
يونس جنوحي
أسماء الشوارع في المغرب أثارت وما زالت تثير زوابع كثيرة. أحيانا في الفناجين وأحايين أخرى في بحار متلاطمة تختلط فيها الهوية بالتاريخ والرموز الوطنية.
تغيرت أسماء شوارع كثيرة في المغرب، كانت تحمل أسماء شخصيات فرنسية استعمارية، وعُوضت بأسماء شهداء الاستقلال وشخصيات وطنية. وفي الكثير من المناسبات، تقرر أن توزع أسماء مناطق الأقاليم الجنوبية على شوارع وأزقة الرباط.
المجالس المنتخبة كانت دائما تعيش على إيقاع صراعات تسمية الشوارع في المدن. عندما تُوزع أسماء الصحابة وقضايا الأمة على الشوارع، تخرج أصوات تستنكر تغييب الشخصيات المحلية! وإذا وزع اليساريون أسماء دول الثورات المسلحة على الشوارع، يواجههم المحافظون مستحضرين أسماء الغزوات.
هناك أحياء ما زالت تحمل أسماء المعمرين. في الدار البيضاء، بحكم أنها كانت مدينة كولونيالية وشهدت أولى عمليات التعمير الفرنسية، وزعت أسماء الضباط الفرنسيين الذين قادوا حملات الإبادة في الأطلس ومدن المناجم، على أحياء الدار البيضاء وليس شوارعها فحسب. وإلى اليوم، ما زالت هذه الأحياء تحمل أسماء العسكريين الفرنسيين، رغم فداحة ما ارتكبوه في حق المغاربة أيام الحماية. ورغم التغييرات الكبرى في أسماء الأحياء واعتماد أسماء أخرى جديدة، إلا أن الذاكرة الجماعية تحتفظ دائما بالأسماء الأصلية، التي راجت في الفترة التي تقرر فيها إطلاق الأسماء على الشوارع والأحياء.
أحياء تحمل أسماء الأموات. هكذا يمكن تلخيص وضعية التسميات في جغرافيا المدن المغربية، في حين أن عائلات المقاومين تستنكر دائما سر تغييب رموز المقاومة، واعتماد آخرين من نفس العائلة. حسابات بين ورثة النضال؟ الأمر أكبر من ذلك.
حدث في مرات كثيرة أن تقرر إطلاق أسماء بعينها على شوارع مغربية في أكثر من مدينة، بناء على تعليمات ملكية، خصوصا في زمن الملك الراحل الحسن الثاني. التحكيم الملكي تدخل لفض النزاع والحسابات الضيقة بين ورثة ما تبقى من إرث الوطنيين. وجل هؤلاء كانوا، ليرفضوا بالمطلق أن تُسمى شوارع مغربية بأسمائهم، يرددون طيلة حياتهم أنهم بذلوا أنفسهم من أجل القضية الوطنية وباعوا ما يملكون وما لا يملكون للقيام بواجبهم تجاه بلدهم في الزمن الحرج. وإذا كانوا يرفضون صعود المنصات للتكريم واستخراج بطاقة المقاوم، فليس غريبا أن يرفضوا أن تحمل شوارع مغربية أسماءهم بعد وفاتهم.
التكريم اعتراف بما بذله السابقون لكي يعيش اللاحقون. لدينا ما يكفي من الشوارع لكي تحمل أسماء جميع من ساهموا في سبيل القضية الوطنية. ولدينا من الأزقة ما يكفي لكي نوزع عليها أسماء العواصم والزعماء العالميين.
المشكلة تبدأ عندما يسجل إقصاء فعلي لشخصيات وطنية حقيقية في سباق توزيع أسماء الشوارع. وهذا أمر لا ينكره أحد، خصوصا وأن بعض المجالس عرفت في الآونة الأخيرة صراعات من هذا النوع، عندما تقرر إطلاق الأسماء على أحياء جديدة دخلت المجال الحضري.
قديما، سُئل أحد المقاومين المتنطعين من رفاق شيخ العرب وبقية من عارضوا كل شيء بعد الاستقلال، عن شعوره وهو يرى كيف أن شهداء من مناطق المغرب لم تطلق أسماؤهم على الشوارع حتى في مساقط رؤوسهم، رغم أن فرنسا أعدمتهم شنقا، بسبب اعتناقهم المقاومة. فأجاب على الفور بأن إطلاق اسم شهيد على زنقة محفرة تعج بالحاويات، ليس إلا اغتيالا ثانيا.. وكما تعرفون، الرجل لا يُشنق مرتين!





