حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسية

خطاب لرأب الصدع

د خالد فتحي

 

فعلا لم نعد ندري على أي رجل نرقص مع بعض الأبواق الجزائرية، فكلما دعا الملك النظام الجزائري إلى نبذ الخلافات أو تجميدها، وفتح الحدود استجابة لنداء الدم والدين والتاريخ والمصير المشتركين، إلا وأصرت على مواصلة العداء، وراحت تلوم المغرب من خلال سردية جديدة تنتقد عودة علاقاته مع إسرائيل باعتبارها تهديدا لأمن شمال إفريقيا، وهي سردية متهافتة لعلمها أن قرار المغرب ذاك سيادي، وأن هناك دولا مطبعة مع إسرائيل تقيم معها الجزائر علاقات ودية، مثل مصر والإمارات والأردن والبحرين وتركيا إلخ.

لقد عادت مكشوفة للجميع حاجة النظام الجزائري إلى هذا الصراع المفتعل، لافتقاده سياسة مغايرة يستطيع بها قمع المطالب في الداخل وتأجيلها، بعد أن استثمر الكثير وتورط في صناعة عدو من خياله هو المغرب، بل، وبعد أن تحول الآن إلى ترسيم هذا العداء كعقيدة ثابتة لدى الجزائريين من خلال الإعلام ووسائل التنشئة الاجتماعية قطعا لخط الرجعة بين الشعبين، مرددا ومروجا للأحقاد وللضغينة، وفي تصلب غريب على مواقف بالية جدا لم تعد تعبأ بها الأجيال الحالية.

ومن ضمن ما يدفع به نظام العسكر لتجاهل اليد الممدودة لصاحب الجلالة للمرة السبعين، كونه يدعي أنه ينتظر من المغرب أفعالا لا أقوالا، متناسيا أن المغرب عبر دائما عن حسن نيته، بل وعرض مساعدته أخيرا خلال موجة الحرائق الجزائرية، رغم قطع العلاقات، وأن الملك اقترح منذ زمان إحداث خلية مشتركة بين البلدين لحلحلة الوضع بينهما انطلاقا من المدخل الاقتصادي، ولم يلق تفاعلا ولا تجاوبا، زيادة على أن المغرب توجه مرار للجزائر للتطبيع معها، قبل أن يقرر استئناف علاقاته مع إسرائيل.

إنه لم يخل أي خطاب للعرش ألقاه الملك من اللين والرفق في دعوة الجزائر لأجل حسن الجوار، وقد فعل ذلك، رغم أنها ترعى البوليساريو على أرضها، جاعلة منها مخلبا موجها إلى المغرب، وأنها تنفرد بالخروج على الإجماع العربي والإسلامي بخصوص قضية الصحراء المغربية، وتسعى إلى دولة سادسة بالمغرب العربي ضدا على تشدقها بالخطاب الوحدوي، معرضة بذلك منطقتنا لشرور الانفصال والإرهاب والتفكيك والتبعية الدائمة.. الخطاب الأخير يندرج ضمن هذه السيرورة، وهو خطاب رصين متعال على الحزازات، ينضح بالنبل والسمو والرقي الذي درج عليه ملوك المغرب، يدعو من خلاله الملك الجزائر إلى التفاوض والحوار، الذي يحفظ ماء وجهها أيضا لبناء المنطقة المغاربية معا.

بهذه الدعوات المتكررة، يكون المغرب قد أراح ضميره، وقام بواجبه تجاه الشقيقة الجزائر، وبرأ ساحته أمام الشعوب المغاربية والعربية والمسلمة والمنتظم الدولي، وأشهد الله والتاريخ على الجهة المتسببة في عرقلة قطار الوحدة المغاربية وإضاعة الفرص التاريخية لشعوبنا، بل إن الملك قد أمعن، وهو محق في ذلك، في مراعاة واجب الجورة والتقيد بأخلاق الإسلام التي حتمت عليه أن يبدد في خطابه أية مخاوف يتوجس منها جاره الشرقي، ولو كانت متخيلة أو من قبيل المزايدة والتخاوف لا غير، فطمأنه بأن الشر لن يأتيه من المغرب، وأن المملكة لن تكون بأية حال من الأحوال البادئة بالظلم. وهو صادق في ذلك أيضا، ما دام أنه سيكون من العمى الاستراتيجي أن يلهب المغرب حدوده الشرقية، تحت أي ظرف أو ضغط من الضغوط.

إن المغرب لمن لا يعرف، لا يتسلح إلا مجاراة لسباق التسلح الجزائري، حفاظا منه على السلام ودرءا لأي مغامرة متهورة تنتج عن اختلال للتوازن العسكري، فهو يتسلح إذن صونا لوحدته، لا تبييتا لهجوم على أشقائه مهما جار وتنكر له هؤلاء الأشقاء.

إنه إذا ما ربطنا بين أجزاء الخطاب الملكي الذي تطرق أيضا إلى التحديات الداخلية، وحث المغاربة على التمسك بالجدية، استعدادا لإقلاع اقتصادي وشيك، ينتظر أن يشكل طفرة تاريخية في مسيرة المغرب، فإننا سنستنتج أن الضغينة والكيد للجيران ليسا شغلا للمغرب، بل هو منهمك في ترتيب قفزته الاقتصادية والإقليمية لربح معركة التنمية والتقدم التي تحظى لديه بالأولوية القصوى، وهو ما سيكون في صالح الجزائر أيضا، لو رأى حكامها أبعد من أنوفهم.

لقد وصف الملك العلاقات الحالية بين المغرب والجزائر وصفا دقيقا، حين قال عنها إنها علاقات مستقرة، أي أنها لا تعرف لا تصعيدا ولا تحسنا، ولا تشهد لا مدا ولا جزرا، كأنه يضرب صفحا عن الملاسنات والمزايدات التي تقوم بها بعض الجهات التي ترمي بالحطب في النار، أو لكأنه ينبئنا بكل ترفع وشموخ أنه لا يرى ولا يلتفت لهذه الضغائن، فلا يعاتب عليها، كي تذوي، ولا تزيد في تفاقم الوضع.

إن خطابه هذا ليصب الماء صبا على النار ليخفف غلواء التشدد الجزائري، وليساعد حكام المرادية على استرجاع البصيرة والصواب.

لكن يجب أن نفهم أنه حين يخفض الملك الجناح، ويدعو تبون بالموعظة الحسنة إلى الانتصار لمصلحة الشعبين المغربي والجزائري، ويطالبه بصفحة جديدة، فهو يبرهن عن حسن نية بالغ، وعن شجاعة لا مثيل في المبادرة لحل جريء مفارق لحالة الركود التي تغذيها الجزائر لملف الصحراء المغربية.

 

نافذة:

لم يخل أي خطاب للعرش ألقاه الملك من اللين والرفق في دعوة الجزائر لأجل حسن الجوار وقد فعل ذلك رغم أنها ترعى البوليساريو على أرضها

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى