
حين تحتفل الدول في الخامس من ماي باليوم العالمي للقابلات، وحين يأتي هذا التاريخ مباشرة بعد احتفال العمال بعيد الشغل، فإننا سنفهم مدى دور هذه القوى النسائية الناعمة في ولادة ملايين البشر عبر العالم، بطرق تقليدية قبل أن يتحول «الجينيكولوغ» إلى «تيرموميتر» أساسي في تتبع المولود وهو جنين إلى أن يطلق صرخته الأولى.
بالرغم من اختلاف وسائل الاشتغال، إلا أن القابلة كان لها دول كبير في الرعاية الصحية للحوامل خاصة في الأوساط الشعبية وفي القرى على وجه الخصوص، حيث تتمتع القابلة بمكانة اعتبارية في المجتمع، وتصبح مع مرور الوقت أم الجميع.
إن إقرار الأمم المتحدة منذ عام 1992 يوم 5 ماي من كل سنة للاحتفال باليوم العالمي للقابلة، هو اعتراف بمهنة تعتبر من أقدم المهن النبيلة عبر التاريخ، واعتراف بأدوارهن في تأمين ولادة طبيعية بيسر. لكن بالقدر الذي يعملن على إنقاذ الأمهات خلال فترة الولادة بالقدر الذي يبدأ الإنقاذ بإنصافهن.
في كثير من السير الذاتية للشخصيات المؤثرة، حكايات عن القابلات ومساعدتهن لأمهاتهم في عملية وضع الحمل، وقصص حول المكانة التي تحظى بها القابلات وكيفية اشتغالهن أثناء الولادة التقليدية، في ظروف صعبة قد تفتقد فيها أبسط شروط الولادة، لكنها غالبا ما تتم وسط رائحة الأعشاب العطرة والبخور والبسملة.
على يد هذه المرأة الحكيمة التي تسمى القابلة، خرج إلى الوجود ملايين البشر، وبفضل نصائحها اجتازت ملايين النساء الفترة الأصعب في حياتهن، وبلمساتها يتحول وجع المخاض إلى بلسم ينتهي بصرخة مولود. كانت الأم تشعر بالأمان والحماية في هذا الحضن الدافئ وتدرك أنها ليست وحدها في هذه الرحلة.
في الملف الأسبوعي لـ«الأخبار» استحضار لميلاد شخصيات في غرف قابلات تقليديات.
لالة حدهم.. قابلة الدوار وزوجة الباشا وأم أشهر جنرال
في بداية القرن العشرين سطع نجم أحمد بن قدور أوفقير في المنطقة الشرقية، كانت التقارير التي تتوصل بها القوات الفرنسية المرابطة في الجزائر تشير إلى وجود رجل قوي لا يتردد أحيانا في مهاجمة الدوريات الأمنية الفرنسية، لذا كان لا بد أمام الزحف الفرنسي صوب المغرب أن يغير أحمد بن قدور خطته ويعلن استعداده للتعاون مع مستعمر أصبح أمرا محتوما.
حين واجهه بعض أعيان منطقة عين الشعير بسؤال الانتقال من جبهة التصدي للفرنسيين إلى المهادنة، بدا الرجل منسجما مع قناعاته وقيل حينها إنه «كان أكثر تبصرا من زملائه عندما فهم أن الجيش الفرنسي لا يمكن مواجهته بالإيمان فقط». جنى الرجل سريعا ثمار هذا الموقف، فسعى إلى لقاء المارشال ليوطي ولأنه كان مطاعا في قبيلته فقد عينه باشا على مدينة بوذنيب. حدث هذا سنة 1910، أي سنتين قبل الحماية الفرنسية على المغرب، بمعنى أن الاستعمار دخل المغرب قبل معاهدة الحماية.
ضمن تعيين أحمد بن قدور في منصب الباشا على بوذنيب طاعة المدينة الصغيرة والاستراتيجية في نفس الوقت، وحين أصبح موظفا مخزنيا كبرت طموحاته، خاصة وأن فرنسا كانت مختصة في تحويل أصغر القواد إلى باشوات، على غرار ما قامت به مع التهامي الكلاوي والمتوكي والعيادي والكندافي وغيرهم حين كانت تخطط للسيطرة على مناطق شاسعة من المغرب بأقل ذخيرة ممكنة.
يروي كلود كليمون، الضابط الفرنسي السابق في المغرب، وكاتب أول سيرة لمحمد أوفقير، «إن والد الجنرال قد تم تدجينه وتحويله من ثائر ضد المستعمر إلى أحد رجالاته في منطقة بوذنيب، بل إنه لعب دورا حاسما في تسهيل مهمة الحماية، فمقابل الدعم المادي والعسكري والامتيازات التي تلقاها من فرنسا، نجح في إخضاع القبائل التابعة له، وأعفى الدولة المستعمرة شر القتال».
كباقي الأعيان لا يكتمل بناء صرح الأسرة إلا بتعدد الزوجات، لذا لم يخرج أحمد بن قدور أوفقير عن هذا النمط، فاختار الزواج من أربع زوجات رابعتهن هي لالة حدهم بنت الشيخ المنصوري، وهي من مواليد سنة 1900، رزقت من الباشا أحمد بولدين وبنتين وكان محمد أوفقير هو ابنها الثاني في الترتيب، ولقد ولد في 14 ماي سنة 1920، أي حين كانت والدته تبلغ العشرين من العمر.
سرقت لالة حدهم قلب الباشا بجمالها وحكمتها وطول قامتها حيث كانت تقارب 1.82 مترا، وهي الصفة التي ورثها منها الجنرال، كانت الأقرب إلى وجدان الباشا الذي يتخلص من جبروته حين يكون في مجلسها، عرفت بشخصيتها الكاريزمية القوية، بل إن روايات أفراد من عائلتها تؤكد أن سيدة البيت كانت أشهر قابلة في جنوب شرق المغرب هذه الشهرة أخذتها من طبعها الخدوم والمتواضع، حيث كانت تصر على مساعدة النساء على الوضع دون أن تأخذ مقابلا عن الخدمة، وتقول روايات شفاهية إن «القابلة» كانت مهتمة بالطب البديل خاصة الأعشاب وكانت نساء الدوار تلجأن إليها في كثير من الاستشارات الصحية في زمن كان فيه خضوع المرأة للعلاج على يد طبيب محرما، كما كانت تتقن فن الطبخ، وغالبا ما تسهر على تنظيم حفلات استضافة كبار المسؤولين في بيت زوجها الباشا.
كانت علاقتها بابنها كأي أم تحب أبناءها وتودهم وتضحي من أجلهم بكل غال ونفيس، وابنها محمد أوفقير كان لا يعتبرها أما عادية، بل صاحبة الفضل عليه في بناء شخصيته هو وإخوته، وكانت تصر على أهمية العلم والدراسة وتعمل أن تظل قريبة منه، «كان عند كل لقاء بها يقبلها في جبينها ويديها ووجنتيها، لأنه كان يعتبرها رمز الأم المثالية والمناضلة من أجل أبنائها»، كما يقول أحد أفراد العائلة.
ولد قابلية.. ابن القابلة الطنجاوية وزيرا لداخلية الجزائر
ظل دحو يحمل لقب «خبير الإدارة الترابية» وظل مقربا من أكثر من رئيس جزائري، خاصة مع هواري بومدين، الذي عينه مستشارا في شؤون الجماعات المحلية وكلفه بوضع خريطة التوزيع الترابي للجماعات لأول مرة.
دحو ولد قابلية الذي ولد يوم رابع ماي من سنة 1933 في مدينة طنجة، حين كانت تحت الوصاية الدولية، تقول عنه بعض الروايات التاريخية إن والدته كانت «قابلة» لذا استلهم اللقب الذي تحول إلى اسم عائلي.
أشرفت على ولادة العديد من الشخصيات المغربية والجزائرية في طنجة ووجدة قبل أن تنتقل إلى الجزائر، من أبرزهم الفنان الجزائري طالب رابح والسياسي عبد القادر صالح المولود في المغرب والذي كان مرشحا لرئاسة الجزائر خلفا لعبد المجيد بوتفليقة.
كانت عائلة قابلية مناضلة على مستوى المنطقة الشرقية، مما دفع رحو إلى الانضمام لصفوف جبهة التحرير الوطني، بعد أن حصل على شهادة البكالوريا سنة 1955 لينتقل إلى فرنسا، حيث أكمل تعليمه الجامعي بجامعة تولوز في شعبة الحقوق.
عرف مشوار الرجل ارتباطا وثيقا بالقيادة الترابية، إذ عين واليا في عهد الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم الجزائر في كثير من الولايات أبرزها مستغانم وتلمسان وتيارت وسكيكدة ووهران قبل أن يتقلد منصب والي العاصمة الجزائرية سنة 1971 ثم يدخل الحياة النيابية كبرلماني ثم وزيرا للداخلية مكلفا بالجماعات المحلية.
حين زار ابن طنجة المغرب لحضور أشغال اجتماع وزراء داخلية دول اتحاد المغرب العربي بالرباط، حاصره الصحافيون بالسؤال التقليدي: متى ستفتح الحدود البرية بين المغرب والجزائر؟ فقال: «هذه القضية ستجد حلها في وقت ليس ببعيد نأمل أن يوجد المناخ الملائم».
لرحو ولد قابلية أخت تعد إحدى أيقونات النضال الجزائري ضد المحتل الفرنسي، وهي الشهيدة زبيدة ولد قابلية المدعوة صليحة، من مواليد 30 يوليوز 1934 بمدينة طنجة، جزائرية الأصل، من عائلة ثورية تشبع أفرادها بالعلم والنضال السياسي في سبيل قضية بلدها. انتقلت إلى الجزائر عائدة لمسقط رأس والدها، بمعسكر لتزاول دراستها إلى أن نالت شهادة البكالوريا، ما سمح بدخولها كلية الطب بجامعة الجزائر لدراسة تخصص طب أسنان. استشهدت سنة 1958 بعد أن وضعت قنبلة في مدرجات ملعب بولوغين.
عشيوش.. القابلة الريفية التي أخرجت شكري للوجود
في حواراته التي تنبش في ولادته ونشأته، يتوقف الكاتب الراحل محمد شكري، عند لحظة الولادة بدوار أيت شيشار في عمق الريف المغربي، «قيل لي بأني ولدت في فصل الشتاء لكن مزاجي خريفي، على يد مولدة تقليدية تدعى عشيوش (اسم الدلع لعائشة)، ظلت تتردد على بيتنا كما يتردد الوجع على أمي التي لم تمنعها بطنها من القيام بالأعمال الشاقة. وأجمل الأشياء يأتيني أولها في نهايتها إلى ما لا نهاية من الأوائل، ولا أحد يأتي بعد مجيء الأخير. ربما هي السبب في مجيء الأخير. بين الليل والنهار، احتمال مزاج بينهما».
هكذا كانت ولادة كاتب مغاربي وعالمي ترجمت أعماله إلى أزيد من 40 لغة، أعمال أدبية مازال حضورها وازنا في المشهد الأدبي العالمي، لكونها ترسم مسار تجربة أدبية إنسانية مميزة، لكاتب وإنسان مميز واستثنائي، اسمه شكري، الذي جعل لروايته قيمة تاريخية حين رسمت جزءا من تاريخ شمال المملكة في عهد الاستعمار، خاصة وأنه ابن هجرة المجاعة الريفية التي حدثت خلال أربعينيات القرن الماضي، «يحلم أكثر من الحلم نفسه في أن يبلغ الفردوس المفقود- طنجة، حيث الخبز الوافر، وهو الهارب، مشيا عن الأقدام، من القحط والجوع والحرب، وعانى من لغة الاضطهاد الجسدي واللغوي، مع أولى أيام الارتماء بين أحضان مدينته الأسطورية والانغماس في أحشاء معشوقته طنجيس»، قبل أن يموت فيها.
في حديثه عن مولدته، قال شكري في حوار مع «القدس» إنه تعرف على عشيوش ودخل معها في شنآن قبل أن تقول له إحدى السيدات بأنها مولدته، وبفضلها خرجت إلى الوجود، حينها تبين لي أنني صعلوك لا أحترم حتى مولدتي التي انتشلتني من رحم أمي وأنا أطلق صرخة الميلاد».
القابلة زبيدة مولدة مشاهير المدينة القديمة
يعرف أبناء درب الطاليان في المدينة القديمة للدار البيضاء خاصة سكان الحي القدامى، اسم المولدة التقليدية «الحاجة زبيدة» التي خرج على يدها عدد من مشاهير المدينة القديمة إلى الوجود، وظلت على امتداد حياتها ملاكا للرحمة في هذا الحي، بل إن السكان يروون عنها حكايات يختلط فيها الواقع بالخرافة، من قبيل إنقاذ عشرات السيدات من الموت أثناء الوضع، بل إنها مولدة اللاعب الدولي السابق عزيز بودربالة، وأم فيصل الذهاني الحارس الشخصي السابق للشيخ زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة سابقا والذي تخلى عن مهنته الأمنية وأنشأ شركة في الاتصالات والإلكترونيات.
يحكي فيصل عن والدته في بوح لأحد المواقع الالكترونية، فيقول: «اجتزت طفولة صعبة للغاية، غمرني إحساس الأطفال اليتامى ببساطة لأنني من زوجين منفصلين، كنا أربعة إخوة ترعرعنا في كنف جدي وجدتي في بيت متواضع بدرب الطاليان وسط مدينة الدار البيضاء، وكباقي الأطفال أقراني في المدينة القديمة بالدار البيضاء قضيت طفولة ومراهقة كلها شقاوة ولعب، كانت أمي سيدة معروفة في الدار البيضاء لأنها كانت مولدة مشهورة بأعمالها الخيرية وطيبوبتها ودماثة أخلاقها، تربيت في بيت محافظ تربية حسنة وصارمة، كنت محروما من العديد من الأشياء لكنني تعلمت من والدتي أن أعتمد على نفسي وأن أثابر وأجتهد لتحقيق أحلامي». ظلت والدته «الحاجة زبيدة» رحمها الله سنده الرئيسي خلال فترة تدرسيه بالديار الفرنسية، وكانت ترسل له المال الضروري لتغطية مصاريف الدراسة المكلفة، قبل أن يلتقي صدفة في باريس بالعاهل الإماراتي الذي ألحقه بحرسه الخاص.
عليجة العسكي أم الوزير التي تحدت خرافة الموت في يد القابلات
خلافا لما هو متداول فإن الاسم العائلي الحقيقي للعسكي هو «العزكي» نسبة لقبيلة «لعزوكة»، ظل الاسم ساري المفعول إلى أن تقرر تعميم الحالة المدنية فأصبح الأب يحمل اسم العسكي الذي ألغى الاسم السابق علما أن أبناء المدينة القديمة كانوا ينادونه اختصارا بـ«لاسكي».
ولد الجيلالي العسكي سنة 1872 بأزمور، كان يمتهن التجارة خاصة وسائل الصيد بحكم وجود المدينة بالقرب من البحر ونهر أم الربيع.
من الطرائف التي ارتبطت بزواج الجيلالي العسكي، أنه كلما تزوج فتاة إلا وتوفيت أثناء وضع وليدها، وهو ما حصل في الزيجتين الأولى والثانية، إذ قدر للزوجتين أن ترحلا إلى دار البقاء في لحظة الولادة في حضرة قابلة، لذا كان من الصعب على الجيلالي الأرمل أن يعثر على زوجة ثالثة بعد أن تناسلت في الوسط العائلي حكاية الموت التسلسلي، لكن ما أن تقدم والده لخطبة زوجة ثالثة في شخص عليجة، وهي من مواليد 1900 بالدار البيضاء، حتى فاجأت الجميع بقبولها العرض ضاربة عرض الحائط كل الأساطير المرعبة التي نسجت حول الجيلالي «قاتل النساء».
يقول ابنها حميد العسكي لـ«الأخبار»: «تسلحت عليجة رغم صغر سنها بالعزيمة والإرادة، ولم تنصت لكثير من النساء حين كن يحذرنها من مغبة الزواج من رجل تموت زوجاته في نهاية الحمل، وفاجأت الجميع عندما قبلت الارتباط بالجيلالي».
كان الجيلالي العسكي يكبر عليجة بحوالي 35 سنة، لكنها لم تتردد في قبول قرار والدها الذي أقنعها بالارتباط برجل أظهر استعدادا كبيرا ليعيش حياة جديدة مع زوجة ذات حسب ونسب، تنسيه واقعة الموت عند الولادة. قدر لعليجة أن تجتاز الامتحان وتنتقل للعيش مع زوجها في المدينة القديمة، وكتبت لها حياة أطول من سابقاتها بل إنها عاشت مدة 80 سنة بينما عاش الزوج 105 سنة.
