
في أعماق غابات ريدوود العتيقة شمال ولاية كاليفورنيا، حيث تمتد الأشجار العملاقة شاهقةً في السماء وتخيم عزلة طبيعية يصعب اختراقها، يوجد مكان لا يشبه أي موقع آخر على وجه الأرض. هناك، داخل مخيم خاص شديد الحراسة يمتد على مساحة تقارب 2700 فدان (حوالي 1100 هكتار)، تتلاقى نخبة الرجال الأقوى نفوذا في السياسة والاقتصاد والإعلام والفنون، بعيدا عن أعين العالم. المكان يُعرف باسم بوهيميان غروف، وهو موقع أثار لعقود طويلة مزيجا من الفضول والرعب ونظريات المؤامرة.
سهيلة التاور
بوهيميان غروف (البستان البوهيمي) يمتد على مساحة تبلغ نحو 1100 هكتار في غابات ريدوود العتيقة شمال ولاية كاليفورنيا، فيما يقع مقره الإداري بمدينة سان فرانسيسكو، ويصنف البستان على أنه ملكية خاصة.
لا يظهر على أي خريطة، ويسيطر عليه حوالي 2000 رجل من الأغنياء في العالم، الذين لا تقل ثروتهم عن 100 مليار دولار للواحد.
الوصول إلى هذه المنطقة محدود جداً ويخضع لرقابة مشددة، والدخول إليها يتم عبر مجموعة من الأعضاء الذين ينتظرون 20 سنة للحصول على تصريح، ما يجعلها ثاني أقوى منطقة من نوعها في الولايات المتحدة بعد المنطقة 5010.
المنطقة مراقبة باستمرار تقريباً طوال اليوم، مع وجود مراقبين خاصين وفريق أمني تكلفته أكثر من 5 ملايين دولار سنوياً.
وهناك قاعدة صارمة تمنع الرئيس دونالد ترامب أو أي رئيس لأمريكا من الدخول إلا مرة واحدة في السنة، وحتى في تلك الحالة، يجب الالتزام ببروتوكولات محددة، ولا يدخل كرئيس بل كعضو كباقي الأعضاء.
كل شهر يوليوز، يجتمع الرئيس مع حوالي 2000 من الأشخاص الأكثر نفوذاً في العالم في جلسة تستمر أسبوعين، حيث تُمنع الهواتف والكاميرات والرسائل بالكامل، دون أي تدخل أو تحقيق من الحكومة.
فعلى مدى أسبوعين من كل صيف، يتحول هذا المخيم إلى ملتقى مغلق لا يُسمح بدخوله إلا لأعضاء مختارين بعناية، معظمهم من كبار صناع القرار في الولايات المتحدة والعالم. فمنذ عام 1923، انضم جميع الرؤساء الأمريكيين الجمهوريين تقريبًا إلى هذا النادي، بدءًا من دوايت أيزنهاور مرورًا بريتشارد نيكسون ورونالد ريغان، وصولًا إلى أفراد من عائلة بوش الذين حافظوا على حضورهم القوي داخله عبر الأجيال.
لكن بوهيميان غروف لم يكن مجرد منتجع صيفي للنخبة، إذ تشير مصادر تاريخية إلى أن التخطيط الأولي لمشروع مانهاتن، العملية السرية التي قادت إلى تطوير القنبلة الذرية، وُضع داخل هذا الموقع عام 1942. ومنذ تأسيسه، في أواخر القرن التاسع عشر، ارتبطت الغابة أيضًا، وفق العديد من الروايات، بصفقات سياسية وتجارية كبرى ساهمت في تشكيل مسار التاريخ الحديث.
من تجمع فني إلى ناد للسلطة العالمية
تعود جذور الجمعية إلى عام 1872، عندما أسسها ممثل مسرحي في كاليفورنيا. وعندما قرر الانتقال إلى نيويورك، أقام أصدقاؤه حفل وداع له داخل غابات ريدوود، حيث تجمع نحو مئة فنان وموسيقي، احتفلوا بالغناء والشراب تحت أضواء الفوانيس اليابانية.
تحول هذا الحدث إلى تقليد سنوي، ومع شراء الموقع الحالي عام 1899، بدأ النادي في جذب رجال الأعمال الأثرياء الذين ساهموا في تمويله وتوسيع نطاقه. ومع مرور الوقت، أصبحت قائمة الأعضاء تضم شخصيات سياسية واقتصادية بارزة، بينما اقتصر دور الفنانين على الترفيه عن النخبة.
نخبة العالم داخل الغابة
تشمل قائمة أعضاء بوهيميان غروف أسماء لامعة من رؤساء الولايات المتحدة، مثل روزفلت وفورد، وهوفر وبوش الأب والابن، إضافة إلى شخصيات مؤثرة، مثل هنري كيسنجر وكولن باول، وديك تشيني وعدد كبير من كبار العسكريين وصناع القرار.
وضمت القائمة، كذلك، شخصيات ثقافية وفنية بارزة، مثل مارك توين وكلينت إيستوود، وبينغ كروسبي وتشارلتون هيستون. وتبدأ رسوم الانضمام إلى النادي من 25 ألف دولار، تليها رسوم سنوية مرتفعة.
ويظل النادي مخصصًا للرجال فقط، حيث يُسمح للنساء بالدخول ضيفات بشرط مغادرة الموقع قبل الساعة العاشرة مساءً، وهو تقليد أثار جدلًا واسعًا حول طبيعة الثقافة السائدة داخله.
طقوس النار والبومة.. المسرح الغامض للنخبة العالمية
في قلب المخيم، وعلى حافة بحيرة اصطناعية هادئة، يقف تمثال ضخم لبومة يبلغ ارتفاعه نحو أربعين قدمًا. هذا التمثال ليس مجرد عنصر زخرفي، بل يُعتبر محورًا لطقوس سرية تُقام في الليلة الأولى من الاجتماع السنوي للنادي، وهي طقوس تُعرف باسم «حرق الهموم».
تبدأ المراسم بعد حلول الظلام، حيث يعبر قارب صغير البحيرة حاملاً تمثالًا بشريًا يُسلَّم إلى مجموعة من الأشخاص الملثمين الذين ينتظرون عند قاعدة تمثال البومة، برفقة كاهن أعلى رتبة. يوضع التمثال عند المذبح قبل إشعال النار فيه وسط عرض درامي تتخلله مؤثرات صوتية مرعبة تصدر من مكبرات صوت مخفية داخل التمثال المجوف، إلى جانب ألعاب نارية تزيد المشهد إثارة.
يُقال إن هذه الطقوس ترمز إلى التخلص من ضغوط الحياة ومسؤولياتها الثقيلة، بما يسمح للأعضاء بقضاء فترة المخيم بحرية تامة. ورغم أن النادي يؤكد الطابع الرمزي لهذه المراسم، إلا أن المشهد الذي يظهر فيه قادة عالميون وهم يقدمون ما يشبه قربانًا بشريًا وسط غابة مظلمة، ظل سببًا رئيسيًا في تصاعد الشكوك حول طبيعة هذه الاجتماعات.
رمزية البومة.. من الحكمة إلى الأساطير المظلمة
البومة ليست مجرد تميمة للنادي، بل أصبحت عنصرًا رمزيًا يثير الكثير من التكهنات. إذ يشير بعض منظري المؤامرة إلى أن رمز البومة يظهر مخفيًا في الزاوية اليمنى العليا من ورقة الدولار الأمريكي فئة الواحد دولار، إلى جانب الرقم «1».
وبينما ترمز البومة تقليديًا إلى الحكمة والمعرفة، يربط بعض الباحثين في الأساطير بينها والإلهة الأسطورية ليليث، التي تُصوَّر أحيانًا على هيئة بومة، ويزعمون أن هذا الرمز يحمل دلالات غامضة تتعلق بالمعرفة السرية والسلطة الخفية.
اقتحام الأسرار.. حين تسلل الصحافيون إلى قلب الغابة
في يوليوز عام 2000، تمكن الإعلامي الأمريكي أليكس جونز من التسلل إلى المخيم وتصوير الطقوس سرًا، قبل أن ينشر فيلمًا وثائقيًا بعنوان «أسرار مظلمة داخل بستان بوهيميا». وصف جونز ما شاهده بأنه طقوس شبه وثنية تهدف إلى التخلص من الضمير وإساءة استخدام السلطة.
هذا التسجيل ألهم موجة من نظريات المؤامرة المتطرفة، من بينها مزاعم بأن القرابين النارية ربما لم تكن دائمًا مجرد دمى، بل بشرًا حقيقيين. واستندت هذه الادعاءات إلى صور قديمة يُقال إنها التقطت في بدايات تأسيس الجمعية، تظهر طفلًا مربوطًا على طاولة ودمية بشرية واقعية تنتظر تنفيذ ما يشبه حكم إعدام رمزي.
شهادات من الداخل.. بين الاشمئزاز والفضول
لم يكن الفضول تجاه بوهيميان غروف مقتصرًا على منظري المؤامرة فقط، بل امتد إلى صحافيين تمكنوا من الدخول إلى المخيم بطرق مختلفة. ففي عام 1989، نجح الكاتب فيليب وايس، من مجلة «سباي»، في دخول الموقع متخفيًا كضيف. ووصف، في مقالته، تجربته قائلاً إن الزائر قد يسمع موسيقى البيانو وسط الغابة، ثم ينعطف ليجد رجالًا يشربون البيرة ويتصرفون بسلوكيات فوضوية وصادمة.
حتى الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، الذي كان عضوًا في النادي، وصف في تسجيلات فضيحة ووترغيت التجربة بأنها «أكثر شيء مثير للاشمئزاز يمكن تخيله».
شهادات عاملين عن الحياة اليومية داخل المخيم
تكشف شهادات بعض العاملين الموسميين داخل المخيم تفاصيل مختلفة عن حياة الأعضاء. فقد ذكر موظف سابق في مطعم النادي أن العديد من الأعضاء كانوا يقضون معظم وقتهم في حالة سُكر، وأن بعضهم كانوا يتبولون على الأشجار بدل استخدام المرافق الصحية، حتى إن إحدى الأشجار تحولت إلى مرحاض مؤقت يُعرف باسم «شجرة التبول».
وأشار الموظف إلى وجود شائعات حول استقدام مومسات إلى المخيم، إضافة إلى ملاحظته لسلوكيات تفاخرية لبعض الأعضاء الذين كانوا يتحدثون علنًا عن امتيازاتهم ونفوذهم العالمي.
وتحدث الموظف ذاته عن مواقف غريبة، مثل طلب أحد الأعضاء تناول جراد البحر على الإفطار، أو توقف مسؤولين كبار عن الحديث فجأة عند اقتراب العاملين، ما زاد من الشعور بأن الكثير من النقاشات داخل الغابة تبقى بعيدة عن أعين العالم.
الغابة بين الواقع والأسطورة
رغم كل ما يحيط ببوهيميان غروف من غموض، تبقى الحقيقة معقدة ومتداخلة. فبالنسبة للبعض، يمثل الموقع مجرد منتجع صيفي للنخبة يسمح لهم بالاسترخاء بعيدًا عن ضغوط السلطة. أما بالنسبة لآخرين، فهو مساحة تُصنع فيها القرارات المصيرية بعيدًا عن الرقابة العامة.
وفي ظل غياب الشفافية الكاملة، يستمر بوهيميان غروف في إثارة التساؤلات حول طبيعة العلاقات بين المال والسلطة، وحول ما إذا كانت هذه الغابة الهادئة تخفي وراء أشجارها العملاقة أسرارا قد لا يعرفها العالم أبدا.





