حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

خطبة الكولونيل بلمجدوب قبل المباراة

أحمد فرس.. سيرة حياة

بعد مرور يومين على المقابلة الرائعة ضد منتخب مصر، كان علينا مواجهة منتخب نيجيريا للمرة الثانية خلال تلك البطولة. كنا، في الفريق الوطني، ندرك أن النيجيريين سيحاولون رد الاعتبار لهزيمتهم أمامنا في الدور الأول، لكننا كنا، في الوقت نفسه، نرى أن تحقيق الفوز عليهم سيجعلنا نخطو خطوة كبيرة نحو إحراز اللقب.

جاء اللقاء كما توقعناه صعبا وساخنا جدا، خصوصا أن النيجيريين انخرطوا، منذ الدقائق الأولى للمباراة، في الاعتماد على الخشونة الواضحة للحد من تسرباتنا الهجومية. وبعد انصرام شوط أول بدون تفوق لهذا الطرف أو ذاك، سيفاجأ المنتخب الوطني بهدف مباغت في الدقيقة 50 كان له تأثير سلبي على معنويات مكونات الفريق الوطني.

رغم ذلك كنت واثقا من أن مجهوداتنا لن تذهب سدى أبدا، وبالفعل نجحت في الدقيقة 82 في إدراك التعادل، رافعا من حماس زملائي ومحفزا إياهم على البحث عن تحقيق الفوز فيما كان تبقى من دقائق معدودة من المباراة. لم يتأخر ذلك طويلا، حيث سننجح في إضافة هدف الفوز في الدقيقة 87 بواسطة اللاعب الكزار. كان فوزا هاما جدا منح الفريق الوطني فرصة لعب مباراة النهاية، حيث كان يكفيه التعادل أمام منتخب غينيا للفوز باللقب.

لن أنسى ما وقع بعد نهاية تلك المقابلة، فقد اندفع لاعبو المنتخب النيجيري مباشرة بعد إعلان الحكم عن النهاية، مهرولين وباحثين عن فرص لإيذاء بعض لاعبي الفريق الوطني،  خاصة أنا وزميلي الكزار.. كان واضحا أنهم لم يتقبلوا تلك النتيجة وكان اعتقادهم أننا وحدنا وراء إقصائهم.

جاءت مباراة النهاية كما توقعها العديد من المهتمين والمتخصصين، وجمعت بين منتخبين كانا يعتبران من أحسن الفرق إفريقيا. أتذكر أن الصحافة المواكبة لذلك الحدث كانت تؤكد، في كل المقالات الخاصة بتلك المقابلة، أنها كانت نهاية قوية تجمع منتخبين يضمان أجود لاعبي القارة الإفريقية. فمن جانب الغيني، كان هناك نجوم من العيار الثقيل أبرزهم: شريف سليمان- نجو ليبيا- بتي سوري – كامارا وآخرون. وبالنسبة للفريق الوطني أشارت الصحف إلي بصفتي حاملا للكرة الذهبية، والحارس الهزاز والمدافع العربي أحرضان والزهراوي وغيرهم. كنا نعلم أن المهمة لن تكون سهلة، غير أننا كنا نحمل طموحا كبيرا رغم ذلك.. كان يكفينا التعادل فقط في لقاء سنبحث بكل تأكيد عن تحقيق الفوز ولا  شيء غيره. ولكن أمام فريق كبير من حجم غينيا، كان يجب أخذ كل الحيطة والحذر. كنا منتخبا كبيرا في مواجهة خصم عنيد نعرفه حق المعرفة، فقد واجهه الفريق الوطني قبل ذلك في كثير من المحطات.

مرت استعداداتنا في ظروف جيدة تحضيرا لذلك اللقاء، بالرغم من بعض النقائص التي كانت حلت بالفريق الوطني، سيما الغياب الاضطراري لزميلي حسن عسيلة المصاب، مع استمرار افتقادي للياقتي البدنية المعهودة، بسبب المرض الذي ظل يلازمني طيلة تلك الفترة، خاصة بعد انتهاء المباريات.

مازلت أتذكر صبيحة يوم لقاء النهاية، حين عقد لاعبو الفريق الوطني اجتماعا مع الكولونيل بلمجدوب ومعه المدرب مارداريسكو.. كانت نظرات جميع اللاعبين مصوبة باتجاه أفق واحد لا غير.. التركيز كان حاضرا… ملامح اللاعبين كانت ترسل كل الإشارات التفاؤلية بالرغم من طغيان شيء من التخوف والارتباك الذي يسبق عادة مثل تلك المحطات الهامة.

تكلم مارداريسكو… وتحدث بلمجدوب… الجميع كان يدرك جسامة المسؤولية.. الجميع كان يدرك مدى حجم تلك الانتظارات التي تحملها قلوب عديدة ومتعددة هناك بالمغرب. لن أنسى ما قاله بلمجدوب في آخر خطاب قبل التوجه إلى الملعب:

«اليوم سيتحدد كل شيء.. لن تكون لإنجازاتنا السابقة.. ولا لتضحياتنا أية فائدة إذا خسرنا هذا اللقاء. ابذلوا جهدكم كله اليوم.. وإن لم تحققوا الفوز، فاعملوا، على الأقل، على تفادي الهزيمة».

خلفت تلك الكلمات الموزونة أثرا كبيرا في جميع اللاعبين، وأعادتني لاسترجاع ذلك الشريط المطول الذي قطعناه قبل الوصول إلى هذه المحطة.. كل الصور مرت أمام عيني في تلك اللحظة.. كل العناوين وكل الأحداث والوقائع.. أدركت، حينها، أن الفريق الوطني يستحق فعلا أن يكون البطل وبدون منازع.. لقد قطع أشواطا عديدة لم تكن أبدا مفروضة مفروشة بالورود.. تجاوز العديد من العقبات الشائكة.. ونجح، في كثير من المناسبات وفي الكثير من المقابلات، في أن يصمد ويتجاوز عدة إكراهات وعدة ظروف جد قاسية.. ليصل في ذلك اليوم من أيام شهر مارس من سنة 1976، إلى تلك المحطة الهامة.. وأنا منجذب في تفكيري ذاك، انتصبت أمام عيني صور مشواري ومسيرتي في الفريق الوطني.. لقد حملت القميص الوطني لسنوات عديدة قاربت العشر، عشت خلالها محطات رائعة واجهت فيها كل المشاعر الإنسانية: (سعادة – فرح – قلق – حزن – ألم – كآبة – انتعاشة – تهنئة – عتاب – تعب – راحة).. وغيرها من المشاعر الجميلة والمقلقة التي أتذكرها اليوم بحنين وشوق. عشت تلك الفترة الممتدة من منتصف الستينات إلى حدود ذلك اليوم من سنة 1976، لحظات جد رائعة أعتبرها اليوم، بعد مضي قرابة ثلاثين سنة، من أجمل اللحظات والفترات التي يمكن لأي لاعب كرة القدم أن يحلم بعيشها. كنت سعيدا في الواقع بما عشته من تجارب ومن نجاحات وأنا لاعب في صفوف الفريق الوطني، وسعادتي لم يكن ينقصها في الحقيقة سوى أن أساهم بفعالية في إهداء كرة القدم الوطنية لقبا إفريقيا من قيمة كأس الأمم الإفريقية، كان اللقب الإفريقي، في الواقع، حلما لم تنجح الكرة الوطنية في تحقيقه على مر السنين، وعلى مر تاريخها الرياضي.

في ذلك اليوم من سنة 1976، لم يكن أمام الفريق الوطني لتحقيق ذلك الحلم سوى خطوة واحدة، لقاء واحد وتسعون دقيقة من اللعب فقط. كان الفريق الوطني على مشارف ذلك الحلم، ولأجل تحقيقه كان عليه الصمود أمام منتخب قوي وعنيد، إنه منتخب غينيا. كانت بجعبة الفريق الوطني أربع نقط حققها من فوزين أمام مصر ونيجيريا، فيما لم تكن غينيا تتوفر سوى على ثلاث نقط بعد تحقيقها فوزا واحدا على منتخب مصر وتعادلا أمام منتخب نيجيريا. والحالة تلك لم يكن أمام منتخب غينيا غير تحقيق الفوز أمام الفريق الوطني المغربي إن أراد الظفر باللقب.

مباشرة بعد إعلان الحكم شايو من زامبيا، عن بداية المقابلة، اندفع اللاعبون الغينيون بقوة وبحماس نحو ممارسة ضغط قوي علينا. كنا ندرك ما كان ينتظرنا في تلك المواجهة، وبدوره كان المدرب مارداريسكو يحس كذلك بصعوبة المهمة، خاصة أن الفريق الغيني كان يتوفر على عناصر جيدة، سيما في خط الهجوم. ولأجل ذلك كان أقحم اللاعب ابراهيم كلاوة، زميلي في فريق شباب المحمدية، وكلفه بمهمة حراسة أجود مهاجم لديهم وكان هو اللاعب بتي سوري، حيث نجح إلى حد كبير في مهمته ولم يترك لبتي أي فرصة للتعبير عن مواهبه الكثيرة.

لعب الفريق الوطني بتخطيط دفاعي محكم، لكن، ورغم كل تلك الاحتياطات، نجح الغينيون في إحراز هدف السبق بواسطة نجمهم شريف سليمان في الدقيقة 33. جاء الهدف بشكل مفاجئ وزاد من صعوبة مأموريتنا، خاصة مع طرد السماط من الفريق الوطني ولجوء الفريق الغيني إلى الاعتماد على كل الوسائل غير الرياضية، من قبيل الضرب المباشر والتدخلات العنيفة التي لم تتوقف طيلة مراحل المقابلة، وبالرغم من إشهار الحكم للعديد من البطائق الصفراء استمر إيقاع اللعب على تلك الشاكلة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى