الرأي

الولايات المتحدة وتركيا

ماريا معلوف

تدهورت علاقات تركيا بأمريكا منذ جاء «بايدن» في يناير 2021، خاصة بعد اعترافه بإبادة الأرمن في الحرب العالمية الأولى، ما أثار غضب أنقرة.
وقد كانت الشهور التسعة الماضية من هذا العام حُبلى بالخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، ذلك أن المتتبع لتصريحات الرئيس التركي تجاه الإدارة الأمريكية يتأكد بما لا يدع مجالا للشك أن العلاقة بين الجانبين ليست على ما يرام، خاصة في ظل جملة من التوترات، كدعم أمريكا لمن تسميهم تركيا «الإرهابيين شمالي سوريا»، وأيضا وهو الأهم صفقة «إس-400» مع روسيا، ناهيك عن فرض عقوبات أمريكية على مسؤولين أتراك.
الصفقة الروسية لها تأثير كبير على مستقبل الناتو، فتركيا، التي تتمنى أن تتطور العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة في إطار الصداقة، تعلن كل ساعة أن صفقة «إس-400» بالنسبة إليها ضمن القانون الدولي، وأن قرار إخراجها من برنامج المقاتلة «إف-35» لن يضغط عليها، وتشير إلى أن أمريكا لا بد أن تدفع ثمن ما ارتكبته من أخطاء في أفغانستان، وهي التي -حسب زعم تركيا- تواصل إرسال السلاح إلى «التنظيمات الإرهابية» شرق الفرات، كما كان يفعل دونالد ترامب.
كل هذه التصريحات تعبر عن غضب تركي من الإدارة الأمريكية، حيث إن العلاقات تدهورت أكثر عندما حصلت أنقرة على منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطورة «إس-400»، ما دفع واشنطن إلى تعليق مشاركة أنقرة في برنامج تصنيع طائراتها «إف-35»، وكذلك فإن الإدارة الأمريكية فرضت عقوبات على إدارة الصناعات الدفاعية التركية ورئيسها، إسماعيل ديمير، وثلاثة مسؤولين فيها، عقابا لأنقرة على شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية، في خطوة اعتبرت أنقرة أنها ستضر بالعلاقات مع واشنطن، مشيرة إلى أنها سترد بما يلزم.
في واشنطن، تابعت التساؤل الذي طرح عن سبب عدم حدوث لقاء بين «أردوغان» و«بايدن» على هامش قمة الأمم المتحدة، بعد التنسيق الذي جرى بينهما أخيرا في الملف الأفغاني، ما يدلل على حجم الخلافات بين البلدين، والتي ظهرت بوضوح من خلال تصريحات «أردوغان» الأيام الماضية، والتي قال فيها إن العلاقات التركية الأمريكية «تعيش أسوأ حالاتها في الوقت الراهن».
كل ما سبق يرى فيه معظم المراقبين أن تركيا تريد تدشين مرحلة جديدة تماما، تختلف عن سابقاتها، في تحديد مجال أولوياتها الاستراتيجية، وعلاقاتها الدبلوماسية، بما يخدم مصالحها ويحافظ على أمنها القومي، متجاهلة التحذيرات الأمريكية التي صدرت إليها.
وهنا يرد السؤال: كيف سترد الولايات المتحدة على التصرفات والسياسات التركية؟
بداية قرأنا جميعا ما جاء على لسان مسؤولين في إدارة «بايدن» من تحذيرات لتركيا من القيام بتصرفات تعتبرها واشنطن «غير مسؤولة»، كتلك المرتبطة بزيادة حجم التعاون العسكري مع روسيا، واليوم استبقت الخارجية الأمريكية اجتماع «سوتشي»، بين «أردوغان» و«بوتين»، بتحذير أنقرة من السير قدما في طريق توسيع نطاق تعاونها العسكري مع موسكو، والقيام بشراء أي معدات عسكرية روسية جديدة، كون ذلك من شأنه أن يضعها تحت طائلة عقوبات أمريكية جديدة بموجب قانون «كاتسا»، وهو القانون الذي تم إقراره عام 2017 والمعروف باسم «مواجهة خصوم أمريكا من خلال العقوبات»، وينص تحديدا على فرض عقوبات تلقائية، في حال إقدام دولة ما على إبرام «صفقة كبرى» مع قطاع صناعة الأسلحة الروسية.
في الخلاصة، فإن تركيا في كل تلك الرسائل، التي ترددها على الدوام، تريد تأكيد ما هو راسخ في عقيدة الناتو، بأن موقعها الجغرافي هو أحد أكثر المواقع حساسية وأهمية بالنسبة لحلف شمال الأطلسي، ومن جانبها تعتبر أنقرة نفسها قوة عالمية عظمى، وليست مجرد عضو في الجناح الجنوبي لحلف الناتو، وتلعب تركيا على هواجس الحلف وواشنطن وتعمد إلى ابتزازهما، إضافة إلى هاجس سعي أنقرة لتصبح تركيا نقطة ارتكاز وانطلاق رئيسية في «طريق الحرير الجديد» الصيني، وما يمثله ذلك من مجال تماس -وربما اشتباك- بين المصالح الصينية والمصالح الغربية بكل ما فيها من مكونات «الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو»، ولسنا هنا في وارد استخدام الولايات المتحدة ورقة التدخلات العسكرية كأداة في سياستها الخارجية، كما فعلت مثلا في سياسة الانقلابات بأمريكا اللاتينية وانخراطها في حروب ساخنة ضد الشيوعية خلال الحرب الباردة، ولكن قانون «كاتسا» كفيل بإيقاف تركيا عند حدود لا يمكن أن تتجاوزها، إن أرادت جميع الأطراف بقاء الناتو قوة يحسب لها ألف حساب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى