
تتجه أنظار عالم كرة القدم الإفريقية إلى قلب العاصمة التنزانية دار السلام، التي سيعقد بها اجتماع استثنائي للجنة التنفيذية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بعد غد الجمعة. هذا الاجتماع الذي دعا إليه الجنوب إفريقي باتريس موتسيبي، رئيس «الكاف»، ليس مجرد لقاء روتيني؛ بل هو رد فعل عاجل على واحدة من أكبر الفضائح في تاريخ البطولات القارية، تلك التي شهدها نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 بين السينغال والمغرب. أحداث النهائي، التي تحولت من احتفال رياضي إلى فوضى عارمة، كشفت عن تصدعات عميقة في هيكل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، مما يجعل هذا الاجتماع نقطة تحول محتملة قد تغير وجه كرة القدم في القارة السمراء.
في هذا الروبورتاج الخاص نستعرض الخلفية والدور المحوري للنهائي المغربي السينغالي في دفع التغييرات، وكل نقطة مرتقبة في جدول الأعمال.
سفيان أندجار
مع تصاعد الغضب من الاتحادات الوطنية والجماهير، يأتي الاجتماع وسط توقعات بقرارات جذرية. غرامات تجاوزت المليون دولار أمريكي، إيقافات للاعبين ومدربين، وانسحابات محتملة – كل ذلك وضع «الكاف» أمام اختبار مصداقيته. «هذه ليست مجرد مباراة خسرناها، بل فرصة لإعادة بناء الثقة»، إذ إن نهائي «الكان» كان «القشة التي قصمت ظهر البعير».
خلفية الأزمة.. الملعب إلى الفوضى
كان يوم 18 يناير 2026 تاريخا سيُخلد في سجلات كرة القدم الإفريقية، ليس للإثارة الرياضية، بل للفوضى التي اجتاحت ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط. تحت أمطار غزيرة غمرت الملعب، واجه «أسود الأطلس» المغاربة «أسود التيرانغا» السينغاليين، في نهائي كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025. المباراة، التي انتهت بفوز السينغال بهدف لصفر، بعد وقت إضافي، تحولت إلى كابوس عند الدقيقة 90+8، حين منح الحكم الكونغولي جون جاك ندالا ضربة جزاء للمغرب، بعد تدخل مثير للجدل على إبراهيم دياز من قبل اللاعب السينغالي، الحاجي ماليك ديوف. قرار جاء بعد مراجعة تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، أثار غضبا عارما في صفوف السينغاليين.
في لحظة درامية، أمر المدرب السينغالي باب ثياو لاعبيه بالانسحاب إلى غرف الملابس احتجاجا، مما أوقف المباراة لأكثر من 17 دقيقة. خارج الملعب، اندلعت مواجهات بين مشجعي السينغال وقوات الأمن أسفرت عن إصابات طفيفة واعتقال 18 شخصا. عاد اللاعبون السينغاليون أخيرا، لكن إبراهيم دياز أهدر ضربة الجزاء بأسلوب «بانينكا»، قبل أن يسجل باب غوي هدف الفوز للمنتخب السينغالي في الدقيقة 105. «كانت ليلة سوداء لكرة القدم الإفريقية»، يصفها باتريس موتسيبي في تصريح رسمي، مضيفا أنها «غير مقبولة وتضر بسمعة القارة بأكملها». هذه الأحداث لم تكن حوادث معزولة؛ بل كشفت عن فشل إداري متراكم، مما دفع «الكاف» إلى فرض عقوبات فورية، لكنها لم تكن كافية لتهدئة العاصفة.
عقوبات حديدية لقمع الانسحابات
في قلب جدول أعمال الاجتماع، تأتي مراجعة اللوائح التأديبية، خاصة تلك المتعلقة بالانسحاب، أو الانسحاب الجزئي من المباريات. حاليا، يعاقب الاتحاد الإفريقي لكرة القدم مثل هذه الحوادث بغرامات وإيقافات محدودة، كما حدث مع السينغال التي دفعت 615 ألف دولار، مع إيقاف المدرب باب ثياو لخمس مباريات ولاعبين آخرين. لكن موتسيبي يدعو إلى عقوبات «أقوى وأكثر ردعا»، وفقا لمصادر مطلعة داخل «الكاف». اقتراحات تشمل إيقافات طويلة الأمد تصل إلى موسم كامل، أو حرمان الفرق من المشاركة في البطولات المستقبلية، لمنع تكرار «الانسحاب السينغالي» الذي وصفه وليد الركراكي، مدرب المنتخب المغربي لكرة القدم، بـ«المشين والمضر بالروح الرياضية».
هذا التعديل يأتي في سياق تاريخي مليء بالجدل، مثل حوادث نهائي بطولة أمم إفريقيا 2021 بين مصر والسينغال، أو 2015 في غينيا الاستوائية، لكن نهائي «كان 2025» كان الأكثر فوضى. المناقشة ستشمل أيضا آليات التعامل مع الاحتجاجات على الملعب، مثل تعزيز دور الحكام في السيطرة الفورية، وفرض غرامات تلقائية على الاتحادات الوطنية. «نحتاج إلى نظام يحمي اللعبة من الانهيار»، يؤكد موتسيبي، الذي ينوي فتح الباب لمقترحات الأعضاء لجعل اللوائح أكثر شمولا.
مستقبل بطولة السيدات 2026
نقطة حساسة أخرى هي مصير كأس أمم إفريقيا لكرة القدم للسيدات، المقرر تنظيمها في المغرب من 17 مارس إلى 3 أبريل 2026. شائعات متزايدة تفيد بانسحاب الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ربما كرد فعل على عقوبات نهائي بطولة أمم إفريقيا «المغرب 2025»، أو ناتج عن جدول زمني مزدحم. تقارير من جنوب إفريقيا أشارت إلى استعدادها للاستضافة البديلة، لكن «الكاف» نفى ذلك جزئيا، مؤكدا أن المغرب لا يزال المستضيف الرسمي لـ«كان» السيدات. إن حدث الانسحاب سيكون سابقة تاريخية، خاصة أن المغرب استضاف النسختين السابقتين (2022 و2024) بنجاح.
المناقشة ستتركز على أسباب التراجع، أو طلب التأجيل مثل التوترات، مع ترشيح جنوب إفريقيا، أو نيجيريا كخيارين أوليين. هذا القرار يؤثر مباشرة على تأهيلات كأس العالم للسيدات 2027، مما يجعله حاسما لتطوير كرة القدم النسائية في إفريقيا. «لا يمكننا السماح بفقدان مثل هذه الفرص»، يحذر مسؤول في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، مشددا على ضرورة حل الخلافات سريعا.
ثورة في التحكيم.. من الفشل إلى الإصلاح
سيحتل التحكيم وتقنية ««VAR مكانا بارزا في المناقشات، بعد انتقادات لاذعة وجهت إلى «الكاف»، عقب نهائي كأس أمم إفريقيا 2025. قرارات مثل إلغاء هدف السينغال، ومنح ضربة الجزاء للمغرب أثارت اتهامات بالتحيز، خاصة مع فشل ««VAR في ضمان الشفافية. تاريخيا، عانت البطولات الإفريقية من مشاكل مشابهة، كما في دورات سابقة، حيث أدت التقنية إلى «فضائح» وصفتها الصحافة بأنها «أسوأ في تاريخ الكرة القارية».
موتسيبي يخطط لمراجعة بروتوكولات «VAR»، بما في ذلك تدريب مكثف للحكام وزيادة عددهم المعتمدين، بالإضافة إلى تدابير لمنع التدخلات غير الشرعية في غرفة المراجعة. اقتراحات تشمل استخدام تقنيات متقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي لمساعدة الحكام، لتجنب التكرار. «التحكيم هو عماد العدالة، ويجب إصلاحه فورا»، يقول حكم دولي سابق، محذرا من أن الفشل قد يؤدي إلى فقدان الثقة الجماهيرية.
دعوات لثورة حقيقية
يشارك خبراء مثل الإنجليزي ريو فيرديناند في الجدل، مؤكدا أن «مصداقية الكرة الإفريقية معرضة للخطر». رئيس الوزراء السينغالي، عثمان سونكو، وصف الحوادث بـ«المؤسفة وغير الرياضية»، بينما تغريدات على منصة «X» تعكس غضبا عاما، مع ملايين المشاهدات.
ويتابع عشاق كرة القدم الإفريقية الاجتماع بأنفاس محبوسة، آملين في قرارات تعيد الاستقرار، لكن في حال حدوث العكس ولم يسفر الاجتماع عن أي جديد، فإن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم سيكون عرضة للانتقادات اللاذعة، في ظل عدم الرضا الكبير من لدن الاتحادات الكروية عن ضعف الترسانة القانونية لـ«الكاف»، وفشله في احتواء الأزمات.





