حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

الكتابة على طريقة إليف شَفَق

 

سارة حامد حواس

اختيار وترجمة- د. سارة حامد حواس

 

‏‎بصفتي كاتبة، لا يقتصر اهتمامي على القصص وفن السرد فقط، بل أنجذب أيضًا إلى الصَّمت، وإلى الأصوات المُسْكَتَة.

هناك جزء مني يرغب في فهم أين تكمُن مواطن الصَّمت في مجتمعي ومن هم المُسْكَتُون.

هناك مقبرة، في إسطنبول، كنت أزورها، تُعرف باسم «مقبرة من لا رفيقَ لهم». نمَت هذه المقبرة بشكلٍ سريعٍ على مر السَّنوات وأصبحت ضخمة. هذه المقبرة هي المكان الذي يُدفن فيه أولئك الذين تم «تغريبُهُم» وإقصاؤهم من قِبَل المجتمع من دون إقامة جنازةٍ لائقةٍ، مثل العاهرات، والأشخاص الذين ماتوا بسبب أمراض مرتبطة بالإيدز، والمنتحرين، والمهاجرين الذين فقدوا حياتهم أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا… هؤلاء يُدفنون هناك جنبًا إلى جنب، ولا توجد أسماء أو ألقاب على شواهد قبورهم، فقط أرقام.

إنه مكان تَحَوَّل فيه البشر إلى أرقام، والقصص إلى صمتٍ.

في روايتي أردت أن أقلب هذا الوضع، وأن أغيره تمامًا. أردتّ أن أختار رقمًا واحدًا من تلك القبور وأمنحه اسمًا، وقصًّة وأصدقاء أو رفقاء، أي مُحاولة عكس عملية التَّجريد من الإنسانية.

 

من يروي السرد

فن السرد لديه القدرة على نقل كل ما هو على الهامش إلى قلب المشهد، وجعل ما هو غير مرئي أكثر وضوحًا قليلًا، وما هو غير مسموع أكثر سماعًا بعض الشَّيء.

أنا أنتمي إلى بلد ٍتَشكَّلَ إلى حد كبير بفعل النسيان الجماعيِّ.

تركيا لديها تاريخ طويل وغني، لكن ذلك لا يُترجم إلى ذاكرةٍ قويةٍ. على العكس، التاريخ كما يُعلَّم ويُؤطَّر عادةً ما يكون «تاريخه»  (his-story)، وليس «تاريخها»  (her-story)، وليس حتى قصص الرِّجال من خلفياتٍ فقيرةٍ أو من ثقافات الأقليَّات، وما إلى ذلك، بل قصص الرِّجال في مواقع السُّلطة والنُّفوذ. في اللحظة التي تسألُ فيها: من يروي هذا السرد؟ ومن لم يُسمح له بروايته؟ كل شيء يتغير.

فبوصفي روائية، أنا مهتمة بالقصص غير المرويَّة – قصص النِّساء، وقصص الأقليات، والقصص التي مُحيت أو نُسيت بسُهولةٍ. هذه ليست موضوعات سهلة للاستكشاف، وعندما تفعل ذلك، تتعرض للكثير من الهجمات. لكن الرواية بوصفها صيغة أدبية تعزز التعدُّديَّة والتعقيد والتعاطف، فهي بمكانة وطن في المنفى وملاذ ضروري للغاية.

لا أعرف أبدًا بالضبط كم من الوقت يستغرقني لإنهاء رواية، لأنني لا أعرف بالضبط متى تبدأ. يمكنني أن أخبرك دائمًا متى انتهيت، لكن في أي مرحلةٍ بدأتُ أكتبها داخل عقلي؟ كنت مهتمةً منذ فترةٍ طويلةٍ بمقبرةٍ تُسمَّى «مقبرة من لا رفيق لهم»، وجمعتُ قصاصاتٍ من الصُّحف المحليَّة محاولةً فهم الأشخاص المدفونين في هذه المقبرة الحزينة. كما كنت أقرأ عن دراسات في علم الأعصاب، حول كيف يمكن للدماغ البشري أن يستمر في العمل لبضع دقائقٍ أخرى حتى بعد توقُّف القلب عن النَّبض. هذا ما منحني هيكل الرواية. إنه هيكل غير مألوف بمعنى أنه يبدأ بنهايةٍ. نعرف على الفور أن الشخصية الرئيسة ميتةٌ، مُلقاة في حاويةِ قمامة على أطراف إسطنبول. لكن عقلها لا يزال يعمل لمدة عشر دقائق وثمانٍ وثلاثين ثانية. ماذا يتذكَّر الموتى في تلك الفترة الزمنيَّة المحدودة؟ الجيد أم السيئ؟ كانت هذه الأسئلة التي ألهمتني وأرشدتني.

 

الكتابة وسط الصخب

روتيني في الكتابة مجنون بعض الشَّيء. أملأ عشرات الدفاتر، أقوم بكم هائل من البحث، تتقلَّب مشاعري صعودًا وهبوطًا بينما أتدحرج في وديان الشَّك والقلق، وأتسلَّقُ جبال الاكتئاب، لكن تحت كل ذلك هناك حبٌّ نقيٌّ. أحب فن السَّرد. أحبُّ الرُّواية كصيغةٍ أدبيٍّة. إنها المكان الوحيد الذي أستطيع فيه أن أكون متعددةً، حيث أكون نفسي بالكامل وحيث أشعر بالحرية.

أكتبُ أحيانًا في المنزل، وأحيانًا في أكثر الأماكن صخبًا: المطاعم والمطارات ومحطَّات القطار. بصراحةٍ، لا أحب الصَّمت، وأشعرُ بالذُّعر إذا كنتُ في بيئةٍ مُرتَّبةٍ ومنظَّمةٍ حيث كل شيءٍ مثاليٍّ.

أعمل بشكلٍ أفضل وسط الفوضى.

أُفضِّل أن أكون محاطة بأصوات الشَّارع وأصوات المدينة.. ليس لديَّ روتينٌ محدَّدٌ ألتزم به يومًا بعد يوم، أو موسمًا بعد موسم.

لعدة سنواتٍ كنت أُدَرِّس في جامعاتٍ مختلفةٍ بينما كنت أكتبُ رواياتي. لذا، تضطَّرُّ إلى التَّوفيق بين أدوارٍ متعدِّدةٍ. عندما تكونين أمًّا لأطفالٍ صغارٍ، لا يمكنك أن تكوني ملتزمة بجدولٍ زمنيٍّ دقيقٍ بأي حال من الأحوال. مع احترامي، عادةً ما يكون الكُتَّاب الذكور من فئةٍ عمريٍّةٍ مُعيَّنةٍ أو ممن يتمتعون بامتيازاتٍ معيَّنةٍ هم الأكثر ولعًا بجداولهم الثَّابتة التي لا تتغير.

أمَّا البقية منا، الكُتَّاب من الإناث والذكور من جميع الخلفيات، فنحاول أن نقتطع وقتًا ومساحة شخصية كلَّما وأينما استطعنا.

أمَّا عن العادات أو الطُّقوس التي أقوم بها قبل أن أبدأ الكتابة، فهي أنني أستمعُ إلى الموسيقى كثيرًا، وعادةً إلى أنواع فرعية مختلفة من موسيقى الهيڤي ميتال. وعندما تعجبني أغنيةٌ ما، يمكنني أن أستمع إليها مرارًا وتكرارًا عشرات المرَّات. هذا ما أفعله عادةً حيث أضع سمَّاعاتي، وأرفع مستوى الصَّوت، وأستمعُ إلى موسيقى الميتال الصِّناعي والقوطي والفايكينج والوثني أو الميتال كور. أحب دائمًا تلك الطَّاقة.

لم أجُرِّبُ يومًا حالة «حبسة الكاتب» بالمعنى الحرفي، ولكنني مررت بنوعٍ من الانفصال عندما عانيتُ من اكتئاب ما بعد الولادة. لم أستطع كتابة القصص الخيالية أو تخيُّل حكايات جديدة لمدة ثمانية أشهر تقريبًا. كانت تجربة مؤلمة للغاية، ولكنها كانت، بطريقةٍ ما، تجربة محورية وتحويليَّة. قبل ذلك، كنت أعتقد دائمًا أن الديمقراطية مفهوم خارجي. علَّمني الاكتئاب أهمية وجود «ديمقراطية داخلية» أيضًا.

في النهاية، كتبت كتابًا بعنوان «حليبٌ أسود»، وعلى الرغم من أن الكتاب يتحدَّث عن الاكتئاب، فإنه مكتوب بروحٍ من التعاطف والفكاهة. حاولتُ أن أحوِّل «الحليب الأسود» إلى حبرٍ، وبهذا الحبر كتبتُ عن كوني كاتبة وامرأة، وعن متاهات فن السَّرد ومتاهات العقل.

 

بين الإنجليزية والتركية

لست متأكدةً بعد ممَّا إذا كنا «نختار» موضوعاتنا بطريقةٍ عقلانيَّةٍ، أم أن موضوعات كتبنا هي التي تأتي إلينا، أو أننا نصطدم بها بطريقةٍ ما وبشكلٍ غير عقلانيٍّ. أعلمُ أن هذا يبدو غريبًا، لكن غالبًا هذه هي تجربتي.

كان جيمس بالدوين يصفُ نفسه بأنه «مسافرٌ يوميٌّ»، وهذا قريبٌ جدًّا من قلبي: التنقُّل بين الثقافات والمدن واللغات، فهذا يجعل عملك أكثر صعوبة، حقًّا، لأنه عليك أن تقضي ضعف الوقت. أكتب رواياتي باللغة الإنجليزيَّة، وعندما تُترجم إلى التُّركيَّة، أتناولُ تلك التَّرجمة وأعيدُ كتابتها. لذا، الأمر جنونيٌّ بعض الشِّيء، ولكنني أحبُّ الحرِّية والشعور بالإمكانات اللامتناهية التي تختبرها في تلك الرحلة، ومع ذلك، أدركتُ على مرِّ السِّنين أنه عندما يتعلقُ الأمر بالحزن والكآبة والحنين… أجدُ أن التَّعبير عن هذه الأشياء أسهل باللغة التركية، بينما الفكاهة والسُّخرية، والهجاء أسهل كثيرا باللغة الإنجليزية.

 

الكاتب قارئ أولا

أنا عالمةٌ سياسية بالتدريب، فدائمًا ما أحببت الدراسات متعدِّدة التخصُّصات وأقدِّرها: الفلسفة السياسيَّة ودراسات الجندر والنساء والدراسات الثقافية… هذا أمرٌ بسيطٌ جدًّا لكنه يستحق أن يُقال: الكُتَّاب هُم قرَّاء في الأساس، ويجب أن يظلُّوا قرَّاء دائمًا. بمعنى آخر، علينا أن نستمر في القراءة. لكن، برأيي، لا ينبغي على الروائيين قراءة الروايات فقط. أعتقدُ أنه من الأكثر تحديًا وإثراءً فكريًّا أن تكون لدينا قوائم قراءة متنوعة تشمل الخيال والواقع، من الشَّرق والغرب.

تشبه وسائل التواصل الاجتماعي القمر إلى حدٍّ كبيرٍ، فلها جانب مشرق يشعُّ الضَّوء، ولكن لديها أيضًا جانب مظلم لم نتحدَّث عنه لفترةٍ طويلةٍ ولكن يجب أن نفعل ذلك.

لذلك، لا أُضفي طابعًا رومانسيًّا مفرطًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه، أجد أنه من المهم أن يتحدث الكُّتاب ويُعبِّروا عن آرائهم، سواء في الفضاء العام أو في الفضاء الرقميِّ.

سواء كان كتابك الأوَّل أو العاشر، من المثير للاهتمام أنك ستواجه دائمًا أنفاقًا من القلق، والشَّك الذاتيِّ، ثم ستأتي أيام مشرقةٌ ومنتجةٌ للغاية. كل يومٍ يختلفُ عن الآخر، وكذلك كل كتابٍ بالطَّبع، ولكن عملية الكتابة دائمًا ما تكون مليئة بالتقلُّبات، فالأمر لا يصبحُ أسهل أبدًا.

أمَّا عن الكتب أو الكُتَّاب الذين أثروا بشكلٍ كبيرٍ على طريقة تفكيري وطريقة كتابتي، فهم كثيرون جدًّا. ليس فقط الروائيون، بل أيضًا المفكِّرون والفلاسفة والشعراء… كنت طفلة وحيدة تربَّت على يد أمٍّ عاملةٍ عزباء، ومنذ سن مبكِّرة أصبحت الكتب أصدقائي ورفاقي. لقد غيرتني وشكَّلتني وأعادت تشكيل شخصيتي.

 

كتابة الرِّواية هي في الأساس عمل حب. قبل كل شيءٍ، وفوق كل شيءٍ، يتعلَّق الأمر بهذا الحب العميق الذي تشعر به تجاه فن السَّرد. من أين يأتي هذا الحب؟ كيف يكون ذلك ممكنًا؟ لا أعرف. كل ما أعرفه هو أنه كلما شعرتُ بالشَّك، أرجوك تذكَّر هذا الحبَّ ودعهُ يكون دليلك.

 

 

إليف شَفَق (1971)

روائية تركية تكتب باللغتين الإنجليزية والتركية

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى