حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

السيرك

يونس جنوحي

 

الله وحده يعلم ما إن كان القائمون على سن نقاط مقترحات التعديلات على نظم التقاعد في دول الاتحاد الأوروبي، يضعون في الحسبان حالة فريدة لفئة من المهاجرين المغاربة، الذين حصلوا على التقاعد، خلال السنوات الخمس الأخيرة.

يتعلق الأمر بمواطنين مغاربة هاجروا، نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، إلى ألمانيا وإيطاليا على وجه الخصوص، للعمل في شركات الترفيه الأوروبية التي ترعى مؤسسات «السيرك»، أو لدى مُلاك الضيعات الفلاحية في الريف الألماني والإيطالي. هؤلاء المهاجرون المغاربة كانوا يتقاضون لدى هذه الشركات، قبل ثلاثين سنة من اليوم، أجورا لا تتجاوز ما يعادل اليوم 4000 درهم فقط لا غير. وبناء على هذه الأجور، سُجلوا في نظام التقاعد. والغريب أن بعض الذين لم يغيروا طبيعة عملهم منذ وصولهم إلى دول الاتحاد الأوروبي، بقوا يحصلون على أجور هزيلة. وبعضهم كانوا يعملون إلى نهاية المدة القانونية التي يُحالون بموجبها على التقاعد، بأجور لا تتعدى 1000 يورو شهريا.

هذه الأجور لم تُمكن أغلب العاملين لدى شركات «السيرك»، أو الضيعات، من تحقيق شروط التجمع العائلي، وبقوا يقيمون في منازل مشتركة، وبقوا يستفيدون من البرامج الاجتماعية التي تدعم السكن. والآن بعد أن أحيلوا على التقاعد، لم يتبق لهم غير أجرة شهرية لا تصل إلى 500 يورو في أفضل الحالات، ولا تكفيهم حتى للعيش في المغرب، فما بالك بالبقاء في أوروبا.

وما يزيد الوضع تعقيدا، أن هؤلاء المهاجرين المتقاعدين الآن مُجبرون على البقاء في دول الإقامة، للاستفادة من الخدمات الصحية المحدودة التي يوفرها لهم التقاعد، بينما تعويض التقاعد لا يكفيهم حتى لتسديد نفقات الكراء وفواتير الغاز والكهرباء. إن عادوا إلى المغرب، فلن يستفيدوا من أي نظام للتغطية الصحية، بحكم أنهم قضوا ثلثي حياتهم في أوروبا، ولم يحصلوا على الجنسية، وأغلبهم يحملون بطاقة إقامة دائمة فقط، لا تخول لهم الولوج إلى بعض الخدمات التي يستفيد منها المتقاعدون الأوروبيون.

ما الحل إذن؟ قرر أغلب هؤلاء المتقاعدين البحث عن عمل لا يتطلب مجهودا عضليا – وهو ما يزيد من تعجيز البقية- مثل العمل في تطبيقات النقل، بالنسبة إلى المتقاعدين الذين يستطيعون القراءة والكتابة، بينما البقية لم يجدوا بديلا عن مزاولة الأعمال الفلاحية، أو الاشتغال في أنشطة النظافة أو حتى أعمال الصيانة في بعض الأوراش، التي لا يمانع أصحابها مخالفة القوانين وتشغيل أشخاص يفترض أنهم متقاعدون.

في بداية تسعينيات القرن الماضي، كانت موضة العمل لدى شركات «السيرك» التي تتجول في أوروبا، وبعضها أدت عروضا في المغرب، في أوجها. وأمام تزايد الطلب على العمال المغاربة، ظهر الوسطاء الذين عرضوا على المُلاك أجورا أقل. اغتنت الأقلية من وراء بيع عقود العمل، بينما اكتوت الأغلبية بنار الهشاشة وظروف العمل القاسية. حتى أن بعضهم عندما كانوا يحصلون على العطلة السنوية، لا تكفيهم أجورهم حتى لاقتناء تذكرة طائرة لزيارة العائلة، ويفضلون العودة برا على متن القطارات والحافلات، بحكم أن المُشغل مجبر بموجب عقد العمل على دفع ثمن التذاكر للعمال. المحظوظون يعودون بعد تجديد عقودهم، بينما آخرون يضطرون إلى دفع ما وفروه طيلة العام، للاستفادة من عقود جديدة.

ثلاثة عقود من الهشاشة، جعلت ضحاياها يكتشفون متأخرين، أن «السيرك» الحقيقي هو ما يعيشونه الآن!

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى