
يقدّم الشاعر والكاتب المصري علاء خالد في كتابه “أكتب إليك من بلد بعيد” لوحات جميلة لرحلة إلى المغرب. يستوقفه في البداية مصطلح المدينة في المغرب ويبحث عن دلالاته وأصالته: “مصطلح المدينة القديمة /المدينة الجديدة، مصطلح أصيل أ في المغرب، باختلاف الزمن والعصر والمسافة التي تفصل بين الاثنين. في مراكش، الجديدة، تطوان، فاس، طنجة، وغيرها من المدن.
هناك شيء أصيل داخل المدينة القديمة، جزء من صورة وحياة الماضي، كارت بوستاله المتحرك، رائحته، بيوته، أطعمته. الجزء المعبر والعابر لثقافة الحياة. يتحرك، كخيال الظل، من وراء ستار. لا تعرف هل هو ستار الحاضر أم ستار حمله الزمن من الماضي ليحفظه، ولكنه ستار لا مرئي لا يحجب الرؤية أو يعطل المتعة. هو الستار الذي يحفظ الماضي والمتعة من الابتذال، وفي الوقت نفسه يسمح بعبور بريقه. هذا التداخل العضوي بين الماضي والحاضر في المغرب يحتاج بالفعل لدقة في رصده حتى لا يطغى أحدهما على الآخر فيموت الجسم أو يتمنّع عن كشف سر المصالحة بين الزمنين”.
هذا التناسل لسلالات الضوء
يسترعي انتباه الكاتب البيوت داخل هذه المدن العتيقة وطبيعتها المعمارية وأشكالها الخاصة: “البيوت في مراكش وفاس جنّتها هي الداخل. لبس لها نوافذ تفتح على الخارج. جدران مصمتة متعالية تلتقي في هذا السقف المجازي، نقطة الزوال، للدرب الضيق.
البيت وحدة مغلقة على الداخل، وربما لهذا السبب يتحقق داخل البيت ما كان المفروض أن يحدث خارجه. يتحوّل إلى وحدة اجتماعية كاملة. الشارع للعبور فقط، بأقل قدر من المساحة والاتساع والصدام، أمّا نسج الجمال والعلاقات على مهل فيحدثان داخل قلب حبّة الرمان.
بعد الدخول مباشرة للرياض هناك مدخل يفضي إلى ممر صغير يفضي لباحته، على اليمين مباشرة هناك سلم يفضي للأدوار العليا ومنها للسطح. يختزن السطح كمية من الضوء تعوض درجات العتمة التي يستقبلك بها البيت. فقط من تلك الفتحة العليا داخل الرياض تدخل الشمس، ثم يُعاد توزيع الضوء بالتساوي، على اليمين غرف الرياض وأدواره الثلاثة، من هذا الصنبور الضوئي الشفاف المليء بذرات الغبار.
داخل الرياض الضوء هادئ ومطمئن، وذاتي، مجهول المصدر، كضوء ثمرة الرمان، أو كضوء الأحجار الكريمة، أصيل وليس انعكاسا لضوء آخر، بالرغم من عامود الشمس المصبوب داخل باحة الرياض.
هناك شمس حيية تعيش في فاس. تشعر بأن هناك غلافا منصوبا حول المدينة يمنع وصول تلك الدرجة القوية من ضوء الشمس، يمتص جزءا منها، ويمرر ضوءا مكسورا كأنه لون غائم. يحفظ المدينة فيه. كأنّ المدينة تعيش داخل فقاعة من الضوء المكسور. تشعر بأنّ هناك فلترا سماويا ترى الشمس من خلاله، ويمكنك أن تفتح عينيك فيها. لا أعرف هذه الشمس الحيية مرتبطة بهذا الوقت من السنة، أم هي ظاهرة ! وهذه الدرجة من الضوء المكسور هي التي جذبت الرسامين ليرسموا فاس القديمة ويصبح ضوءها إحدى أيقونات رسوم عصور الاستشراق.
داخل الرياض، الذي أقمنا فيه، كنّا نتحرك كأبطال ألف ليلة وليلة، ولكن بدون وقائعها. زمن الحكاية يتجدد دائما عبر هذا التناسل العمراني للقديم. ليس هذا فقط، أيضا عبر هذا التناسل لسلالات الضوء نفسها التي كانت إحدى البطلات المتواريات للحكاية.
هناك درجة من الضوء تفتح باب الحكايات القديمة. هذه الحكاية المعلقة في ثقافتنا قابلة دوما لأن تتناسخ وتُستدعى في أكثر من زمان ومكان ومناخ. كنت متعجبا ومندهشا ونفسي طافحة بالسرور من هذا المكان.
الغرفة التي نزلنا فيها كانت في الطابق الأرضي، كانت في الماضي تخصّ عائلة بأكملها. التاريخ والزخارف والنقوش النباتية والحروف العربية تسكن في كلّ شيء، بداية من الباب والشباك والسقف العالي، وذلك المستوى الآخر للغرفة، الذي يتم الصعود إليه بسلم خشبي، والذي ربّما كان مخصصا لنوم الأبناء، أو لساعات القراءة والتأمل لربّ الأسرة في الماضي، وصولا إلى الحمام وبلاطات الموزاييك التي تغطي الجدران والأرضية وحوض الغسيل…
كنت أستكثر على نفسي أن أقيم في مكان له هذه الدرجة من الجمال والحساسية، ينعقد لساني من الدهشة. طوال أربعة أيام لم ينفك لساني، ولم ينقطع انبهاري بهذه الأشياء البسيطة كلما دخلت الغرفة، وأعيد التأكيد مرة أخرى، بنفس اندهاش المرة الأولى.
أصالة أشكال الحياة القوية
يعبّر الكاتب بعدها عن إعجابه القوي باللباس المغربي إضافة إلى والمزج بين القديم والحديث: “يعجبني شكل الجلباب المغربي أو «الجلابة»، بالقلنسوة التي تغطي الرأس. أجده أحد المعالم الجمالية الحديثة المعبرة عن الثقافة الإسلامية. يوحي بشكل الزاهد ا أو المتصوف الذي يسير داخل قوقعته. الجلباب يمنح الجسد وسامة، يخفي فوارق الطبقات، ويتسامى عليها.
الزي الموحد العادل الذي لا يتقاطع في خطوطه الخارجية مع الفوارق الطبقية الحادة لصراعات المدينة. حتى الشحاذ الذي يلبس هذه «الجلابة» تضع يده الممدودة بالسؤال في مستوى محترم من التقدير كأنّها يد وليٍّ أعَوزهُ الفقر فجأة.
كل الأفكار والصور السابقة على زيارة المغرب تلاشت أمام أصالة أشكال الحياة القوية، وتفاصيلها التي تفوق وتتعدى طاقة الاندهاش المختزنة بداخلنا، والتي تمرح بالقلب وتشده كقوس على أقصى اتساع. أي صورة سابقة أو فكرة سابقة تتكسر بسهولة أمام تجاور الأزمنة، وأمام تفاصيل الصورة المركبة من فسيفساء يختلط فيها القديم مع الحديث.





