حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

المنبهي تراجع ليترك الصدارة في طنجة للمولى عبد العزيز

يونس جنوحي

كان موقفا مشرفا ذاك الذي سجله المهدي المنبهي على نفسه، شهر أكتوبر من سنة 1908. وهو الشهر الذي تزامن مع شهر رمضان، الذي كان يتم إحياؤه، في طنجة الدولية، في احتفالات مهيبة. فقد حرص على أن يكون في طليعة من احتفوا بالمولى عبد العزيز، بل وتعامل معه وكأنه لا يزال سلطانا للمغرب.

ورغم الأنباء القادمة من دار المخزن، إلا أن سكان طنجة خرجوا لتحية المولى عبد العزيز، بل وهتفوا بحياته في مشهد مهيب، أثّر في السلطان الشاب الذي فضل الخروج من معركة السلطة خاسرا، على أن يُدخل البلاد في حمام دم كانت بوادره الفعلية قد لاحت في الأفق.

 

هنا طنجة

لم يكن المولى عبد العزيز وحيدا في طنجة.. إذ كانت أسماء أخرى، إلى جانب وزيره المفضل السابق المهدي المنبهي في المدينة نفسها، استقرت في طنجة الدولية، وعلى رأسها صديقاه المقربان، القايد ماكلين ووالتر هاريس.

القايد ماكلين الاسكتلندي، الذي أشرف على تدريب الجيش ووضع «بروتوكول» للحرس الملكي للسلطان المولى الحسن الأول ما بين 1873 و1884، كان هو الآخر ضيفا على طنجة، واختارها لينجو بحياته بعد أن تلاحقت أحداث الاعتداء على الأجانب بمدينة فاس.

أما الصحافي والتر هاريس ففرّ إلى طنجة الدولية بتزامن مع لجوء المهدي المنبهي إليها اختياريا، لينجو بحياته بعد أن أجج وزير المالية، محمد التازي، الناس ضده بسبب اقتراحه على المولى عبد العزيز تبني نظام ضريبي عصري يحاكي النظام الضريبي في بريطانيا.. وهو ما اعتبره الوزير إقحاما لمعاملات «بلاد الكفر» المالية وفرضها على الإيالة الشريفة.

كان السلطان المولى عبد العزيز وجد فعليا نوعا من العزاء، وهو يرى جلساءه ومقربيه السابقين سبقوه جميعا إلى طنجة الدولية.. وهكذا فهو لم يكن، عمليا، وحيدا في خلوته.

 

احتفالات في دار المنبهي

لا يوجد ما يؤكد أن المولى عبد العزيز تردد فعليا على قصر المنبهي باعتباره ضيفا فوق العادة.. ولا يوجد، كذلك، أي دليل في الأرشيف على أن السلطان السابق رفض دعوة من وزيره السابق.. لكن الأكيد أن دار المنبهي لم تكن تخلو نهائيا من الاحتفالات. مواعد أسبوعية ثابتة ضربها المهدي المنبهي لأصدقاء من جنسيات مختلفة، يجتمعون في داره ويحتفي بهم وفق أصول الضيافة المغربية، وعلى رأسهم الوزير المفوض البريطاني، والقنصل الأمريكي وكبار أثرياء طنجة الدولية الأجانب من سكان «جبل الكبير».

كان السلطان المولى عبد العزيز استقر في قصر، سارع إلى ترميم بعض أجنحته لجعلها مقاما لحاشيته ومن جاء معه من فاس، وكان وزيره السابق الحاج الطريس، الذي عمل خليفة للسلطان في طنجة، وتمرس قبل ذلك في «الشؤون البرانية»، أشبه بمستشار للمولى عبد العزيز في منفاه.

ورغم أن الحاج الطريس كان منهكا ومتقدما في السن، إلا أن وثائق الأرشيف البريطاني تؤكد أن المولى عبد العزيز لم يكن يثق في أحد سواه، وكان يطلب أن يختلي به في اجتماعات مغلقة ناقش معه فيها العروض التي جاءته من بريطانيا وفرنسا.. فقد سارع بعض القناصلة إلى مجاملة المولى عبد العزيز واقترحوا عليه أن يؤمنوا له سفرا «سعيدا» إلى بلدانهم، ليستقر فيها.

وبينما كان المنبهي يفتح داره للشخصيات الكبرى في مواعد أسبوعية ثابتة، فإن هذه الكواليس فاتته، إلى درجة أنه تفاجأ عندما علم من القايد ماكلين، وفق ما سجلته مراسلات المفوضية البريطانية في طنجة الدولية، شهر دجنبر 1908، أن المولى عبد العزيز رفض مقترحا من القنصل البريطاني يرمي إلى تمتيعه بجواز سفر وتحمل تكاليف سفره رفقة حاشيته بحرا إلى أي مكان تابع للمملكة المتحدة العظمى، مؤكدا له أنه سيعمل على إبلاغ التاج البريطاني لجعل بلد الإقامة الذي يختاره مريحا قدر الإمكان.. إلا أن المولى عبد العزيز اعتذر بلباقة ولم يقبل عرض القنصل.

هنا بدأ المنبهي يعي أن «الأبهة» التي يحيط بها نفسه والأصدقاء المهمين المحيطين به، لم تكن سوى حظوة ظاهرية، ما دام أن خبرا بهذه الأهمية غاب عنه، وما دام أنه، أيضا، لم يتلق بنفسه عرضا مشابها، عندما كان المخزن يسعى خلفه لمصادرة أملاكه رسميا.

في النهاية اختار المنبهي أن يتراجع عن دور الصدارة الذي كان يحتله، ويعمل على تكريسه في طنجة الدولية، تأدبا مع المولى عبد العزيز، الذي كان وصوله إلى طنجة أشبه ما يكون بانتصار معنوي له، سيما وأن شعبيته كانت كبيرة في أوساط سكان المدينة، رغم أنه لم يعد سلطانا للمغرب.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى