
في خطوة جديدة لتنظيم الفضاء الرقمي، أعلنت الصين عن إجراءات صارمة تهدف إلى ضبط المحتوى المتخصص الذي يُقدمه المؤثرون على المنصات الاجتماعية، خاصة حين يتعلق الأمر بمواضيع مهنية حساسة مثل الطب، القانون، المالية، والتعليم، حيث لن يُسمح بصرامة لأي مؤثر بمناقشة هذه المواضيع، إلا بعد تقديم إثبات رسمي لمؤهلاته العلمية أو المهنية، تحت طائلة العقوبة القانونية.
لقد حان الوقت لنقر بدورنا بتحول جل المؤثرين الرقميين عندنا من مجرد صانعي محتوى ترفيهي، أو نشر التفاهة، إلى مؤثرين في جزء من الرأي العام، حسب فئة المتتبعين ومستوى تعليمهم، والتمكن من التأثير عمليا في قرارات واختيارات شخصية للملايين، وهو الشيء الذي يتطلب منا وقفة تأمل حقيقية، لوقف طوفان التفاهة والحديث والتنظير وتقديم نصائح خطيرة في مواضيع حساسة لها ارتباط بالصحة والأمن والتعليم، وذلك دون أدنى تكوين أو معرفة بالمجالات التي يتم الحديث فيها.
وفي مجتمع مغربي يعاني من انتشار الأمية، شهدت السنوات الأخيرة تناميا ملحوظا لما يُعرف بـ«المؤثرين» على المنصات الاجتماعية، رافقته فوضى عارمة في النشر وانتحال الصفة والخلط المتعمد للتدوين بالعمل الصحفي المهني، وخرق كافة الضوابط الأخلاقية والقانونية، وادعاء المعرفة في مجالات حساسة، دون أي تكوين علمي أو شهادة.
إننا نعاني من شظايا فوضى الحروب الرقمية، حيث تقديم نصائح طبية خطيرة دون مؤهلات، والتحليل السياسي والديني دون أدنى علم ولا دراية بما يدور في العالم، ما يؤدي إلى تضليل الرأي العام، وممارسة التهييج بنشر معلومات مغلوطة، ودغدغة العواطف ورمي أعواد الثقاب بشكل مستمر ببرميل بارود السلم الاجتماعي، وما سبق كله لتحصيل عائدات نقرات الإعجاب والتعليق وتوسل المتابعة.
ولا يخفى على أحد قدرة المنصات الاجتماعية على التجييش والتأثير في برمجة المتابعين، خاصة الشباب والأطفال، وذلك في غياب الوعي النقدي الكافي، وسعي المؤثرين إلى استغلال فوضى النشر، من أجل خدمة أجندات تجارية أو دعائية أو حتى خارجية، هدفها تشويه التربية، وتقديم النجاح على شكل نماذج منحطة لا علاقة لها بالقيم المجتمعية ولا الثقافة المغربية.
وما زاد الطين بلة، هو خلط التفاهة والفوضى الرقمية وجرائم التشهير وخلاعة روتيني اليومي بحرية التعبير، ما أزاح النقاش عن سكته الحقيقية وتسبب في تعثر صدور قوانين صارمة لمراقبة فوضى النشر، وضعف تفعيل القوانين القائمة حول شكايات التشهير والابتزاز وانتحال الصفة في الطب والتعليم والصحافة والفتوى وتخصصات أخرى، حتى أصبحت جهات تتخذ الملف كتجارة مربحة، وتدفع إلى التطبيع مع جرائم خطيرة على الأمن وتماسك المجتمع على المديين القريب والمتوسط.
يجب علينا تقدير تبعات التطبيع مع الانحطاط الرقمي الذي نعيشه، والتساهل والتغاضي عن انتشار الابتزاز الإلكتروني والتشهير والفتوى دون علم، واستغلال انتحال الصفة في وضح النهار كـ«محتوى مربح»، وتحول القيم النبيلة التي توارثها المغاربة أبا عن جد ويفتخرون بها إلى مجرد سلعة، وتغليب الربح المالي السريع على المبادئ والأخلاق التي تعتبر رأس المال الحقيقي للشعوب.
إن فوضى المؤثرين ليست فقط قضية قانون، بل قضية وعي جماعي وتهم تماسك الأسرة والمجتمع، وتقدير المسؤولية وخطر نشر المعلومة دون تأكد وتضليل الرأي العام، وحماية هيبة المؤسسات وحماية أمن وسلامة وصحة المواطنين، ورعاية وتربية شباب المستقبل، لذلك نحن اليوم أمام اختبار حقيقي يتعلق بخلق توازن بين حرية التعبير والمسؤولية، وبين الربح والمبدأ، حتى لا تتحول المنصات الاجتماعية إلى أدوات لهدم القيم، وسلاح فتاك يتم استعماله لتخريبنا من الداخل.