أنجبت أبناءها وأغلبهم من خدام الدولة وحرصت على تربيتهم التربية الحسنة.
سعيدة بيروك تستعين بقابلة مغربية مطرودة من الجزائر
حين ارتبطت سعيدة بيروك، عضو مجموعة «لمشاهب»، بزميلها في ذات الفرقة الغنائية، محمد باطما، كان الحدث السعيد نهاية لعلاقة حب قصيرة المدى، انتهت بتأسيس «كوبل» فني.
آمنت سعيدة بأن الزواج كفيل بجعل الزوجين يعيشان ساعات أطول، يفهم الزوج أكثر نفسية زوجته والعكس صحيح، خاصة وأن مدة الخطوبة لا تكفي للغوص في نفسية كل طرف.
في سنة 1975 تم توقيع عقد الزواج بين الطرفين وامتد لقرابة 22 سنة، علما أن العلاقات الزوجية في السوط الفني لا تدوم طويلا.
لم تقطع سعيدة صلتها بعائلة مدير المجموعة محمد البختي، ظلت تتردد على بيت العائلة في حي روش نوار وتشارك زوجته وأبناءها في كثير الأمور، نظرا للعلاقة المتينة التي كانت تربطها بجميلة ابنة البختي.
تقول سعيدة بيروك في حوار مع «تيلي ماروك»: «لابد من استحضار معاناة الوضع والتربية، بعد أن كنت أستعين بـ«قابلة» أثناء الوضع، نفس «القابلة» التي ساعدتني على إنجاب طارق والخنساء، ونفس الإصرار على أن يولد أبنائي بالطريقة التقليدية بعيدا عن مصحات التوليد، في وقت كانت فيه شبكة علاقات «لمشاهب» تكفي لعرضي على أشهر المولدات. أذكر هنا «القابلة» التي رافقتي في عملية وضع ابني أنس، فقد كانت سيدة مغربية من المطرودات من الجزائر وتدعى حدوم، تعرفت عليها بواسطة زوجة عبد الرحيم باطما، سبق لها أن اشتغلت كمولدة في إحدى المصحات بالجزائر قبل أن تتعرض للطرد بقرار من الرئيس الجزائري في دجنبر 1975، أتذكر أنها كانت تتوفر على كل المستلزمات الطبية للتوليد».
أنجبت ابني البكر طارق في الساعات الأولى من صباح 2 ماي 1976 في بيت عائلة البختي بحي روش نوار، وتحت رعاية زوجته وابنته، كنت أشعر وكأنني بين أفراد عائلتي، أذكر أن مولدتي القابلة التي تقطن في درب السعد بالحي المحمدي كانت لها علاقة مصاهرة مع شقيق عضو مجموعة ناس الغيوان علال يعلا، وهي من سهرت على وضعي الأول. مع العلم أن العديد من الأطباء ألحوا على زوجي كي يشرفوا على الوضع الأول، نظرا لعلاقات «لمشاهب» بعدد من الأطباء في تلك الفترة، لكنه رفض. بعد الولادة قررت أن أحمل ابني إلى بيت والدتي في مراكش لتتكلف بتربيته وهو في شهوره الأولى، حتى أتفرغ لعملي ضمن فرقة «لمشاهب» التي عدت إلى صفوفها بعد الولادة بحوالي ثلاثة أشهر».
كانت حدهم أشهر قابلة بالحي المحمدي إذ كانت تمارس مهنة القابلة في المغرب والجزائر، وولد على يدها الآلاف من أبناء الحي المحمدي على مدى ثلاثة أجيال.
كانت البداية من مستشفى بارني بالعاصمة لتستقر بولاية البليدة حيث عملت بمصلحة الولادة وسط المدينة، مارست مهنتها التي تعتبرها «إنسانية» لفائدة الأسر المغربية والجزائرية، قبل أن تعيش نكبة الطرد الجماعي سنة 1976.
«أمي رحيمو» أشهر قابلة تطوانية
سيطر اسم «مي رحيمو» على اسمها الرسمي الموثق في دفاتر الحالة المدنية، خاصة في الفترة ما بعد الحصول على الاستقلال، حين كانت هذه المهنة الشريفة سائدة في الزمن القديم بتطوان والريف.
كانت المرأة التطوانية قديما تضع مولودها في منزلها بين عائلتها وجيرانها وأحبابها على فراشها، في أجواء وطقوس خاصة حيث يتم دعوة قابلة العائلة التي ستقوم بتوليد الحامل بطريقتها التقليدية، معتمدة على الخبرة التي اكتسبتها في هذا المجال لسنين طويلة.
«أمي رحيمو» زوجة عبد السلام بن الشريف، لم تكن مجرد مولدة تقليدية، بل كانت مستشارة للتطوانيات طيلة فترة حملهن وبعدها، بل وعرف عنها دورها التحسيسي في عمليات الإنجاب، بالرغم من ضعف الإمكانيات والاستعانة بالطب البديل خاصة الأعشاب التي كانت تحولها إلى دواء، في زمن كانت الولادة في المصحات الخاصة غير متاحة للسواد الأعظم من المواطنين بسبب غلاء فواتيرها أولا وبسبب إشراف أطباء ذكور على شؤونها.
نالت «أمي رحيمو» لقب الأم الثاني لآلاف التطوانيين، حين سخرت نفسها لخدمة ساكنة المدينة والقرى المجاورة، إذ عملت على رعاية النساء خلال فترة الحمل، وعند المخاض والولادة، بفيض من العمل الإنساني النبيل الذي مكنها من كسب رزقها بعرق جبينها.
قيل عنها: «ماما رحيمو امرأة بمائة رجل، كانت صديقة لكل العائلات التطوانية، تحرص على زيارة الحوامل إلى أن توفيت في مستشفى سانية الرمل، وكانت خلال فترة مرضها تحت إشراف طبيب الفقراء الدكتور عبد الكريم اقلعي الذي تعتبره ابنها».
رحم الله «أمي رحيمو» الأم بالرعاية للتطوانيين والتطوانيات.
مطاع يخرج إلى الوجود بواسطة راضية «قابلة» الفنانين
ولد عبد القادر مطاع في عز الأزمة الاقتصادية العالمية، حيث صادف مولده في درب كرلوطي قرب «كراج» علال بمدينة الدار البيضاء، وتحديدا سنة 1943، مناخ الحرب العالمية الثانية والغارة الأمريكية على الدار البيضاء، «ضربة ماريكان».
لم تكن حياة عبد القادر القادم من أصول «مزابية»، مفروشة بالورود، فبعد ولادته مباشرة على يد قابلة الحي «راضية» التي قيل بأنها مولدة كثير من الفنانين، قررت والدته باتفاق مع أبيه أن تمنحه «على سبيل الإعارة»، لجارتها العاقر لتتولى تربيته ورعايته، والذين كانوا يقطنون جميعا في بيت واحد يضم ست غرف تكتري كل عائلة غرفة فيه، لذا حمل الفتى اسم والده بالتبني عبد القادر بن بوشتة.
ولأنه تربى في كنف تعاني من العقم فقد كان من الطبيعي أن يعيش مدللا. لكن غياب الصرامة في تربيته واعتماد الليونة الزائدة جعلت عبد القادر ينقطع عن الدراسة مبكرا، في غياب رادع يعيده إلى الفصل، في وقت كان بالإمكان تدارك الموقف مادام الانقطاع قد تم في أول فصل دراسي.
في ظل هذا الوضع فتح الشارع أحضانه للفتى المشاكس الذي لا يتجاوز عمره السبع سنوات، فهام على وجهه في دروب درب السلطان دون رادع، اضطر إثرها إلى الاشتغال في عدد من الحرف مثل النجارة وإصلاح الدراجات النارية ومساعد بائع، لأن أسرته كانت فقيرة وفي حاجة إلى مدخول مالي يؤمن الاكتفاء الذاتي للابن الحالم، خاصة وأن والده كان عاطلا عن العمل، والوالدة هي التي تتحمل عبء الأسرة من خلال عملها لدى أسرة فرنسية ثرية.
راضية المولدة التقليدية، عرفت في درب السلطات بإشرافها على ميلاد عدد كبير من الفنانين أبرزهم نعيمة سميح.
حين فشلت قابلة مراكشية في توليد أم عمر لقزابري
عرفت ولادة عمر القزابري في الرابع من غشت 1974 صعوبات في الوضع، إذ استعصى على والدته خديجة إنجابه بشكل طبيعي على يد «قابلة» مراكشية تدعى الشريفة، بعد أن زاد صراخ الأم، حينها قرر الوالد أحمد نقلها على وجه السرعة إلى مستشفى ابن طفيل في مراكش، بعد أن أقنعه الجيران بضرورة إنقاذ الأم والجنين، وحين وصلت خديجة وهي مغمى عليها إلى المستشفى، تقرر إجراء عملية قيصرية بعد أن استنفد الأطباء جميع المحاولات. وبعد عملية مضنية رزقت أسرة لقزابري بفتى قيل إنه نسخة طبق الأصل لوالده.
ولأن الأسرة كانت لاتزال تعيش على وقع صدمة فراق الجد عمر لقزابري، فإن الوالد أصر على تأريخ الحدث وبادر إلى إطلاق اسم عمر على الوليد. كانت ظروف الولادة صعبة ومكلفة بل وتمت في عز الصيف لذا أصدر الأب قرارا بإلغاء كل مظاهر الاصطياف بعد أن اعتادت الأسرة قضاء عطلتها في مدينة الصويرة.
ولأن الأب هو من أطلق اسم عمر على ابنه، فقد قرر عمر أن يرد الدين للوالد وخلد ذكراه حين أطلق اسمه «أحمد» على وليده.
فاطمة التهامي.. أول مولدة مغربية متخرجة من كلية الطب
تعد فاطمة التهامي المولودة بالدار البيضاء سنة 1919، أول مولدة مغربية متخرجة من كليات الطب بالجزائر وفرنسا سنة 1948، وهي التي صالحت المغاربة مع عيادات التوليد، بعد أن كان الرجل في تلك الفترة يرفض رفضا قاطعا عرض زوجته على مصحة ويفضل أن تلد على يد «قابلة» مهما كانت الظروف.
اشتهرت فاطمة التهامي بحسها السياسي، وبأعمالها الجمعوية والخيرية، وكذا بنضالها الوطني، سواء ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم، أو ضمن حزب الشورى والاستقلال بعد استقلال المغرب، وعلى الرغم من هذا «الإيتكيت» السياسي، فإن عددا من الاستقلاليين كانوا يعرضون زوجاتهن على هذه المولدة «سرا» من أجل إنهاء مخاضهن.
تنحدر فاطمة من قبائل أولاد حدو المحيطين بمدينة الدار البيضاء، وتعتبر من أول المغربيات اللواتي سافرن لوحدهن في القطار إلى الجزائر وفرنسا للدراسة في أواسط الأربعينات من القرن العشرين، وكانت الفقيدة من أوائل الفتيات المغربيات اللواتي درسن بالمدرسة الإيطالية بمدينة الدار البيضاء، وأكملت دراستها بكليات الطب بالجزائر العاصمة ثم بالعاصمة الفرنسية باريس، واستقبلها المغفور له الملك محمد الخامس مباشرة بعد عودتها من باريس في بداية سنة 1949.
لبت «الحاجة» داعي ربها بفرنسا يوم الجمعة 6 غشت سنة 2009، عن سن تناهز التسعين سنة، ووري جثمانها الثرى بمقبرة الشهداء، مخلفة وراءها أول مصحة للتوليد في عمق درب السلطان، مخلفة تاريخا نضاليا صنفها في خانة الرائدات.
في حوار سابق مع صحيفة الاتحاد الاشتراكي صرحت فاطمة بأنه خلال عملية الاغتيال التي دبرها أحمد الطويل واستهدفت ثريا الشاوي، تعرضت بدورها للاختطاف في ذلك اليوم، وأنه عندما حضر أحمد الطويل لمتابعة عملية التعذيب، صاح في وجه رجاله بأنهم أخطأوا في اعتقال فاطمة التهامي، لأنها لم تكن هي المقصودة، وفي مساء ذلك اليوم تم اغتيال ثريا الشاوي.





