حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

سنوات الانفلات والفتن والترقب بدار «باحماد» بين مراكش وفاس

3

«ملامح المهدي المنبهي جامدة. رجل قاس راكم تجارب في حياته في المبكرة جعلت منه رجلا محاطا بالغموض. نظراته تعكس ذكاء متقدا قلما توفر في غيره من رجال الدولة الآخرين. لا يتحدث إلا لضرورة، ثم يطبق صامتا من جديد، دون أن يخبو البريق الخاطف في عينيه وقسماته القاسية».

يونس جنوحي

مع بداية 1880، وسن المهدي المنبهي لا يتجاوز العاشرة، كان المغرب يمر بفترة حرجة، ومنطقة مراكش تعيش على إيقاع انفلات غير مسبوق، ثارت فيه القبائل ضد بعضها البعض، وأعلنت القبائل الموالية للمخزن الحرب ضد القبائل المنفلتة. كان أعمام المهدي المنبهي بعد وفاة والده «القايد»، قد تفرقوا بدورهم، ليصبح مصيره مجهولا، خصوصا وأنه كان يعاني الفقر، ولم يعد أمامه سوى أن يترك قريته الصغيرة في «امْنابهة» ويتجه صوب مراكش، التي كانت مدينة يهيمن عليها اسم حاجب السلطان المولى الحسن الأول، «باحماد»، الذي سوف يصبح بعد 1894، الصدر الأعظم وأحد أقوى وزراء المغرب عبر التاريخ.

عندما وصل المهدي المنبهي إلى مراكش لأول مرة قادما من تجمع قرى قبيلة «امنابهة» في الحوز، مشيا على الأقدام، لم يكن سنه يتجاوز الثانية عشرة. ولحسن حظه في ذلك الوقت، رغم مرارة اليُتم والبؤس الذي كان يمر به، فإن دولة المولى الحسن الأول، كانت قد اتخذت من مدينة مراكش مقاما للسلطان، وخصها بفترات مهمة من وقته في الحُكم. حتى أن حاجب المولى الحسن الأول، «باحماد»، كان لديه قصر في مراكش، كان يمكث فيه لمزاولة مهامه بالقرب من القصر الملكي..

كان حلم «المهدي» اليافع، أن يلج قصر باحماد، ويشتغل فيه. لكن الطريق أمام عالم «المخزن»، ودار الحاجب الذي ورث المنصب عن والده، لم تكن معبدة بالضرورة. كان على المهدي اليافع أن يكابد لكي ينجح في تجاوز البوابة..

مخزني سبح عكس التيار

كان مصير كل من يدخل دار «باحماد» أن ينصهر، وتسحقه دواليب «الخِدمة»، وثقل التكاليف المخزنية. الحاجب السلطاني لم يكن لديه وقت لكي يتأمل الوجوه في داره، لكن المخزني المهدي المنبهي، كان يافعا، وكانت شخصيته في طور التشكيل. حتى أن تقرير المفوضية البريطانية في يونيو 1903، وفي الفترة التي حل فيها المنبهي في طنجة عندما انهار مساره الوظيفي، وصف شخصيته كالآتي: «ملامح المهدي المنبهي جامدة. رجل قاس راكم تجارب في حياته في المبكرة جعلت منه رجلا محاطا بالغموض. نظراته تعكس ذكاء متقدا قلما توفر في غيره من رجال الدولة الآخرين. لا يتحدث إلا لضرورة، ثم يطبق صامتا من جديد، دون أن يخبو البريق الخاطف في عينيه وقسماته القاسية».

ما رواه قدماء المخزن الذين عاصروا المهدي المنبهي لا يخرج كثيرا عن التوصيف الذي تضمنه تقرير المفوضية البريطانية في طنجة الدولية. فقد كان فعلا متقد الذكاء، مغتنما للفرص. وعلى ذكر هذه الأخيرة، فقد كان المهدي المنبهي لينتهي مجرد مخزني من «المخازنية» الذين يقفون أمام أبواب دار باحماد الشاسعة، أو أن ينتهي في أفضل الحالات واحدا من المشرفين على الخَدم. لكن المهدي المنبهي اختار أن يلفت الانتباه إليه، وتفنن في خدمة سيده وإنجاز مهام السخرة بشكل جعل الطلب عليه متكررا، إلى أن ترسخت صورته في ذهن باحماد..

ومع كم الأحداث التي عرفتها مراكش، والتي تعززت فيها سلطة السلطان المولى الحسن الأول، ظل المهدي المنبهي يحلم بالولوج إلى قصر مراكش الملكي، ورؤية السلطان شخصيا، «بدون حجاب». لكن أمنية من هذا النوع لم تكن لتتحقق بسهولة، خصوصا وأن الحاجب «باحماد» لم يكن يصطحب معه خدمه إلى القصر الملكي، بل كان يغادر داره، التي كانت تقع بالقرب من القصر، ولا يعود إليها إلا بعد أن ينتهي من مهامه في خدمة السلطان.

كان اسم «باحماد» وقتها مرعبا. سياق 1880، وصولا إلى سنة 1890، تناسلت فيه القصص عن بطش باحماد بخصومه. خصوصا وأنه في سنة 1873، كان قد عصف بأسرة الجامعي وشتت أبناءها الوزراء بل ونكّل بهم، وصفى معهم -بدون رحمة تُذكر- حسابا قديما يعود إلى أيام والده الحاجب.

لقد كان «باحماد»، مخزنيا ابن مخزني، وحلم بأن يترقى من منصب «الحاجب» إلى «الصدر الأعظم».. وكان المهدي المنبهي المخزني الشاب يحلم بدوره أن يترقى في ظل سيده.

إلى فاس..

الرحلة إلى فاس كانت فارقة في حياة المهدي المنبهي. فبعد سنوات قليلة فقط قضاها في دار باحماد في مراكش، كان يتعين عليه أن يرافق سيده رفقة الخدم والمخازنية من مراكش إلى فاس. وفيها سوف يصبح المهدي المنبهي أمام أجواء مختلفة تماما، وبعيدة عن مسقط رأسه.. لا مكان هنا لنفوذ القبائل في الحوز. وجد المهدي رجال المخزن المنتمين إلى عائلات عريقة في خدمة السلاطين.. ولم يكن لديه أي حظ يذكر في أن يضع اسمه إلى جانبهم، رغم أن والده كان «قايد».. إذ أن مخزن فاس كانوا ورثة وزارات لقرون متصلة.

واصل المهدي المنبهي مسارة بتواضع كبير. لم يكن يلفت إليه الانتباه. ومع اقتراب سنة 1894، السنة التي توفي فيها السلطان المولى الحسن الأول، كانت مهام المنبهي لا تتعدى السخرة لصالح سيده «باحماد»، الذي انتبه إلى أن الشاب ابن «المنابهة» نبيه بالفعل، ويخلص في نقل الرسائل والأوراق المخزنية وينظم دخول الراغبين في رؤية حاجب السلطان في داره لرفع الشكايات إليه، كما أن وزراء أدركوا مبكرا مكانة «باحماد» لدى المولى الحسن الأول، كانوا يتقربون من الحاجب ويزورنه في داره.. لكن المهدي المنبهي، مخزني الحاجب، لم يكن يلفت انتباه أحد من الوزراء في ذلك الوقت. إلى أن توفي المولى الحسن الأول، وتغير كل شيء في حياة المنبهي الذي أدرك أن الوقت قد حان ليجرب حظه مع السلطة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى