارب تستحق أن تروى.
لم يكن حفيظ بنهاشم، موظفا ساميا فقط، بل قام بتدبير قطاعات ذات الارتباط بالأمن العام، آخرها المندوب العام لإدارة السجون والإدماج وقتها، مع نجاحه في التأقلم مع حقبتين مختلفتين، عهد الملك الراحل الحسن والعهد الحالي للملك محمد السادس.
تحلى حفيظ بنهاشم بما يكفي من شجاعة أدبية، وهو يستنطق مساره ويحول منعرجات رحلته المهنية إلى شهادات نادرة، في زمن يستعصي فيه البوح عند أصحاب القرار بعد اعتزال المسؤولية.
تستمد هذه المذكرات مصداقيتها من كونها بقلم فاعل عاش نبض أحداثها بكل التفاصيل الصغيرة، فأعاد رسم مساره على الورق، بعد أن وضع مسافة بينه وبين الوظيفة.
في مذكراته، عبور في مسالك التاريخ المعاصر، نبش في حياة المعمرين الفرنسيين، مواقف من المسيرة الخضراء وعين على ملف الصحراء المغربية، ورصد للعلاقات المغربية الجزائرية، وملفات أخرى ظل الكلام حولها محفوفا بالتكتم.
في بوح حفيظ، حقائق من دائرة القرار برواية أحد خدام الدولة.

ولادة تحت ضوء الشموع
في كثير من اللحظات والأحداث أو الوقائع الاستثنائية، يجد الإنسان نفسه مدفوعا إلى مواجهتها خلال حياته، مهما تركت من أثر على مساره. خاصة إذا عاش أحداثا غيرت مجرى التاريخ وكانت له، أولا، القدرة على استحضارها بكل تفاصيلها، وامتلك، ثانيا، القدرة على روايتها بعد أن مرت عليها سنوات ولفتها طبقات من الغبار. وهذا ما أسعى إلى تحقيقه في هذا السرد المتواضع، والحكي الذي يغوص بي إلى عمق حياتي بكل مسالكها الوعرة.
لكل إنسان خزان ذكريات يسكن زاوية من لاوعيه، في هذا الخزان شحنات من الذكريات والأحداث والوقائع الخاصة، يملك القدرة على استحضارها وتقليبها، ما لم يصب بمتلازمات فقدان الذاكرة، أو بخلل في القدرة على التذكر، خاصة إذا فعل العمر فعلته.
في دواخلنا أشبه بمناجم ذكريات ووقائع، تم تخزينها بعناية في مستودع الذاكرة، حين كانت طرية كنا نعتقد أنها تولدت عن ظروف عادية وبسيطة، لكنها مع مرور الوقت وبعد المسافة الزمنية، تتبين أنها أكثر من مجرد أحداث عابرة بل محطات استثنائية في حياتنا.
إن سرد الذكريات، وتقديم الشهادات، وإبداء الآراء، بما لا يخل بواجب التحفظ المفروض على موظف سابق في الدولة، ولا باحترام الآخرين، هو ما الدافع الحقيقي وراء هذا البوح مع الأمل كل الأمل أن أوفق في مساعي وأن أكون منسجما مع غاياتي وفي مستوى طموحات.
في غياب دفاتر الحالة المدنية بالنسبة للكثير من الشرائح الاجتماعية في المغرب، خاصة “الأهالي” كما يتداول في قاموس الاستعمار الفرنسي، علمت أن وجودي في هذا العالم يعود لنهاية عام 1942، حسب رواية والدتي رحمها الله، والتي قدمت لي بعض التفاصيل المتعلقة بظروف ولادتي، حين بدأت أستوعب ما يدور حولي.
تزامنت ولادتي مع ظرفية استثنائية، حيث كانت سلطات الحماية الفرنسية تجبر سكان المدن والقرى، على حد سواء، على إطفاء الأضواء أو إخفائها، منذ أن يسدل الليل ستائره إلى طلوع صبح الفجر. لذا أخبرتني والدتي بأن ولادتي قد تمت تحت جنح الظلام، مع الاستعانة بضوء خافت للشموع ومصباح تقليدي يشتغل بالغاز.
كانت البلاد تعيش حالة طوارئ، والسلطات تمنع الإضاءة ليلا بالإنارة الكهربائية، حتى لا تصبح المدن والقرى مستهدفة ليلا من طرف غارات جوية عسكرية، حسب ما روت لي والدتي.
لكن ما هي الطائرات التي تستهدفنا وتسعى إلى تدميرنا؟
هل نحن مستهدفون من طرف عدو محتمل؟
هل نعيش حالة حرب غير معلنة؟
أسئلة عديدة تراقصت أمام ذهني، وأنا صغير السن، دون أن أعثر لها على جواب من والدتي.
رغم أنها لم تكن امرأة متمدنة أو مثقفة، إلا أنها كانت تتمتع بذكاء خارق ونضج فكري وفضول إيجابي يجعلها في قلب الحدث لا خارجه، رغم أن سنها لم يكن يتجاوز الثامنة عشرة من العمر، حين أنجبتني. كانت ملمة بالمستجدات عارفة بما يقع حولها من أحداث، وحسب ما روت لي، فإنها كانت تستمد هذه الخاصية من مرويات والدي رحمه الله الذي كان متابعا لنبض المجتمع، ومن محكيات إخوتي من والدي الذين كانوا يتابعون دراستهم في الثانوية آنذاك.





