مولاي يوسف.. سيرة سلطان ورث الحماية وورّطها
قاد حربا وهو شاب وحكم 15 سنة عارض خلالها فرنسا

يونس جنوحي
رغم أنه جاء خلفا للمولى عبد الحفيظ في مارس 1912 ليحكم مغربا منهكا، إلا أن المولى يوسف ظل محافظا على الود مع أخيه السلطان الذي غادر المغرب..
المولى يوسف، كان واحدا من أبناء المولى الحسن الأول الذين ابتعدوا عن السلطة منذ الطفولة المبكرة. تفرغ للعلم، وكان والده يستبشر به خيرا لكثرة ما سمع من الثناء على قدرته الخارقة على الحفظ والاستظهار، والتمكن من قواعد اللغة العربية.. إلا أن المولى يوسف، الذي كبر بعيدا نسبيا عن إخوته الكبار الذين خلفوا والدهم السلطان على القبائل المتمردة، قاد واحدة من أهم معارك المخزن ضد القبائل المتمردة شمال فاس، وسنه لم يكن تتجاوز الخامسة والعشرين وقتها.. ومن تلك المحطة، ما بين 1907 و1908، قربه أخوه المولى عبد الحفيظ منه، لكنه سرعان ما عاد إلى مكناس بعيدا عن الضجيج.
في مارس سنة 1912، جلس المولى يوسف على العرش.. وبين هذا التاريخ، ووفاته يوم 17 نونبر 1927، قاد المولى يوسف معارك ضد فرنسا، وواجه سياستها للسيطرة على الإدارة والاقتصاد، برصانة الرجل الذي لم يكن يريد إلقاء البلاد في قلب الزوبعة..».
+++++++++++++++++++++++++++++++
السلطان الذي انتقلت معه السلطة من فاس إلى الرباط
عندما جلس المولى يوسف على العرش في مارس 1912، كان أخوه المولى عبد الحفيظ يغادر المغرب من طنجة.. ورغم أن السلطان مولاي يوسف كان يصغر المولى عبد الحفيظ سنا، إلا أنه أبان عن حكمة عميقة، واختار ألا يقاطع أخاه الذي غادر قاعة العرش في فاس، بعد توقيع معاهدة الحماية، ثم غادر البلاد بعدها في باخرة متجهة إلى مارسيليا.
كانت العلاقة بين المولى يوسف وأخيه المولى عبد الحفيظ وطيدة جدا، حتى أن المولى يوسف في شبابه لم يدخر جهدا في دعم أخيه عبد الحفيظ عندما جاء من مراكش إلى فاس، لكي يمسك بزمام الحكم بعد انفلات 1907.
ورث المولى يوسف مغربا متداعيا، اكتسحته قوات الجيش الفرنسي. ففي مارس 1912، كانت القوات الفرنسية قد اتخذت إدارة لها في مدينة فاس، وسيطرت على مناحي الحياة العامة، وشرعت في إعادة بناء الدار البيضاء، والرباط، وفعّلت مقتضيات معاهدة الحماية.. كان المولى يوسف يدرك أن فرنسا تتحايل عندما تعاملت مع أخيه المولى عبد الحفيظ، الذي فوجئ بوجود بنود في نص معاهدة الحماية، لم يتم إطلاعه عليها، خصوصا منها التي تتعلق بمدة سريان الاتفاق.. وهكذا فقد أصبح حذرا منذ وصوله إلى القصر الملكي في الرباط في تعامله مع زواره من الإقامة العامة، أو مبعوثي الحكومة الفرنسية.
لم يدم حكم المولى يوسف طويلا، فقد فوجئ المغاربة بوفاته المبكرة يوم 17 نونبر 1927، أي أنه لم يحكم البلاد سوى 15 سنة، لكنها كانت فترة حافلة بالأحداث والمضايقات الفرنسية.
كان محيط السلطان الحسن الأول يعرف المولى يوسف على أنه أحد أكثر أبناء السلطان ترشيحا لتشريف اسم السلطان في العلم والأدب.. لم يكن المولى يوسف الأصغر سنا، لكنه كان قريبا من المولى عبد العزيز ولم يكن يكبره سوى بسنتين فقط.. ورغم ذلك، فقد نشأ المولى يوسف بعيدا عن أخويه عبد العزيز وعبد الحفيظ، وقضى أغلب سنوات طفولته في مدينة مكناس، عاصمة حكم جده الأكبر المولى إسماعيل.
ارتباط المولى يوسف بمكناس انتقل إلى ابنه الأصغر سيدي محمد، الذي خلفه وأصبح سلطانا من بعده، وكلاهما ارتبط بمدينة مكناس، بحكم أنها كانت مستقرا للمولى يوسف منذ الطفولة وأسس فيها عائلته الصغيرة، واستقر بها أبناؤه أيضا حتى بعد جلوسه على العرش.
كانت هناك ضغوط فرنسية فرضت انتقال السلطة من فاس إلى الرباط، والسبب كان مخطط سحب الإقامة العامة للسلطة رمزيا من فاس، وتثبيتها في الرباط، العاصمة الإدارية الجديدة. إلا أن المولى يوسف، فاجأ فرنسا عندما تمسك بالإبقاء على الطريقة المخزنية القديمة في تدبير البلاد، وتمسك برجال الدولة القدامى من عهد أبيه المولى الحسن الأول، وهكذا انطلقت معركة «توقيع الظهائر» والتي بدأت مع المولى يوسف، واشتد بأسها مع ابنه سيدي محمد.
وهنا، نورد شهادة مهمة عن فترة حكم المولى يوسف، وانتقال السلطة إلى الرباط في عهده، على لسان ألبير ساسون، حفيد خياط السلطان مولاي يوسف، والذي ألف كتابا فريدا عن عائلة ساسون التي تكلف أبناؤها بخياطة جلابيب السلطان الحسن الأول، ثم المولى يوسف من بعده، وصولا إلى الملك الراحل الحسن الثاني.
يقول في شهادته: «وبالإضافة إلى الأمراء، كان مولاي يوسف شديد الاهتمام بابن حاجبه اعبابو الذي كان معلما له أيضا، وكلما أمر أبراهام بخياطة ملابس للأمراء، إلا وحصل ابن الحاجب على أزياء شبيهة. الأمر نفسه ينطبق على الهدايا، وقد روى لي والدي أنه رأى، وهو في السادسة من العمر، الأمراء وابن اعبابو يركبون سويا دراجات نارية حمراء اللون مستوردة. وفي الحقبة نفسها، تبوأ محمد المعمري مكانة مهمة في البلاط، الذي كان معلما لمولاي يوسف، حيث درسه اللغة الفرنسية، وحريصا على العناية الدائمة به، وقد مكث في خدمته طويلا كمسؤول عن التشريفات. في 1927، توفي مولاي يوسف في فاس بغتة وعمره 48 سنة، بعد حكم دام 15 عاما، وذلك سنة تقريبا بعد نهاية حرب الريف (1926- 1921). ومعلوم أن الريف سلسلة جبلية بشمال المغرب تمتد بمحاذاة ساحل البحر الأبيض المتوسط على شكل قوس واسع من مضيق جبل طارق غربا حتى مصب نهر ملوية شرقا، مطلة في الجنوب الغربي على سهول الغرب وفي الجنوب الشرقي على ممر تازة. وتتميز المنطقة بشح الموارد وبتضاريسها الوعرة، ومع ذلك فكثافتها السكانية من بين الأكبر بالمغرب».
كيف أسس المولى يوسف لما عُرف لاحقا بـ«المخزن الجديد»
كان المولى يوسف، بحكم مكانته العلمية ومستواه الثقافي، منفتحا على ما يُنشر في الصحف العربية القادمة من الشرق. وكان يتابع أيضا جديد الحركة القومية العربية. وهكذا، فقد كان على دراية بما يكتب عن مساوئ السياسات الاستعمارية في الدول العربية.. وبدا الأمر واضحا في مواقفه بعد سنة 1921، عندما انطلقت حرب الريف في شمال البلاد. إذ إن السلطان مولاي يوسف كان يعارض بشدة تدخل فرنسا في الحرب، ويعتبرها تعميقا للأزمة المغربية.
صحيح أن المولى يوسف لم يمنح حوارات صحافية لصحف فرنسية أو أجنبية، وحتى عندما زار باريس سنة 1926
– سنة واحدة فقط قبل وفاته المفاجئة- لم تتجاوز تصريحاته لجحافل الصحافيين الفرنسيين الملاحقين لسيارته، بضع مجاملات وابتسامة مقتضبة. إلا أن مواقفه كانت واضحة وصريحة، من خلال الاجتماعات المغلقة التي عقدها مع وزير خارجية فرنسا وموظفي الإقامة العامة، عسكريين ومدنيين.. هؤلاء جميعا كانوا يسربون لصحف بلادهم معلومات مفادها أن السلطان مولاي يوسف «صعب المراس»، واعتبروه مصدر عرقلة لمشاريع فرنسا في المغرب.
ورغم أن مناطق الظل سائدة في حياة المولى يوسف، بسبب التكتم الذي أحاط بشخصيته، إلا أن العلماء المغاربة الذين عاصروه، كتبوا باستفاضة عن شخصيته العلمية، وأكدوا أنها كانت تطغى دائما وتحضر حتى في وظيفته السياسية.
يُحسب للمولى يوسف أنه أوقف نزيف القبائل المغربية في ما عرف وقتها بـ«السيبة» وتداعيات صراع القبائل، سيما بعد تدخل الجيش الفرنسي سنة 1914 في منطقة الأطلس. إذ كان المولى يوسف، يبعث الرسائل إلى القادة مثل المدني الكلاوي في مراكش والريسوني في الشمال، والخطابي في الريف، يدعو فيها إلى توحيد الصفوف.. إلا أن أغلب القبائل كانت قد دخلت في حرب ضد بعضها البعض، وتحالف بعضها مع فرنسا – كما وقع للكلاوي نفسه- ضد إخوانهم.
كانت مهمة المولى يوسف شاقة، وفترة حكمه كانت واحدة من أكثر الفترات السياسية أهمية في تاريخ المغرب. وفي الوقت الذي سُجل فيه التقدم العسكري الفرنسي في ربوع المغرب، بسبب ضعف القبائل، كانت فرنسا تعاني مع المولى يوسف في مسألة التقدم الإداري.. فهذا السلطان الذي كان عمره يقارب ثلاثين سنة فقط عند وصوله إلى الحكم، كان سدا منيعا أمام مشاريع تحديث الإدارة على الطريقة الفرنسية، وأجهض محاولات المقيم العام في سحب السلط -الدينية منها على وجه الخصوص- من مؤسسة السلطان.
++++++++++++++++++++++++++++++++
أمير يترك حياة «القرويين» ليقود «حملات» لتأديب القبائل المتمردة
علماء القرويين في فاس، نهاية ثمانينيات القرن التاسع عشر، كانوا على موعد مع اكتشاف واحد من أذكى أبناء المولى الحسن الأول، وأكثرهم قدرة على الحفظ والفهم والتفقه في علوم الدين.
تقول بعض الروايات التاريخية إن المولى يوسف وُلد سنة 1881، بينما أخّر آخرون ولادته أربع سنوات إضافية، وقالوا إنه لم يكن أصغر أبناء المولى الحسن الأول الذي توفي سنة 1894، تاركا وراءه مغربا مهددا من طرف القوات الأجنبية، فرنسا وبريطانيا على وجه الخصوص.
يقول بعض المؤرخين أيضا إن المولى يوسف كان لديه ما يقارب 49 أخا آخرين، دون احتساب الأخوات البنات.. لكن المولى يوسف، كان أحد أوائل من تدرجوا في جامع القرويين، حتى أن المولى الحسن الأول ميزه عن أغلب إخوته وخصص له مدرسين خاصين في القصر الملكي بمكناس، حيث قضى المولى يوسف سنوات من حياته المبكرة. وخلال تلك الفترة، أخبر هؤلاء العلماء المولى الحسن الأول، أن ابنه المولى يوسف يتميز عن أقرانه بقدرة خارقة على الحفظ والاستيعاب، وتقدم عنهم في تحصيل العلوم الشرعية وحفظ الأشعار والمتون.
لكن قبل أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره، كان المغرب على موعد مع أحداث هزت محيط فاس ومكناس، وسببها تمرد القبائل على السلطة المركزية. ورغم أن المولى عبد الحفيظ كان يكبر أخاه المولى يوسف بسنوات، وانفصل عنه مبكرا بحكم إقامة المولى عبد الحفيظ في مراكش خليفة لوالده السلطان، إلا أن العلاقة بين الأميرين كانت متينة، بشهادة بعض موظفي المخزن مثل المعمري، الذي كان مقربا للغاية من المولى يوسف عندما أصبح سلطانا للمغرب سنة 1912.
ومع التقدم في التحصيل العلمي، وتفرغ المولى يوسف الكامل للدراسة، خلال السنوات الأخيرة من حياة والده المولى الحسن الأول، صار الأمير بعيدا عن مشاكل السلطة المركزية في القصر الملكي بفاس، وبعده قصر مراكش.
إلا أن الأحداث المتلاحقة، خصوصا في السنوات الخمس الأخيرة من حياة السلطان الحسن الأول، أجبرت المولى يوسف على أن يلبي نداء والده، ويلتحق بإخوته الكبار.. كان الهدف تقريبه من مشاكل السلطة، تمهيدا لإلحاقه بأخيه المولى عبد الحفيظ الذي بصم على مسار يشبه كثيرا مسار المولى يوسف.. فهو الآخر كان يحظى بتقدير أساتذته، وصح القول إن السلطة خطفته من مسار علمي واعد.. لكن سرعان ما عاد الأمير يوسف إلى حيث كان ينتمي، تاركا حياة قصر فاس، وصراع الأسماء الكبيرة على السلطة، خصوصا الصدر الأعظم باحماد، والإخوة الجامعي في الوزارات.
عندما تولى المولى عبد العزيز السلطة، وهو أصغر أبناء المولى الحسن الأول سنة 1894، كان المولى يوسف يقيم في القصر الملكي بمكناس، بعيدا عن صراع السلطة، ولم يكن له دور بارز وقتها في الساحة.
لكن في سنة 1908، عندما أصبح أخوه المولى عبد الحفيظ سلطانا، صار المولى يوسف، وهو في منتصف العشرينات من عمره، مقربا من أخيه السلطان الجديد.
وفي الوقت الذي غادر فيه أخوه الأصغر، المولى عبد العزيز، صوب طنجة، كان المولى يوسف قد اتخذ لنفسه مركزا متقدما في دولة أخيه المولى عبد الحفيظ.. حتى أنه قاد واحدة من أشهر الحملات التي أطلقها المولى عبد الحفيظ لتأديب القبائل المتمردة على السلطة المركزية، ونجح الأمير الشاب في مهمة إعادة الأمن إلى قبائل شمال فاس، في واحدة من أعنف المواجهات بين المخزن والمتمردين.
بعد نهاية مهمة المولى يوسف العسكرية، بقي مقربا من أخيه المولى عبد الحفيظ، وقريبا جدا من محيطه، إلا أن الأقدار كانت تعده لمغرب ما بعد 1912.
مؤطر
شهادة نادرة لمترجم السلطان.. جلسات ومفاوضات محمومة مع فرنسا
يتعلق الأمر بالمترجم والموظف المخزني أحمد التيجاني، المكنى بـ«أبي العباس»، وهو موظف جزائري الأصل، تعلم الفرنسية وكان يتحدثها بطلاقة، وهو أيضا حفيد مؤسس الطريقة التيجانية الشهيرة. وجاء إلى المغرب بعد إبرام معاهدة الحماية سنة 1912، واشتغل في القصر الملكي موظفا سنة 1915، قبل أن يُعين مترجما للسلطان مولى يوسف سنة 1921، وبعد ذلك مُدرسا خاصا للأميرات والأمراء، وعلى رأسهم سيدي محمد بن يوسف، الذي أبقاه مقربا منه. عاصر التيجاني نفي السلطان محمد بن يوسف وعودته من المنفى، وكان يحظى بتقدير كبير من الملك الراحل الحسن الثاني، وأسس جمعية للعلماء الجزائريين، وكان دائم الزيارة إلى المغرب بعد الاستقلال..
التيجاني كتب بعد استقلال المغرب مقالات في عدد من الصحف والمجلات العربية، تحدث فيها عن ذكرياته مع المولى يوسف، وقصة اللقاء بينهما، ويوميات اشتغاله إلى جانبه في القصر الملكي بالرباط.
يقول في واحدة منها متحدثا: «..ساقتني فاتحة الألطاف إلى المثول بين يديه في عام 1921، فكان أول ما سمعته منه قدس الله روحه:
– قيل لي إنك تحفظ القرآن.
فأجبت: نعم، فإني من بلاد هي مهد الزاوية التيجانية ذائعة الصيت، والزاوية في عموم القطر الجزائري لا تعقل بدون قرآن.
فهش في وجهي وابتسم ابتسامة خفيفة، وبعد أن ألقى عليّ بعض الأسئلة في القرآن قال لي: – الله فين كنت.. أنت ديالنا واحنا ديالكْ..
فبقيت من ذلك التاريخ أدخل لديه بصفة مترجم صحبة خليفة المستشار «المسيو مرشا»، الذي اختارني للترجمة عنه، لأنه كان بصدد ترجمة الرسائل المخزنية ويتوقف علي دائما.
مما لفت نظري بوجه خاص أثناء مزاولة الأشغال أنه رحمه الله جعل رائده العام في علاقته مع القوم تغليب جانب الملاطفة واللين، كأنه يصب كمية من النار على خمرهم ليكسر من حدتها، يظهر ذلك من الابتسامات اللطاف التي تلوح منه من حين لآخر، هذه حاله ما دامت الأمور جارية جريها العادي، حتى إذا مست بها هو من كيان الإسلام كالقضاء ورجاله ورجال العلم أو واحد من كبار العمال، فهناك نرى منه وجها غير الذي عاهدناه..».
شاهد على العلاقة بين مولاي يوسف وابنه سيدي محمد
رغم أن سيرة المولى يوسف لم تحظ بما تستحق من التنقيب والعناية، إلا أن مترجمه التيجاني أشار إلى مجموعة من المؤشرات التي تكشف تقاربا كبيرا بين السلطان مولاي يوسف وابنه سيدي محمد الذي ورث العرش، بعد وفاة السلطان مولاي يوسف، وسنه دون الخمسين.
يحكي التيجاني عن تعرفه على الأمير سيدي محمد، خلال حفل الزفاف الذي عقده السلطان مولاي يوسف في مراكش سنة 1926 لتزويج أبنائه.. وكان قدر التيجاني – وهو أستاذ للملك الراحل محمد الخامس- أن يركب مع الأمير سيدي محمد في نفس السيارة التي أقلتهما إلى مراكش لحضور حفل الزفاف. وقد حكى التيجاني عن هذه الواقعة في مذكراته: «تشرفت بمرافقة الموكب الملكي عام 1926 إلى عاصمة الجنوب مراكش، العام الذي زوج فيه الملك سالف الذكر أنجاله الأمراء ومن بينهم سيدي محمد. خرجنا من الرباط في منتصف الليل في سيارة الحاجب، فركب الحاجب إلى جانب السائق وركبت أنا مع الأميرين مولاي الحسن سيدي بابا وسيدي محمد في وسط السيارة. عندما جاوزنا الصخيرات التفت إليّ الحاجب وقال لي:
– طريق مراكش طويل والليل طويل، أسمعونا شيئا من القرآن.
فافتتحنا القراءة من سورة آل عمران إلى أن وصلنا إلى آخر سورة النساء. فلاحظت في سيدي محمد دوام التيقظ عند الوصول إلى الآيات المتشابهة، كأنه لا يرضى أن تلوح علامة ضعف في حفظه. تلكم كانت حاله طول التلاوة، ويشبه هذا ما كنت شاهدته منه أثناء الدروس، فكان من معه من الأمراء تظهر منهم المجازفة والمبالغة في وصف الأشياء، ورواية الأخبار وكان دائما يرد الأشياء إلى نصابها. فتبين لي أنها غريزة فيه، وقلت في نفسي في ظل هذا النجل يجد الملك مقيله..».
مولاي يوسف للعسكري «بيتان»: سياسة فرنسا لا تعجبني
مع المترجم أحمد التيجاني دائما، إذ يحكي في مذكراته عن مهمة أوكلتها له الإقامة العامة الفرنسية منتصف العشرينيات، عندما كُلف بمرافقة العسكري «فيليب بيتان»، الذي جاء من باريس خصيصا للقاء السلطان مولاي يوسف، والوساطة بينه وبين الإقامة العامة بعدما توترت الأمور..
يقول التيجاني:
«كُلفت بمرافقة «المسيو مارشا» والذهاب إلى جلالة السلطان، لنلتمس منه ألا يحرك المسائل السياسية مع مبعوث الدولة «بيتان». وليقتصر إن سئل عن شيء من هذا القبيل على الجواب بأن له إدارة خصوصية في هذا الشأن.
وفعلا ذهبت أنا ونائب المستشار ودخلنا إلى قبة الاستقبال، فشرحت القضية لجلالة السلطان وبينت له ما تلتمسه منه الإقامة العامة، وهو ألا يحرك مسألة سياسية مع مبعوث باريس. ماذا كان الجواب؟
التفت إلي وقال لي:
– قل «للمسيو مارشا» هذا «موش كلام». غاية ما يمكن لي أن أساعد عليه هو ألا أبدأ أنا الأول بالكلام في السياسة، ولكن إذا سألني عن شيء من قبيل التروغ من شأن الملوك، لا بد أن أجيبه بما عندي.
أمام هذا الجواب المُسكت لم يسع خليفة المستشار إلا قبوله.
وفي المساء رجعنا للميعاد المعين لمبعوث باريس، فاجتمعنا به أمام الملك، فأخذ من حينه يسأل بوجه عام عن العلاقات بين الجالية الفرنسية وأهل البلاد ومصارفة المراقبين وغيرهم من الولاة للسكان، فأجابه الجناب العالي بأن الأمور لا بأس بها في الجملة.
ثم فتح «بيتان» الكلام الذي جاء لأجله فقال:
– إن التقارير التي ترد على حكومة باريس في قضية حرب الريف غير مقنعة، لذلك أوفدتني لأستقي الحقيقة من المنبع، من جلالة السلطان.
فأجاب رحمه الله على البديهة بما لفظه:
-«ابن عبد الكريم احنا فتشنا فيه حاول المفاهمة مع الإقامة مرارا، وأرسل نوابا عنه حاملين لرسائل، ولكن إدارة الاستعلامات لم تقبلهم، وتردهم على أعقابهم على لسان القبطان «شتوني». هذا الذي في علمي».
ثم زاد يقول:
-.. إن سياسة فرنسا لا تعجبني. جاءت على خلاف ما كنت أظن.. كان في نيتي أن المغرب بلاد خصبة، فيها الأنهار والمياه كثيرة وأنتم معشر الفرنسيين لكم خبرة بالفلاحة، وعندكم الآلات العصرية، ما ليس عندنا. كان في الظن أن تصرفوا عنايتكم إلى الأرض الموات، وياما أكثر البور عندنا. فإذا بالإدارة تعمد إلى الأراضي التي طوعها أهلها منذ زمان يحرثونها أبا عن جد، فتنتزعها من الأهالي وتدفعها للمعمرين، فكيف يحبكم أهل البلاد؟ وأكثر من هذا بلغني أن أراضي في دكالة عبدة بها قبور أجداد أهلها انتزعت منهم.
فالتفت إليّ بيتان وقال لي:
– قدم تشكراتي مع احترامي لجلالة السلطان على هذه الثقة التي منحني، وقابلني بها، وأكد لجلالته أني سأكون ترجمانه الأمين لدى حكومتي. وقل له: إن ما أخبرني به هو الذي أعتقده أنا منذ زمان، لأن الغالب من المعمرين هم شتات من حوض البحر المتوسط من إسبانيين ويونانيين ومالطيين وإيطاليين، لا يبالون بسمعة فرنسا ارتفعت أو انخفضت. الذي يهمهم ويشغل بالهم هو تعمير جيوبهم، وملفاتهم جميعا عندنا بباريس. وحتى المعمرين الفرنسيين فيهم وفيهم..».
مؤطر
عندما صلى المولى يوسف الجمعة بمسجد باريس أشهر مساجد أوروبا
كان العالم المغربي أحمد السكيرج هو الذي وقع عليه الاختيار لإلقاء خطبة الجمعة في مسجد باريس، عند افتتاحه في صيف 1926.
جاء المولى يوسف إلى فرنسا، وكان حدث وصوله قد استأثر باهتمام الصحافة. كان المصورون يلاحقون موكبه إلى كل الأماكن التي حل بها، وأثناء لقائه بأعضاء الحكومة الفرنسية، ثم عندما اتجه لأداء صلاة الجمعة في مسجد باريس، والذي يعد إلى اليوم معلمة معمارية إسلامية في قلب عاصمة فرنسا، وإحدى أهم مدن أوروبا.
وصول المولى يوسف إلى باريس، كان حدثا تاريخيا للفرنسيين، بحكم أن العلاقات بين السلطان وبين الإقامة العامة الفرنسية لم تكن على ما يرام، وتدخل وزارة الخارجية ورئيس الوزراء لاقتراح السلطان مولاي يوسف حتى يكون ضيف شرف لتدشين مسجد باريس، كان خطوة دبلوماسية لإعادة الدفء إلا العلاقات مع المغرب.
تقول بعض المصادر التاريخية إن السلطان مولاي يوسف ساهم في بناء المسجد، ولم تكن الدعوة التي وُجهت إليه سوى اعترافا بالجميل الذي أسداه للمشروع ككل.
وما تؤكده مصادر فرنسية ومغربية أن السلطان مولاي يوسف دعم بشدة فكرة إنشاء مسجد في باريس، قبل أن تسطو جهات أخرى على فضل تشييد المسجد، في محاولات للسيطرة عليه من الجاليات المسلمة المقيمة في باريس.
لكن ما يؤكد بصمة المولى يوسف على هذا المشروع، احتواء جنبات المسجد إلى اليوم، على نقوش لأبيات شعرية من اختيار المولى يوسف شخصيا.
زعم البعض أن المولى يوسف ألف بعض تلك الأبيات، لكن الحقيقة أنه اختارها بنفسه من ديوان العالم أحمد السكيرج، الذي رشحه السلطان ليؤم الناس في أولى صلاة للجمعة في تاريخ هذا المسجد.
ظهر اهتمام المولى يوسف بالشعر والثقافة، من خلال إشرافه شخصيا على اختيار الأبيات المنقوشة على بوابات المسجد، والتي ما زالت راسخة إلى اليوم، بعد قرن كامل على افتتاح مسجد باريس.. وتقول المصادر نفسها إن المولى يوسف رفض رفضا قاطعا أن تُنقش أبيات تمدحه شخصيا، أو تشيد بدوره في تشييد المسجد أو افتتاحه.
اهتمام المولى يوسف بالعلم والعلماء ظهر في دعمه للعالم أحمد السكيرج، وتمويله لطباعة ونشر عدد من المؤلفات، وإنقاذ آلاف المخطوطات من الضياع. إذ في عهده نقلت المجلدات إلى الرباط، ورعى قبل وفاته المفاجئة سنة 1927 مشروع ترميم المخطوطات، وأعطى أمرا بنسخ المتهالك منها وتصنيفها، وهو المشروع الذي تطور لاحقا ليصبح نواة لمخطوطات الخزانة الملكية في الرباط.



