حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف الأسبوع

نهايات أليمة… مشاهير في دور المسنين

‏حسب الإحصاء العام للسكان، فإن نسبة الأشخاص المسنين، الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و69 سنة، بلغوا سنة 2024 حوالي 58,6 في المائة من إجمالي المسنين، فيما وصلت نسبة المسنين (60 عامًا فأكثر) 13.8 في المائة من مجموع السكان.

وحسب التقارير الرسمية، لوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، فإن عدد مؤسسات الرعاية الاجتماعية للأشخاص المسنين على الصعيد الوطني يبلغ 92 مؤسسة، يستفيد منها 7900 مسن ومسنة.

في دواليب الوزارة، أوراق من مشروع “خطة العمل الوطنية للنهوض بالشيخوخة النشيطة 2023 – 2030″، التي تروم جعل الشيخوخة “بداية مسار جديد، وتثمين الخبرات التي اكتسبها المسنون ونقلها للأجيال الجديدة، بشكل تطوعي أو بمقابل”.

بعيدا عن التقارير الرسمية المنجزة والمجمدة، فإن أبواب دور رعاية المسنين تفتح أبوابها لدخول سيارات التموين والإسعاف وإطلالات متفاوتة لأناس مصنفين في خانة المؤلفة قلوبهم، في حين يعيش غالبية النزلاء في معزل عن العالم الخارجي.

لا أحد يقترب من ساحة المؤسسة التي تركن في جنباتها سيارة نقل الأموات عليها عبارة “كل نفس ذائقة الموت”. يتلقى العاملون أسئلة يوميا من النزلاء عن سر انقطاع زيارات الأهل والأحباب والمحسنين، فيتبين أن الجواب كفيل بتحريك المواجع.

لكن أكبر المواجع هو أن تتحول هذه الدور إلى مكان للجوء، يهرع إليه الآباء والأمهات المتخلى عنهم، حتى أصبح هذا النوع من النزلاء يشكل نسبة كبيرة من قاطني دور المسنين، وهو ما يستوجب التحرك من أجل معرفة السبب وراء هذه الظاهرة المرفوضة دينيا وأخلاقيا.

في الملف الأسبوعي لـ”الأخبار”، ننبش في ذاكرة هذه المؤسسات الاجتماعية التي تسكن في جنباتها قصص إنسانية تدمي القلوب.

 

حسن البصري

 

حين طالب الحسن الثاني بوقف بناء دور العجزة

“في اليوم الذي سنفتح فيه أول دار للعجزة في المغرب، سيكون مجتمعنا في طور الانقراض”، هكذا رد الملك الحسن الثاني على وزيره مولاي أحمد العلوي، حين اقترح عليه تدشين مؤسسة لإيواء المسنين بإحدى المدن الجنوبية التي زارها الملك.

في بداية التسعينات، دار سجال قوي حول مؤسسات الرعاية الاجتماعية، خاصة المرافق التي تعنى بالأشخاص المسنين. لم يكن ملك البلاد يعتقد أن مغاربة قد يضطرون إلى إيداع آبائهم مركزا مخصصا للعجزة، وتبرز انتفاضة الراحل الحسن الثاني رحمه الله طريقة تفكيره، وتقول روايات أخرى إن خطبة للملك تضمنت هذا الهاجس الذي أقلقه، إذ ذهب إلى حد الدعوة إلى إضرام النار في مثل هذه المؤسسات.

قال الملك لمخاطبه مولاي أحمد العلوي: «إذا كانت دور رعاية المسنين أمرا عاديا في البلدان الغربية، إلا أنها أمر دخيل على مجتمعنا المسلم، لأن الله تعالى أوصانا ببر الوالدين”.

رد الوزير قائلا: “ولكن يا مولاي فإن حدوث متغيرات جديدة في مجتمعنا، وانتشار ثقافة العولمة، أثرت على الحياة اليومية، وجعلت هذا الأمر يبدو عاديا”.

على الفور رد الملك بنبرة صارمة: “ولكن هل يشعر المسن في دور الرعاية بأنه أمر عادي، فالمسن في الغرب قد يطلب بنفسه أن يدخل دار رعاية، ولكن عندما يحدث هذا في مجتمعاتنا الإسلامية يكون الأمر مختلفا، فكبار السن يشعرون بالجحود، وبأنهم مرفوضون من أبنائهم، وليس لديهم إلا هذا الملاذ، فيشعرون بالحسرة لما حدث، ولكن ليس لهم ملجأ إلا هذه الدور”.

قال الملك يوما لعبد الله غرنيط، الذي كان مدرسه وعينه لاحقا مديرا للتعاون الوطني “إن وجود دار للمسنين في بلدة يعد نشازا، ويحط من قيمة المنطقة وموروثها وأخلاقها التي رضعها الجميع مع حليب أمهاتهم، هذه الدار، حتى وإن كانت بألف نجمة ونجمة، لا توفر للوالدين الرعاية النفسية”.

وأضاف الملك متحسرا: «لا أريد أن ينخرط المحسنون الذين يبنون المساجد ودور الأيتام والمعاقين في بناء دور للمسنين، لأن “وجودها تعبير عن قصور أخلاقي أكثر منه خدمة إنسانية”.

كان الحسن الثاني يعتبر قطاع التعاون الوطني من وصايا والده محمد الخامس رحمه الله، الذي أرسى دعائم مؤسسة خاصة بالاهتمامات الاجتماعية والإنسانية، ووعيا بشرف هذه المهام المنوطة بمؤسسة التعاون الوطني، عين الأميرة لالة عائشة أول رئيسة لهذه المؤسسة.

بعد ذلك، أولى الملك الراحل الحسن الثاني الأهمية القصوى للتعاون الوطني بوصفه مؤسسة منسقة للعمل الاجتماعي بالمغرب، وتجلت هذه الأهمية في خطاب يوم 27 أبريل 1982 بمناسبة ذكرى تأسيس التعاون الوطني.

 

من رئيس مطبخ بالمؤتمرات إلى نزيل بـ”باب الخوخة”

لم يكن ع. اللبار يظن أن القدر سيرمي به يوما في دار المسنين الملحقة بدار الرعاية الاجتماعية باب الخوخة في فاس.

فمن يكون اللبار الذي أصبح يحمل رقما وسريرا ويقف في طابور المطعم والحمام؟

بعد أن درس المطعمة وخبر تقنياتها، تلقى عرضا للاشتغال في أحد الوحدات الفندقية الكبرى في فرنسا، فغادر مسقط رأسه بفاس وبدأ مسارا قاده إلى الوجاهة، ومكنه من التعرف على شخصيات كبرى في فرنسا، التي قضى فيها أزيد من ربع قرن وكان يتردد على المغرب رفقة زوجته الفرنسية.

لعبت زوجته الفرنسية دورا كبيرا في مرافقة زوجها في مساره المهني، حيث تألق نجمه كطباخ رئيسي في العديد من المؤتمرات والمنتديات، ما جعله يتلقى عروضا للاستثمار في وطنه وفي مجال تخصصه.

رفضت الزوجة الفرنسية خيار العودة إلى المغرب، فكان الانفصال بين الطرفين هو أبغض الحلول، واستقر الرجل في العاصمة الرباط وشرع في البحث عن مشروع استثماري يعيده إلى الواجهة.

حسب ادعاءات ع. اللبار في تصريح صحفي، فإن نقطة التحول في مساره بدأت من قرار خوض تجربة زواج ثانية: “اخترت الدخول إلى المغرب حالما بالسعادة بعد انفصالي عن زوجتي الفرنسية، فاخترت الاستقرار بالرباط التي انطلقت بها في مزاولة التجارة، وعقدت القران على مغربية في حفل زفاف كبير صرفت فيه 12 مليون سنتيم، قبل أن أجد نفسي ضحية نصب من طرف زوجتي التي استولت على كل ممتلكاتي، بما فيها منزلي بالعاصمة الذي اشتريته بـ70 مليون سنتيم”.

حين ضاقت به السبل وأصبح في مواجهة صريحة مع عاديات الزمن، تذكر عائلته في فاس لكن هذا الخيار لم يقدم حلولا لوضعيته الطارئة، من حامل مشروع استثماري إلى مفلس، ومن رئيس للطباخين مدجج بالجوائز والشهادات التقديرية إلى العيش في كنف الشارع تارة قبل أن يهتدي إلى مؤسسة للرعاية الاجتماعية.

“تمت إحالتي على العيش بخيرية فاس لكوني من مواليد المدينة أريد أن أدفن فيها، في سريري وقفت على أخطائي والظروف الأسرية التي هي السبب الرئيسي وراء تواجدي برياض المسنين. دخلت الخيرية فانقلبت حياتي رأسا على عقب، حتى الطبخ الذي كنت رائده فقدت شهيته”.

 

معتقل سابق لدى البوليساريو نزيل بدار المسنين

بعد أن قضى عبد الله لماني 28 عاما في سجون البوليساريو، تم إطلاق سراحه رفقة 121 أسيرا أغلبهم كانوا عبارة عن حالات صحية أكثر حرجا. بوساطة من الصليب الأحمر الدولي، ومن خلال منسقة اللجنة الدولية للأنشطة المتصلة بالاحتجاز.

حين حطت الطائرة الأوكرانية فوق أرضية المطار، سيدخل ضباط مغاربة إلى الطائرة لتحية واحتضان الأسرى السابقين، وسيحظون برعاية صحية من طرف أطباء وممرضين عسكريين.

حين جئت لأكادير فقدت بوصلتي ولم أتخلص من الكوابيس ورعب الاعتقال، أختي كانت صغيرة تزوجت ولديها أبناء، أين سأعيش ما بعد الاعتقال؟ ذهبنا إلى مقر ولاية الدار البيضاء، جالسنا مدير الديوان وشرحنا له وضعيتنا كوننا بلا ملاذ، كنا ثلاثة من الأسرى السابقين، أحالنا على مركز لرعاية المسنين في تيط مليل فاكتشفنا أنه مركز لجمع المشردين، طلبنا من المدير أن يعيدنا إلى الولاية فأخذنا إلى عمالة المشور وحين تأخر في العودة قررنا أن نبحث عن حل للإيواء، توجهت عند أختي وتلقيت مكالمة من وزارة الداخلية عبر عبد الرحيم البواب الذي طلب مني العودة إلى الولاية. كان همنا الإيواء أولا وكنا نبحث عن وثائق هوية ما كنا نملكه سوى ورقة عليها اسمنا وهويتنا كمعتقلين”.

بعد مغادرة دار المسنين بتيط مليل، عرض علينا مدير الديوان الإقامة في مركب محمد الخامس، فأصبحت قاطنا في مدخل الباب رقم 15 حيث توجد غرف تحت المدرجات. أنجزت البطاقة الوطنية وعليها عنوان مركب محمد الخامس بالدار البيضاء.

عرضت قضيتي على هيئة الإنصاف والمصالحة، وتم تدارس ملفي أنا وكل الأسرى المدنيين، فتبين أننا لسنا ضحايا الاعتقال التعسفي حسب ضوابط الهيئة، وعدونا بالتعويضات بدءا بالمسجلين عند الصليب الأحمر الدولي، واصلنا النضال مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إلى أن جاء الفرج.

 

فنان رفض الاشتغال في المسرح وانتهى في دار المسنين

بالأمس كان فنانا يتنزع التصفيقات وهو فوق ركح المسرح، قبل أن يحيله القدر على  غرفة مشتركة مع أشخاص غرباء لا يجمعه بهم سوى الوطن والمصير المشترك بدار المسنين، تبين أن الشهرة زائفة وأن الفن لا يضمن القوت اليومي للمبدعين.

مصطفى منير مسرحي انتزع بالأمس جوائز تقدير ودعوات تكريم، وحين وقف أمام الكاميرات أبان عن مستويات جيدة قبل أن يخذله الزمن ويحوله إلى نزيل يحمل رقم تسجيل وطني.

عن سر تواجده في دار المسنين، يروي منير تفاصيل النكبة في حوار مع منبر إعلامي:

“أنا أعيش في مركز للرعاية بسبب صراع عائلي مع زوجتي، إذ أنني اخترت الانسحاب من منزلي، بعدما بدأت أشعر بضغط لم أعد أقوى على مواجهته بشكل نهائي. ولظروف اقتصادية ومادية لم أتمكن من كراء منزل، وبعد أن علمت جهات مسؤولة أنني أفترش الأرض بالشارع للمبيت، بعدما قضيت فترة بين الفنادق، ومنازل أصدقاء فتحوا أبوابهم لي للمبيت، نقلتني إلى مركز اجتماعي للمسنين، قضيت أسبوعا كاملا أفترش باب عمارة في أكدال بالرباط، وهي منطقة أعرفها منذ 20 سنة وصورت العديد من الأعمال بالحديقة مجاورة لها، إذ شعرت وكأنها منزلي، أو أصور بها شريطا سينمائيا. ففي الساعة الـ10 ليلا عند دخول الجميع إلى مسكنه لعدم مضايقتهم، ألجأ إلى درج العمارة للنوم، وأستيقظ صباحا في الساعة السابعة قبل ذهاب التلاميذ إلى المدرسة. فقد قضيت أزيد من أسبوع على هذا الحال، وكأنني اعتدت هذه الحياة”.

عرضت على منير عدة وظائف لكنه كان يدير ظهره لها، لم يكن يظن أن الزمن سيرمي به إلى قارعة الطريق، وأنه سيحرم من التغطية الصحية، ومن بطاقة الفنان، وسيقضي ما تبقى من حياته بساق معطوب.

“عرضت علي لثلاث مرات وظائف في مسرح محمد الخامس ورفضت، إلى جانب عروض التوظيف بالمركز السينمائي والإذاعة الوطنية، رغبة في التحرر وعدم التقيد”.

منذ أن أقبرت مجموعة “المعمورة” التي كانت تؤمن له أجرة شهرية، بدأت معاناة الرجل إلى أن اشتعل الرأس شيبا.

“المكان الذي أعيش فيه بمقومات عالية، وبدأت الاعتياد عليه وفي الوقت ذاته غير معتاد عليه، هي فلسفة غريبة، لكن هذا ما أشعر به، بسبب فقداني لجزء من حريتي، غير أنني أقاوم بقضاء الوقت في القراءة ومتابعة الأخبار، على أمل ألا تطيل إقامتي في دار المسنين. قضيت سنوات طوال من حياتي بين المهرجانات والشوارع والتظاهرات، لم أندم عليها، وصحيح أنني شعرت بشيء ينقصني هذه السنة، بسبب الظروف الاجتماعية والصحية التي ألمت بي ومنعتني من حضور بعض التظاهرات الفنية، إذ كان مهرجان خريبكة الذي كرم الممثل محمد الخلفي آخر تظاهرة حضرت فيها”.

 

لاعب محترف بأوروبا يتحول لنزيل بدار العجزة

غاب نور الدين العامري مدة طويلة عن الأنظار، منذ أن احترف في فريق برتغالي واعتزل فيه الكرة. حين عاد إلى المغرب لم يتعرف لاعبو النادي القنيطري على زميلهم الذي عاش معهم في الفريق الغرباوي سنوات المجد، فقد تغيرت ملامحه وعجزت قدماه عن حمله..، قبل أن يعلموا، عبر إحدى الصحف، أن نور الدين العامري، اللاعب السابق للنادي القنيطري والمنتخب الوطني الثاني والمنتخب الجامعي، نقل إلى مستشفى مدينة العرائش في وضعية صحية حرجة، بعدما أصيب بالشلل وفقد النطق. علم رفاقه أنه حل بالعرائش بعد أن تم ترحيله من البرتغال، وفي هذه المدينة المغربية أحيل على دار المسنين إثر تدهور حالته الاجتماعية.

قال عميد النادي القنيطري السابق، نور الدين البويحياوي، إنه علم بالخبر من طرف أحد أقارب اللاعب، بعد أن انقطعت صلة العامري بزملائه، وهو ما دفعه إلى زيارته ذات يوم بالمستشفى رفقة بعض اللاعبين القدامى.

لعب العامري للمنتخب الوطني الرديف، وشارك رفقة المنتخب الجامعي في الألعاب الجامعية الدولية بالمكسيك سنة 1979، كما توج رفقة النادي القنيطري بلقب البطولة في مناسبتين، وخاض نهائي كأس العرش في الثمانينات. لفت أنظار فريق برتغالي خلال معسكر للفريق في الديار البرتغالية لينضم إلى البطولة الاحترافية بمدينة لشبونة.

وحسب البيانات المتوفرة لدينا، فإن اللاعب المغربي تزوج في البرتغال وعاش بعد اعتزاله على إيقاع خلافات عائلية رمت به في وحل الضياع، فلم يجد سندا عائليا في محنته بالرغم من الجهود التي بذلها بعض أفراد الجالية المغربية في البرتغال وقدماء “الكاك” الذين أقاموا له حفلا تكريميا حضره نور الدين وهو على كرسي متحرك.

ولأنه لا يتوفر على ملاذ عائلي في المغرب، وجد نور الدين نفسه عرضة للتشرد، قبل أن تتدخل السلطات الأمنية، بمؤازرة من قدماء “الكاك”، وأحالته على مؤسسة الدار الكبيرة للأعمال الاجتماعية ضيفا معززا في جناح خاص تحت مواكبة طاقم طبي متكون من أربعة أطباء زائرين كانوا يتابعون حالته الصحية بانتظام، لكن المرض تسلل إليه وأنهى حياته في مشهد لا يليق بختام لاعب محترف.

 

إحالة مدرب وطني وصحافي رياضي على جناح للمسنين

ليس نور الدين اللاعب الوحيد الذي قضى آخر أيامه في دار رعاية المسنين، بل هناك وجوه رياضية كثيرة عاشت في كنفها وهي تعيش أرذل العمر، على غرار العربي شيشا الذي لا يحتاج، للأمانة، زينة الحياة الدنيا، فله أبناء من زواج مختلط يعيشون الرفاه في فرنسا، وله تقاعد مريح من الحكومة الفرنسية و”مأذونية” يقتات منها عند الحاجة، وكانت له أكثر من التفاتة من مؤسسة محمد السادس للأبطال الرياضيين حين اشتد به المرض، لكن ساقيه رفضتا تحمل جسده المنهك حين أصبحت تنبعث منه شرارة الغضب ضد كل كائن رياضي. كان شيشا أحوج، من أي وقت مضى، للرعاية النفسية، إلى سماع تصفيقات حتى ولو في استوديو تحليلي تثبت وجوده في منطقة الستر والعفاف والغنى عن الناس.

كان العربي يتأهب للانضمام لدار المسنين بسلا، على سبيل الإعارة، الرجل الذي احترف في فرنسا وحمل قميص الفريق الوطني وأشرف على تدريب كبريات الفرق المغربية، أصبح على باب دار الأشخاص الذين انتهت صلاحيتهم، لكن الموت انقض عليه ونجاه من عدسات قناصي الإثارة الإعلامية ونظرات الشامتين.

مات شيشا الذي حمل قميص المنتخب المغربي في عدة مناسبات، وكان من أبرز اللاعبين في المنتخب الأول الذي تشكل في 1957، بقيادة المرحومين العربي بنمبارك وقاسم القاسمي.

احترف الراحل، في منتصف خمسينيات القرن الماضي، في نادي مارسيليا الفرنسي، الذي لعب له أيضا العربي بنمبارك “الجوهرة السوداء” مدة خمس سنوات، وبعد مارسيليا انتقل شيشا إلى فريق ستراسبورغ، وبعده إلى ريد سطار الباريسي.

وبعد هذه التجربة الاحترافية، عاد العربي شيشا إلى المغرب، حيث أشرف على تدريب العديد من الأندية الوطنية، منها حسنية أكادير والجمعية السلاوية والنادي المكناسي ونهضة سطات.

كما درب في السعودية وبلجيكا وسويسرا. وخاض أيضا تجربة في الصحافة الرياضية في جريدة “المغرب” الناطقة باللغة بالفرنسية.

في أيامه الأخيرة، امتطى كرسيه المتحرك، وفي حركاته وسكناته يلعن الكرة المحشوة بالهواء الفاسد التي حولته من نجم إلى اسم ممنوع من الصرف.

 

نزول اضطراري لربان طائرة بدار البر والإحسان

منذ عقد من الزمن حط الطيار محمد صبر بمرقد في دار البر والإحسان بمراكش. كان الرجل، قبل هذا التاريخ، من أمهر الطيارين في السلاح الجوي، قبل أن يغادره صوب الطيران المدني، إلا أن القدر كان يخبئ له نهاية مفجعة، بعد أن تعرض لحادث سير أنهى مساره المهني وحوله إلى أجير سابق يطارد، عبر ردهات مصالح المعاش وحوادث الشغل، تعويضات معطلة وفي أحسن الأحوال مجرد قطرات تكفي بالكاد للبقاء على قيد الحياة.

حكاية النزول الاضطراري للطيار الحزين في مدرج دار تعنى بشؤون المسنين المتخلى عنهم، بدأت بمكالمة هاتفية من محسن يتابع تفاصيل حياة القهر التي دخلها الطيار إثر إصابته بعاهة مستديمة، تفاعلت الإدارة مع القصة المأساوية وانضم بعض المحسنين إلى جهود البحث عن مخرج من الضائقة ولو بتوفير سرير في دار للرعاية، سيما بعد أن هزل معاشه ولم يعد يكفي لإعالته فأضحى معرضا لكل النكبات. “عرضت حكايته على المسؤولين فتمت الموافقة على إيوائه على الأقل لإنقاذه من الضياع، ورغم معاناته الطويلة ظل محافظا على هندامه وطهارته وبعض عاداته كالمطالعة المستمرة”، يقول المدير السابق للمؤسسة.

في دار البر والإحسان تسلح صبر بالشجاعة والصبر وتعايش مع مئات المسنين أغلبهم جاؤوا إلى المؤسسة مكرهين بعد أن كنستهم دورية للشرطة من بؤر المتسولين، خاصة جامع لفنا وكليز، بل أن عدد نزلاء الدار يرتفع بشكل ملحوظ كلما كانت مدينة البهجة تستعد لاحتضان أحد الملتقيات الدولية.

 

لاعب المنتخب المغربي للريكبي عابر في دار المسنين

قدر لمحمد مرحوم، اللاعب الدولي المغربي في لعبة الريكبي، أن يقضي فترة اعتزاله الممارسة الرياضية على سرير في أحد عنابر دار المسنين بالدار البيضاء، إلى جانب عدد من الأشخاص العجزة الذين فقدوا بوصلة الحياة وعانوا من التفكك الأسري، قبل أن يعثروا على سرير ووجبة وحمام في هذه المؤسسة الاجتماعية التي تعنى بالمسنين المتخلى عنهم.

كان يقضي سحابة يومه في رتابة، لا يهرب منها إلا بتفحص صوره القديمة حين كان يصول ويجول في ملاعب الكرة المستطيلة، ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد أجرى البطل عملية جراحية معقدة بإحدى مصحات منطقة عين الشق بالدار البيضاء، حولته من نزيل دار للرعاية إلى نزيل مستشفى للمعوزين.

بدأ مسلسل النكبة حين تلقى مرحوم، بعد اعتزاله، إشعارا بإفراغ السكن العائلي الذي كان يقطنه، وعلم حينها أن والده سجل المسكن العائلي باسم إحدى قريباته، وأن نصيبه من الميراث لقب عائلي وإصابة مرضية موروثة أبا عن جد.

عاش مرحوم لحظات التألق مع نادي أولمبي الدار البيضاء الذي ضمه إلى صفوفه حين التحق بالمنتخب المغربي للشباب وهو حينها عميدا لنادي الشرطة، ففي سنة 1968 تحول إلى بطل لا يقهر وصنفته الصحف موهبة للغد، وبعد سنة حط الرحال مع المنتخب الأول الذي منحه الشهرة، سيما بعد أن شارك يوم 12 أبريل 1969 في مدينة برشلونة الإسبانية في منافسات كأس الأمم التي فاز فيها المغرب في نصف النهاية على ألمانيا قبل أن ينهزم أمام المنتخب الفرنسي في نهائي تاريخي. ومن المفارقات الغريبة في حياة هذا البطل الحزين أنه لعب إلى جوار أسماء تبوأت كرسي القيادة وأصبحت لها مكانتها في وزارة الشباب واتحاد الريكبي المغربي والإفريقي وحتى العالمي، خاصة رئيس الكونفدرالية الإفريقية لهذه اللعبة عزيز بوكجة.

فجأة انتشلته يد رئيس الجامعة الملكية المغربية للريكبي بفضل تدخل من الإذاعي أبو سهل، وأصبح موظفا بمقر الجامعة في مركب محمد الخامس بالدار البيضاء، حيث طوى صفحة العتمة من حياته وتطلع إلى غد جديد.

 

ملوكي.. ضابط في جناح المسنين لتيط مليل

في الجناح الخاص بالمسنين بالمركز الاجتماعي دار الخير بتيط مليل، كان نور الدين ملوكي يقضي يومه على كرسي متحرك آلي أهداه إياه محسن كان ينتمي لسلك الجيش. رجل أسمر الملامح، تغزو وجهه تجاعيد صلبة، ويحتل الشيب جزءا كبيرا من رأس مشبع بالمحن.

 

قال الحارس العام للمؤسسة إن الرجل يملك رقما قياسيا وطنيا في الزواج، حيث يفخر بقرانه من11 امرأة، كان من مضاعفات هذا التعدد غير المسبوق وجود 39 حفيدا إلى غاية كتابة هذه السطور، وهو رقم مرشح للارتفاع.

نور الدين ليس شخصا عاديا، فهو رجل مثقف مدمن على تتبع نشرات الأخبار بهوس الإدمان نفسه الذي رمى به في دار الخير. يغضب سريعا كلما ضرب عطب جهاز التلفزيون وهو الحريص على متابعة آخر تطورات بؤر التوتر في العالم، كيف لا وهو الذي ينصب نفسه خبيرا في الشأن العسكري، وهو المتقاعد من القوات المسلحة برتبة ضابط، وعرف بقدرته على قيادة أصعب الفيالق قبل أن ينتهي به المطاف في فيلق مسنين سقطت منهم النياشين بفعل التقادم والاستهتار بالمسؤولية.

انفصل ملوكي عن الوسط العائلي وارتمى في خلوته الماجنة، يقول مدير المركب الاجتماعي، وحين تم إيداعه هذا الفضاء، بتوجيه من عامل المحمدية السابق، أيقن أن لكل شيء بداية ونهاية. زاره أبناؤه ووعدوه بدخول القفص الذهبي رقم 12، وحين أخلفوا الوعد، غضب نور الدين وانتابته نوبة كآبة انتهت بعطل في الحبال الصوتية حوله إلى كائن عاجز عن النطق والاحتجاج.

 

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى