حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

“الكاريان” الكبير..

يونس جنوحي

مقالات ذات صلة

قبل مئة سنة من اليوم بالضبط، كانت مدينة الدار البيضاء تعيش إيقاعا مرتفعا لكي تصير إلى ما كانت عليه من أيام يتحسر عليها الأجانب قبل المغاربة.

في سنة 1926 كان قلب الدار البيضاء النابض، ميناؤها.. بينما الحياة الفعلية التي تسير وفق الإيقاع الأوروبي، يعيشها “أهلها” في حي “بيلفيدير” ومركز المدينة، حيث بُنيت الفنادق الفخمة والعمارات السكنية التي لا يزال معظمها قائما إلى اليوم. المعمار وحده كان نموذجا فرنسيا صارخا، إلى درجة أن خريجي مدارس المهندسين في فرنسا، كانوا يأتون قبل التخرج للاطلاع على تجربة التعمير في قلب الدار البيضاء.. وهناك اليوم في رفوف الأرشيف مئات الدراسات العلمية في الهندسة المعمارية، كلها تهتم بمعمار الدار البيضاء، وتدرس خصائصه وما جعل المهندسين المنخرطين في مشروع الإعمار منذ نهاية 1907 – العام الذي هدّت فيه فرنسا الدار البيضاء كاملة فوق رؤوس سكانها- ينجحون في وضع أساس معماري فريد لمدينة أرادوا لها في ذلك التاريخ أن تكون امتدادا للمدينة الفرنسية في بوابة إفريقيا.

في أربعينيات القرن الماضي بدأت مشاكل الدار البيضاء تظهر. الأعراض الجانبية لسياسة فرنسا خارج المدينة، أثّرت على واقعها خصوصا بعد التوزيع المعماري الذي اقتضى أن يكون حي عين السبع منطقة صناعية. وأصبح اللاجئون يحجون إلى هامش الدار البيضاء ويقطنون في دور الصفيح إلى أن تأسس “الكاريان”، أول تجمع سكاني لفقراء المغاربة الذين جاؤوا خصيصا للعمل في المصانع مثل “معمل السكر” ومعامل تصبير السمك.

كان صبر هؤلاء الناس قياسيا.. أغلبهم لم يتصوروا نهائيا في حياتهم أن يصيروا مياومين، ينتظرون أجرة في آخر النهار أو في آخر الشهر.. لا فرق. لقد كانوا أصحاب أراض يجمعون الغلة مرة في السنة. وعندما سلبهم المعمرون الفرنسيون أراضيهم، أصبحوا مجبرين على التوجه صوب المدينة الكبيرة للبحث عن حياة أخرى، حاملين معهم همّ قضية الأرض.

تعب الوقوف يوميا في طوابير المعامل، جعل أغلبهم ينسون ضرورة التوجه صوب مكتب محام لكي يتولى الدفاع عنهم أمام محاكم فرنسا في المغرب حتى يستعيدوا أراضيهم.

هؤلاء المهاجرون شكلوا نواة الإقلاع الديموغرافي المغربي.. توسع الكاريان بشكل غير متوقع، وهاجر من تحسن وضعهم المالي والاجتماعي إلى أطراف المدينة، وبدأت تظهر أحياء مغربية، أسست للعشوائية المغربية مقارنة مع دقة المعمار وصرامة قوانين التعمير في المركز.

عندما جاء موعد مغادرة الفرنسيين سنة 1956، تركوا خلفهم مدينة بأطراف هشة، ومركز قوي ومنظم.. ترك المعمرون خلفهم عمارات منظمة، وشققا تصلح فعليا للسكن وتتوفر فيها معايير التهوية والجمالية.

أول ما قمنا به بعد الاستقلال، استغلال شرفات الشقق السكنية وحولناها من فضاء مخصص للاسترخاء أمام أشعة الشمس إلى نافذة إضافية يجب أن تحاط بالسياج وعلقنا على جدرانها المخزون السنوي من الثوم وفائض الأحذية.

في أقل من عشرين سنة، توسعت الأحياء الهامشية، وتدهور مخطط المعمار في الأحياء المغربية، وتسلم “أصحابنا” مشعل الإشراف على هندسة المدينة. عمارات تقف على عجل وكأنها بُنيت بالإكراه، نوافذها ضيقة كما لو أن هناك عدادا لحجم الهواء والضوء الذي يدخل للمنزل، وفاتورة في آخر الشهر..

انقرض سكان الكاريان وتوزعت مئات آلاف العائلات على الخريطة لكي يستقر أغلبها في الأطراف المترامية للمدينة التي سُميت لاحقا المدينة “الغول”.. بينما الغول الحقيقي هم أولئك الذين وقعوا على قرارات غير مدروسة جعلت “كازا” تصبح ما “آلت” إليه.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى