القصة المنسية لأول مبادرة لنقل الأموات بالمغرب
أطلقها الفرنسيون ونسخها عبد السلام بناني ليستفيد منها سكان الدار البيضاء

يونس جنوحي
«تعليقات كثيرة رافقت إجراء إزالة شعار سيارات نقل الأموات، التي تجوب شوارع المغرب وأحياءه وطرقه.
لا يتصور أحد أجواء جنازة مغربية دون سيارة نقل الأموات المسلمين، بشعارها المعروف وعبارة التوحيد بالخط الأخضر، بما يرمز إليه من حمولة دينية..
لكن، هل تساءلتم كيف كان المغاربة ينقلون موتاهم مع طفرة تحديث الحياة العامة، وإحداث مستودعات الأموات، واعتماد إجراءات استخراج شهادة الوفاة.. قبل انتشار سيارات نقل الأموات؟
قصة سيارة نقل الأموات في المغرب، تستحق فعلا أن تُروى..».
+++++++++++++++++++++++++++++++
كيف جاءت فكرة تخصيص سيارة لنقل الموتى في المغرب؟
المغاربة الذين كانوا وراء إطلاق أولى الجمعيات المشرفة على مبادرات العمل الخيري والجمعوي، كانوا وراء إطلاق أول سيارة مخصصة لنقل أموات المسلمين ما بين سنتي 1946 و1948. وهذا الأمر بشهادة المقاوم عبد السلام بناني، أحد الذين صدرت في حقهم أحكام الإعدام وسنوات السجن والأعمال الشاقة في أكثر من ملف ما بين 1935 و1955.. فهذا الرجل الذي كان يحظى بشعبية كبيرة في الدار البيضاء والرباط، بحكم انتمائه إلى أسرة عريقة وأرستقراطية، كان سباقا إلى إطلاق مبادرات لتحديث الحياة العامة في الدار البيضاء على وجه الخصوص.
وقد ذكر بنفسه في أوراقه الشخصية، التي أصدرتها عائلته بعد وفاته، والتي عنونها بـ«مذكرات الأب الهادئ»، كيف أنه ساهم في إطلاق مبادرة إنشاء أول مخيم لصالح أبناء الدار البيضاء، نسخا لفكرة المخيمات التي أطلقها المعمرون الفرنسيون لفائدة أبنائهم.
وبعد ذلك، ساهم بناني في تأسيس فرق لكرة القدم منها فرق وصلت إلى الصف الأول، ولعب في صفوفها شباب اشتهروا في ما بعد في خلايا المقاومة.
هذه الأنشطة تسببت في سجن عبد السلام بناني في أكثر من مناسبة، وحوكم بتهم ثقيلة، منها الإخلال بالأمن العام، وترويج السلاح، وإنشاء تنظيم سري.
عبد السلام بناني كان وراء مبادرة تخصيص أول سيارة لنقل موتى المسلمين في الدار البيضاء، بعد أن لاحظ أن هناك شركات فرنسية اغتنت من وراء تنظيم الجنائز للموتى الفرنسيين في المدينة. مبادرة بناني كانت مجانية، ولم يكن الهدف منها جمع الأموال، أو تحصيل أرباح من وراء مبادرة نقل موتى المسلمين في الدار البيضاء، بقدر ما كان الهدف منها بالأساس تحديث الحياة العامة، وتسهيل تنظيم جنائز الموتى المسلمين، خصوصا وأن الدار البيضاء مع نهاية الأربعينيات، قد بدأت في التوسع، وصارت عملية نقل الجثامين من الأحياء صوب المقابر الأولى في المدينة مهمة لا تخلو من مشقة.
انتشار سيارات نقل الأموات الفرنسيين، ساهم بطبيعة الحال في التعجيل بإطلاق مبادرة نقل الموتى المسلمين. ولتمييز سيارة نقل الموتى المسلمين الأولى التي تم اعتمادها، تقرر أن تحمل شعار المسلمين، لتمييزها عن السيارات الفرنسية الخاصة بنقل الأموات من الكنائس صوب مقابر النصارى.
عبد الرحمن اليوسفي الذي قضى فترة من شبابه المبكر في «الكاريان سنطرال» بالدار البيضاء، في إطار المهمة الحزبية الموكلة إليه عندما كان في صفوف حزب الاستقلال، نهاية الأربعينيات دائما، كان شاهدا أيضا على إطلاق مبادرة نقل الموتى المسلمين في الحي المحمدي، صوب المقبرة. الأكيد أن تلك المبادرة لم تكن الأولى على صعيد المدينة، إلا أنها الأولى داخل «الكاريان سنطرال».. وكان صاحبها أحد الوطنيين الذين يشتغلون في صمت.. فقد كان يشتغل في إصلاح الهياكل الحديدية، وفكر في إدخال تعديلات على سيارة من الطراز القديم، وجعلها خاصة بنقل الموتى المسلمين، وكانت تلك شرارة لإطلاق مبادرات أخرى.
19 مارس 1907.. يوم شهد المغرب أول جنازة «عصرية»
بالنسبة إلى الفرنسيين، فإن مقتل الطبيب الفرنسي «الطبيب إيميل موشون»، أو «موشّان» كما لقبه المراكشيون، كانت أول جنازة في المغرب تحظى باهتمام الحكومة الفرنسية. الطبيب تعرض للطعن، وقتل على يد الرافضين للوجود الفرنسي في مدينة مراكش. وقررت فرنسا، خمس سنوات قبل فرض معاهدة الحماية سنة 1912، أن تُكرم الطبيب القتيل، وتخصص له جنازة مهيبة، لنقل جثمانه صوب فرنسا، بل وخصصت نصبا تذكاريا لتخليد ذكراه، وانتقمت عسكريا لمقتله على يد المغاربة المنحدرين من قبائل مراكش الرافضة للوجود الفرنسي في المنطقة.
هناك كتاب أعده الباحث والمؤرخ الأمريكي جوناثان كاتز، بعنوان «Murder in Morocco»، جاء فيه:
«خلال ذلك اليوم، أدلت عائشة، خادمة الطبيب، بشهادتها عن الأحداث التي وقعت خارج منزل الطبيب موشون. كانت مشغولة ذلك الصباح بأعمال المطبخ، عندما غادر الطبيب الفرنسي إلى عيادته. الخادم الآخر، الصبي الذي أطلقوا عليه اسم محمد الصغير، انطلق بعد مغادرة الطبيب بقليل، وترك الخادمة وحيدة في المنزل. وما كاد الصبي يغادر، حتى سمعت عائشة صراخا مصدره الشارع.
وبدافع الفضول، حاولت فتح الباب، لكنها سرعان ما صفقته بسرعة عندما لمحت أعقاب البنادق موجهة إليها. ولجأت إلى سطح المنزل، لكن الحشد رصدها، وبدؤوا في رشقها بالحجارة، مما تسبب في تحطيم النوافذ. ومن السطح، حاول أحد الجيران تهدئتها، وقال: – ما وقع ليس شيئا ذا بال. لم يحدث شيء سيئ.
واختبأت الخادمة في السطح، وهي تستمع إلى الصياح بعبارات مسيئة للنصارى».
الصحافة الفرنسية قالت إن «موشون» قُتل بيد الذين كان يعالجهم، لكن هذه المعلومة كانت غير دقيقة، إذ إن الغاضبين من سلوك «موشون» لم يكن مصدر غضبهم الوحيد هو رفعه للعلم الفرنسي فوق عيادته، بل كان الأمر يتعلق بأخبار انتشرت في مراكش مفادها أن هذا الطبيب لم يحترم خصوصية المدينة، وحاول فرض وجوده بالقوة، ودخل في نزاع مع بعض سكان العرصة الذين لم يكونوا يستسيغون تردد ضيوف فرنسيين على منزل الطبيب ليلا.
هذه الجنازة، والتي تعتبر بكل تأكيد أول جنازة فرنسية في تاريخ المغرب الحديث، استرعت اهتمام الباحث الأمريكي د. كاتز.
وأعد بشأنها بحثا جامعيا صدر لأول مرة في جامعة إنديانا الأمريكية سنة 2006، وهو أول محاولة حقيقية لإماطة اللثام عما وقع فعلا لهذا الطبيب الفرنسي، يوم العاشر من أبريل سنة 1907. ويفرد البحث الوقائع قبل وقوع الجريمة، وصولا إلى «يوميات» الرحلة التي نُقل فيها نعش الطبيب من مراكش صوب الجديدة، على ظهر الخيل، باستعمال عربة خاصة، وضعها المعمرون الفرنسيون الأوائل في مراكش، رهن إشارة الرسميين الذين جاؤوا من فرنسا لاصطحاب النعش إلى مسقط رأس الطبيب. حيث انتقلوا به من مراكش إلى ميناء الجديدة، ومنها إلى مدينة طنجة بحرا، حيث نُظم استقبال مهيب للنعش، ليواصل رحلته البحرية صوب فرنسا، آخر مُستقر لهذا الطبيب «د. إيميل موشون»، الذي جاء إلى المغرب مع بداية القرن العشرين لدراسة الأوبئة في قرى الأطلس، قبل أن يصبح موضوع أول جنازة عصرية يشهدها المغرب.
هكذا وُلدت الشركات المتخصصة في الجنائز
قبل أن يبادر المغاربة إلى استعمال سيارات نقل الموتى، كانت أولى الجنائز العصرية التي شهد عليها الشارع المغربي، قد أوحت إلى رجال الحركة الوطنية بفكرة تخصيص سيارات لنقل أموات المسلمين، في النصف الأخير من أربعينيات القرن الماضي.
الدار البيضاء على سبيل المثال، ما بين سنتي 1953 و1955 عرفت جنائز مهيبة، لمعمرين فرنسيين، ومواطنين مغاربة.. وكانت تلك الجنائز استعراضا جماهيريا. عندما يتعلق الأمر بجنائز الفرنسيين فإن السلطات الفرنسية تحمي موكب الجنائز، انطلاقا من مستودع الأموات، وصولا إلى الكنائس، ومنها إلى المقابر المسيحية. ورغم فرضية تحول الجنازة إلى فرصة للمقاومين لإعادة هجوم ضد المعمرين، إلا أن الجنائز الفرنسية كانت تحظى بتفاعل جماهيري كبير، ويحضرها فرنسيون من كل الفئات..
كما أن المغاربة كانوا يتعاملون مع الموت بنوع من التوقير.. على الأقل في السجلات الفرنسية الرسمية، لم يسجل نهائيا أي هجوم فدائي، أو عملية من عمليات المقاومة استهدفت جنازة معمر فرنسي. وهذا ما يؤكد احترام قدسية الموت، رغم اندلاع الشارع المغربي في ذلك الوقت.
لنأخذ على سبيل المثال، واحدة من أشنع الجنائز التي عرفتها الدار البيضاء. والوقائع هنا، حسب ما سُجل في أرشيف محاضر الشرطة الفرنسية.
تعود الواقعة إلى منتصف أكتوبر 1953، حيث نصب مجموعة من المسلحين، أعلنوا انضمامهم إلى جيش التحرير المغربي، كمينا لفيلق عسكري خارج الثكنة العسكرية، في الطريق نحو منطقة أكنول في الشمال بقيادة المسؤول العسكري العقيد «يوربي». وكان هذا الأخير مشهورا في أوساط سكان المنطقة بصلابته وسياسته العسكرية العنيفة مع السكان المجاورين للثكنة العسكرية. حتى أن بعض الحكايات التي نُسجت عنه، تقول إنه كان يعامل المغاربة بصرامة، ويصر على ضرورة الانضباط حتى في الأسواق الأسبوعية ويشرف على الأمر بنفسه، ويتصل بالحاكم العسكري للمنطقة، للتأكيد على عدم التساهل في تطبيق التعليمات.
بالعودة إلى الحادث، كانت إفادات الشهود التي سُجلت في التقارير الأمنية، تؤكد أن المواجهة العنيفة استمرت لساعات. وبدأت عندما توقف الفريق العسكري المكون من الجنود وبعض السيارات العسكرية التي تقل بعض العسكريين، بالإضافة إلى شاحنة تحمل بعض المعدات العسكرية.
انتبه الجنود الفرنسيون إلى صوت إطلاق نار قادم من وراء مرتفع يطل على مكان الاستراحة، فتم إعلان التأهب فورا، لكن بعض إصابة جنديين وسقوطهما أرضا في الحال.
كان الأمر أشبه بالمفاجأة. وصوت الطلقات النارية يشي بأن المقاتلين المغاربة كانوا يتوفرون على أسلحة بدائية، مقارنة مع الترسانة العسكرية ونوع السلاح الذي يتوفر عليه المجندون في الجيش الفرنسي.
استمر تبادل إطلاق النار لساعات، كان خلالها المقاتلون المغاربة يحتمون بالمرتفع، ولم ينته إطلاق النار إلا بعدما نفذت ذخيرة الرصاص لدى الأغلبية، بينما تكبد الفرنسيون خسائر كبيرة، رغم أنهم نجحوا في توجيه ضربات إلى المقاتلين، وإصابة بعضهم بجروح.
انسحب الفرنسيون، ولم يحاولوا كما جرت العادة تمشيط المكان بحثا عن الفاعلين أو تعقبهم، بل تم سحب الجرحى لتلقي الإسعافات، ونقل جثث القتلى لكي يتم تدبر أمرها إداريا.
كانت تلك العملية واحدة من أكثر العمليات التي سقط فيها ضحايا من المعمرين، وأكدت أن الرابح من ورائها لم يكن سوى شركة في الدار البيضاء، يملكها فرنسي اسمه «جون لو بوا»، تكلف بنقل الجثامين، حسب ما نشرته الصحف الناطقة بالفرنسية في الدار البيضاء.. حتى أن بعض تلك الصحف لم تكن تتردد في نشر إعلانات شركات الجنائز التي تنشط في المدينة، وكانت أشهرها ثلاث شركات مملوكة لفرنسيين يقيمون في الدار البيضاء، ويتكلفون بتقديم خدمات الجنائز لصالح الأسر الفرنسية، بمبالغ «معقولة»، حسب تلك الإعلانات دائما.
جنائز الشهداء.. فرصة الحركة الوطنية للاستعراض باستعمال سيارة لنقل الأموات
رغم تضارب الروايات بخصوص التاريخ الدقيق لاعتماد سيارات نقل الموتى رسميا في المغرب، إلا أن المؤشرات تؤكد أن بداية استعمال سيارات في نقل أموات المسلمين -الشهداء على وجه الخصوص- كانت قرابة سنة 1948.
هنا، نعرض رواية شفهية لأحد قدماء المنخرطين في حزب الشورى والاستقلال، يتناول فيها أجواء الجنائز في منتصف الخمسينيات، وقد صار وقتها استعمال سيارات نقل الموتى في الجنائز المهيبة ذات البُعد السياسي، متداولا.
الجنائز كان ينظمها قادة الحركة الوطنية، تكريما لأرواح الشهداء المغاربة الذين سقطوا برصاص الشرطة الفرنسية، على إثر المظاهرات. ويتعلق الأمر بالقيادي محمد الشرقاوي، صهر الملك الراحل الحسن الثاني، والذي كان في الصفوف الأولى للحركة الوطنية في الدار البيضاء خلال فترة الحماية، وحصل على ثقة الملك الراحل محمد الخامس، وتقلد منصب وزير الخارجية في بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني.
كان محمد الشرقاوي يحظى بشعبية كبيرة في الدار البيضاء، وساهم في التكريس لحشد الجماهير خلال نقل جثامين الشهداء إلى مقبرة العنق في الدار البيضاء، إلى درجة أن جماعة اليد الحمراء الفرنسية وضعته في لائحة الأسماء المغربية، التي وجب اغتيالها، ونجا بأعجوبة من محاولات لاغتياله، بهدف إنهاء أنشطته.
هذه الجنائز التي كان يقودها محمد الشرقاوي، في قلب الدار البيضاء، كانت تُستعمل فيها سيارات نقل الموتى..
والشهادة هنا، للشوري حمزة الأمين، الذي سبق أن نشرت «الأخبار» سلسلة حوار مطول معه، حول مساره في المقاومة ومجلس مدينة الدار البيضاء في نسخه الأولى بعد الاستقلال.
يقول متحدثا عن أبرز الجنائز التي شارك بنفسه في مراسيم تشييعها، مؤكدا استعمال سيارة لنقل الموتى في التشييع:
«يتعلق الأمر بعمر السلاوي، وقد اغتالته جماعة اليد الحمراء، يوم 30 غشت 1954. وكان محاميا، لكنه لم يكن ينتمي إلى أي حزب سياسي. وبالمناسبة فهو أخ الوزير المعروف إدريس السلاوي.
وبعده اغتيل عبد الكريم الديوري، وكان استقلاليا، واغتيل يوم 30 دجنبر 1954.
ثم الطاهر السبتي الذي وقع اغتياله بالضبط، يوم 2 يناير 1955. وهذا الوطني كان لا مُنتميا، ولكن سي محمد الشرقاوي أشرف على تشييع جنازته، وكانت مهيبة جدا.
تشييع هؤلاء الثلاثة كان تاريخيا، وأريد أن أشير أولا إلى أنه لم يكن من السهل نهائيا إقامة جنائز لهؤلاء الشهداء في ظل تلك الأجواء القمعية، خصوصا وأن المُشيعين قتلوا على يد جماعة اليد الحمراء الإرهابية.
كنا وقتها في بداية مسارنا السياسي وكنا كشباب في بداية العشرينيات من العمر، معجبين جدا بشخصية سي محمد الشرقاوي. إذ كان يخطط بنفسه لمسار الجنازة التي تحولت في كل مرة إلى مظاهرة كبيرة حضرها الآلاف في الدار البيضاء، رغم الخطر.
ولا أنسى أبدا مشهد سي محمد الشرقاوي وهو يتقدم الجنازة بنفسه ويصيح بالشعارات، ويتبعه الجميع. حتى مسار الجنازة كان مدروسا بعناية، حيث كان الفرنسيون في الدار البيضاء يقفون مندهشين.
كان سي محمد الشرقاوي يتقدم الجنازة ويمر بها من شارع محمد الخامس، حيث يُغلق الشارع بآلاف المشيعين، ويصل أمام «مقهى فرنسا»، في قلب مركز الدار البيضاء.
ثم يتجه إلى مكان مقهى «إكسلسيور» ويقف في تلك الساحة وخلفه الحشود، ويأمر سيارة نقل الموتى بالتوقف، ويرفع بنفسه شعارات من قبيل «يسقط الاستعمار». وكان هذا كله يتم في جو جنائزي مهيب جدا تقشعر له الأبدان. ثم ينعطف على شارعي «بوردو» و«باريس» في اتجاه مقبرة العنق، حيث توجد مقبرة «أهل فاس» المعروفة، ويتم دفن الشهداء هناك».
عبد السلام بناني.. صاحب سر أول سيارة لنقل موتى المسلمين بالمغرب
بحسب أسرة المقاوم عبد السلام بناني، إحدى أهم الشخصيات التي أسهمت في إطلاق العمليات الفدائية والأنشطة الوطنية في الدار البيضاء، منتصف الأربعينيات، فإن هذا المقاوم أسهم بشكل كبير في إطلاق أول مبادرة لتخصيص سيارة لنقل جثامين موتى المسلمين.
كان عبد السلام بناني، الذي كان أشهر سجين سياسي مغربي في السجن المركزي بالقنيطرة من سنة 1935 إلى حدود 1954، وراء مبادرات كثيرة في الدار البيضاء.. فقد كان مهندسا لعمليات توزيع المساعدات على أسر السجناء، وتخصيص دعم للأرامل، كما أنه كان يحظى بتقدير لدى الشخصيات الفرنسية المرموقة باعتباره أحد أوائل المغاربة «العصريين»..
لكن وراء البذلة الأنيقة، والنظارات الطبية، كان يختبئ رجل بأفكار رافضة للوجود الفرنسي في المغرب.
لم يكن شائعا في مغرب الأربعينيات، أن تخصص سيارات لنقل الموتى إلى المقابر، حتى داخل كل من الدار البيضاء والرباط، اللتين كانتا وقتها تعتبران قطبي التمدن المغربي وامتداد الحياة العصرية.
الفرنسيون عندما أنشؤوا مقابرهم لإيواء جثامين مواطنيهم المتوفين بالمغرب، استعملوا سيارات اتخذت خصيصا لذلك الغرض، وهو ما لم يكن متوفرا للمغاربة وقتها.
التدقيق في أول سيارة خصصت بالمغرب لنقل أموات المسلمين، اقتضى إجراء بحث أفضى إلى أن لها ارتباطا مباشرا بأفراد خلية للمقاومة بالدار البيضاء تحديدا. وجاء الأمر متلازما مع خطوات كثيرة، أهمها إنشاء أول مدرسة عصرية لتدريس أبناء المغاربة، والتي أكد الكثيرون أن الحركة الوطنية كان خلف إنشائها. لكن بعض الاتصالات أكدت أن الجمعية التي تحرك داخلها عبد السلام بناني، كانت وراء تخصيص أول سيارة لنقل أموات المسلمين.
أيضا، كانت الجهات نفسها خلف مبادرة إنشاء أول مخيم صيفي بمعاييره المتعارف عليها، وكان ذلك سنة 1949 تحديدا.
بالعودة إلى مسألة اعتماد سيارة نقل المسلمين وظروف إنشائها، فإن بعض الروايات المرتبطة بالموضوع، تقول إن سكان الدار البيضاء كانوا يعانون كثيرا أثناء عملية نقل الموتى إلى المقابر التي كانت بعيدة جدا عن المناطق السكنية، في نهاية أربعينيات القرن الماضي دائما.
هذه الرواية التي تؤكد أن عبد السلام بناني، كان وراء إطلاق أول سيارة لنقل الموتى في الدار البيضاء – والأولى في المغرب- لم يتم الطعن فيها من طرف قدماء المقاومة، عندما تناولها معارف عبد السلام بناني، بعد وفاته. ليس غريبا أن يتم تحديد عبد السلام بناني بصفته مشاركا في إطلاق مبادرة سيارة لنقل الموتى المسلمين في الدار البيضاء، فقد كان الرجل وراء إطلاق أول مخيم صيفي، في نهاية الأربعينيات، وكان أيضا وراء إطلاق فرق لكرة القدم، وساهم في عهد الملك الراحل محمد الخامس في تدبير الشأن الرياضي الوطني، قبل أن يغادر الحياة العامة، في قمة شعبيته الكبرى وسط سكان الدار البيضاء.
عبد الرحمن اليوسفي يستعيد ذكرياته مع أول سيارة لنقل الأموات
رواية عبد الرحمن اليوسفي في مذكراته «أحاديث في ما جرى»، أو سيرته الذاتية كما حكاها لعباس بودرقة، لا تتعارض نهائيا مع ترجيح كون المقاوم عبد السلام بناني أول من أطلق مبادرة تخصيص سيارة لنقل أموات المسلمين في المغرب، وفي الدار البيضاء تحديدا.
عبد الرحمن اليوسفي جاء إلى الدار البيضاء، قادما من مسقط رأسه طنجة، ومن مراكش التي أكمل فيها تعليمه، قبل أن يعود ليحصل على شهادة البكالوريا ويغادر إلى فرنسا لدراسة القانون والتوجه نحو المحاماة.
لكن عندما عاد اليوسفي إلى المغرب، استقر في الدار البيضاء، نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، ونسج علاقات وطيدة مع سكان الحي المحمدي، خصوصا سكان «الكاريان سنطرال»، وشارك في تأطير الوطنيين وأعضاء المقاومة سياسيا، باسم حزب الاستقلال في ذلك الوقت.
في مذكراته، أشار اليوسفي إلى ما يمكن اعتباره توثيقا لكواليس إطلاق سيارة نقل الأموات في الحي المحمدي، رغم أنه لم يقدم تفاصيل وافية، ولم يقدم في شهادته أسماء أشخاص كانوا وراء المبادرة، ولا حتى تاريخها بدقة.
وهذه هي شهادة اليوسفي كاملة، كما سجلها في مذكراته، وكانت مركزة للغاية ومختصرة أيضا، في فقرة قصيرة عنوانها: سيارات نقل الأموات المسلمين:
«..وفي الحي المحمدي، جاءت فكرة نقل موتى المسلمين في سيارة بيضاء ومكتوب عليها عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، (وهو الأمر الذي لا يزال قائما إلى اليوم وتعمم في كل المغرب)، بحيث كنت أشاهد نقل الموتى المسيحيين في سيارة سوداء، بينما يتم نقل موتانا على الأكتاف، وفي ظروف غالبا ما كان يتعثر معها حاملو النعش، نظرا لسوء حالة الطرق والأزقة، وفي أحسن الحالات، على عربة يجرها حمار. فقد تكلف أحد المناضلين، كانت لديه ورشة لإصلاح السيارات بإخراج أول سيارة لنقل الموتى، بالحي المحمدي».
لكي يفهم سياق هذه المبادرة، لا بد من الإشارة إلى أن عبد الرحمن اليوسفي، في النصف الأخير من الأربعينيات من القرن الماضي، شارك في عدد من الأنشطة التي تؤكد انخراطه في المبادرات -أغلبها كانت مبادرات غير مسبوقة في ذلك الوقت-، والهدف منها كان تخليق الحياة العامة، والانخراط في العمل الجمعوي.. وهكذا فإن مبادرة تخصيص سيارة لنقل الموتى من «الكاريان سنطرال» صوب المقبرة، جاءت في هذا السياق الإنساني الذي يدخل في صلب عمل الحركة الوطنية، خصوصا حزب الاستقلال الذي كان يحظى بشعبية كبيرة داخل «الكاريان سنطرال»..
يقول:
«كما قمنا بإنشاء العديد من الجمعيات والمنظمات لتأطير الشباب في مجالات متعددة، كالمسرح والكشفية والرياضة، ولا يزال لحد الآن موجودا فريق الاتحاد البيضاوي لكرة القدم بالحي المحمدي (الطاس)، لا يزال يزاول نشاطه، وكان لي شرف المساهمة في تأسيس هذا الفريق، إلى جانب بعض الفعاليات كالمرحوم عبد السلام بناني، حيث أنشأنا معا العصبة المغربية لكرة القدم، وقد انْتُخِبْتُ كأول كاتب عام لهذه العصبة، وقمنا بتنظيم أول دوري لكأس العرش في كرة القدم بتاريخ 18 نونبر 1946، وكانت تشارك فيه العديد من الفرق البيضاوية». الملاحظ أن مبادرات تأسيس فرق كرة القدم، قاسم مشترك بين المحطتين، اللتين تم فيهما اعتماد نقل موتى المسلمين في الدار البيضاء على متن سيارة خاصة بهذا الغرض، وهو ما يؤكد أن كل المبادرات الاجتماعية في ذلك الوقت كانت تخدم الصالح العام، وأهداف الحركة الوطنية بالتحديد.





