
يونس جنوحي
في قراءته للوضع السياسي المغربي قبل ستين سنة، وتقييمه للأحداث والوقائع، لم يُخف مولاي المهدي العلوي ابتعاده، في هذه المذكرات، عن الحكم على المواقف بعد أن أخذ منها مسافة مدتها تفوق نصف قرن، والتزم بالإحاطة بها حسب سياقها الزمني.
أحداث الدار البيضاء، مارس 1965، كانت شحنة إضافية نحو التوتر.. ومن كواليسها، بالإضافة إلى كواليس حالة الاستثناء وحل البرلمان، انطلق المهدي العلوي نحو فتح ملف اختفاء المهدي بن بركة..
يقول العلوي مستحضرا سياق أحداث الدار البيضاء، وما وقع خلال المظاهرات التلاميذية الشهيرة، انطلاقا من موقعه نائبا برلمانيا:
«وعلى إثر الأحداث، شكل مجلس النواب لجنة بحث برلمانية، باقتراح من الفريق الاتحادي، كما وجه النواب الاتحاديون سؤالا إلى الحكومة حول الحوادث التي عاشتها الدار البيضاء والرباط، وبعض المدن الأخرى، حيث أبرزوا أن العنف الذي باشرته قوات الأمن لم يسبق له مثيل، وأن التلاميذ تظاهروا تلقائيا وسلميا للإعراب عن سخطهم على قرارات وزارة التعليم الرامية إلى طرد الآلاف منهم من المدارس والثانويات.
لم يكن الملك الراحل يرى أن مواجهة المتظاهرين وإسقاطهم برصاص الجيش بالدار البيضاء عملٌ غير مشروع. بل إنه من وجهة نظره عين العقل، من أجل استتباب الأمن والحفاظ على استقرار نظامه. لذلك سيعترف في خطابه بأنه هو من ظل يعطي الأوامر لجنراله بقتل المتظاهرين.
بعد ذلك، اتصل الملك الحسن الثاني بعبد الرحيم بوعبيد، واقترح عليه تشكيل حكومة لإنقاذ الوضعية. وبعد المفاوضات، صرح عبد الرحيم بوعبيد لجريدة «لوفيغارو» الفرنسية بما يلي: «إننا لبينا نداء الملك فزرناه، ولم نكن نريد أن نسلك سياسة ترك ما كان على ما كان عليه حتى الانهيار، ولم ننتظر كذلك اندلاع أحداث جديدة والقمع الذي يتولد عنها. لقد تركت الأحداث الأخيرة في الدار البيضاء أثرا عميقا، وإننا نتمنى أن نخدم بلادنا في إطار الملكية التقليدية التي للملك فيها دور عظيم، ولكن بحكومة مسؤولة) ..
وعن سؤال هل أنتم مستعدون لمزاولة الحكم؟ أجاب عبد الرحيم: «ولم لا؟ هذه هي القاعدة الديمقراطية إننا في وقت خطير بالنسبة لبلادنا، نلبي نداء العاهل ونتمنى أن يفهمنا، وإني على يقين أنه مهما طال الزمن أم قصر، فإن الملك سيتفاهم معنا دون تنحية الآخرين».
غير أن الملك انتظر قرابة شهرين ليتخذ إجراءات سياسية قوية في السابع من يونيو 1965، منها تعليق العمل بالدستور، وحل البرلمان وإعلان حالة الاستثناء، وبذلك أصبحت جميع السلطات في يده».
مر مولاي المهدي العلوي للحديث عن حالة الاستثناء، التي كانت فترة سياسية متجمدة، لا يزال الغموض يلف كواليسها.
هنا، يميط مولاي المهدي العلوي اللثام عن بعض الوقائع، التي من شأنها توضيح ملامح المرحلة، بعد ستين سنة كاملة على تلك الأحداث.
يقول:
«في السابع من يونيو من سنة 1965 جلس الحسن الثاني بقاعة العرش ليعلن للمغاربة عن قراره بالإعلان عن حالة الاستثناء، وحل البرلمان.
لقد مارس الملك حقا دستوريا بإعلانه عن حالة الاستثناء التي اعتبرها البعض حالة طوارئ. غير أنه استثناء لم يحدد الدستور مدته بعد أن سكت عنها، وهو ما يعني أنها قد تمتد لسنوات سيجد الحسن الثاني أنها يمكن أن تقتل الحياة السياسية أكثر مما تحييها، خصوصا وأنها عرفت أكثر من محاولة انقلابية تعرض لها الملك وخرج منها سالما، بعد أن قادها بعض المقربين منه من المتنفذين في المؤسسة العسكرية، وعلى رأسهم الجنرال أوفقير.
سترفض جل الهيئات السياسية قرار الاستثناء الذي أعلن عنه الملك. لقد قال الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إن الأمر مرفوض. أما عبد الكريم الخطيب، الذي كان وقتها رئيسا لمجلس النواب باسم الحركة الشعبية، فرفض أن يسلم مفاتيح البرلمان لأوفقير.
لقد استدعاه الحسن الثاني رفقة السيد الشرقاوي، الذي كان رئيسا لمجلس المستشارين لإشعارهما بقرار حل البرلمان. غير أن الخطيب رفض الأمر على الرغم من أنه كان واحدا من رجال القصر. في الوقت الذي لم يبد فيه المحجوبي أحرضان أي اعتراض على قرار الملك.
لذلك سيستقيل الخطيب من الحركة الشعبية احتجاجا، قبل أن يعود لتأسيس الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، التي فتح بعد ذلك أبوابها للحركة الإسلامية، التي ولد من رحمها حزب العدالة والتنمية.
وكتب الخطيب في مؤلفه «مسار حياة» الكثير من هذه التفاصيل حول رفضه تسليم مفاتيح البرلمان للجنرال أوفقير. أما مستشار الحسن الثاني عبد الهادي بوطالب، الذي سيتم تكليفه بتحرير خطاب الاستثناء، فيحكي عن هذه اللحظة حينما تلقى الدعوة من الملك الراحل الذي سيفاجئ ضيفه بأن الأمور لا تسير على الوجه الأحسن. وأن الديمقراطية التي أخذنا بها، أصبحت معطلة. أما البرلمان، فلم ينتج غير المشادات الهامشية وظهر أنه عقيم». لذلك أعتقد، يشرح الحسن الثاني، أن «قرار الاستثناء قد يكون سبيلا للإصلاح».
لم يكن رد بوطالب مطابقا لما جاء به الحسن الثاني. لقد حاول أن يشرح له كيف أن المغرب بلد ديمقراطي فيه برلمان. ولا شك أن حالة الاستثناء ستجعل العالم ينظر إليه نظرة أخرى قد يوصف معها بالبلد الذي يحكمه الاستبداد. ولذلك، كان اقتراح مستشار الملك أن يقوم بحل البرلمان، لكن شريطة أن يعلن عن انتخابات سابقة لأوانها بدلا من حالة الاستثناء. لكن الملك الراحل رفض هذا المقترح، ودعا مستشاره لتحرير نص الخطاب الذي سيلقيه في السابع من يونيو أمام الأمة. خطاب سيقول الملك، بعد أن اطلع عليه في اليوم الموالي، إنه لن يغير منه حرفا، خصوصا وأنه جاء محملا بالكثير من الأفكار التي آمن بها بوطالب، والتي سعى من خلالها للتخفيف من حدة الاستثناء».





