حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

ذكريات أجدادنا مع السيول والفيضانات….. قرون من قساوة الشتاء وتعطل الحياة المغربية

 

يونس جنوحي

عندما جاء المهندسون الفرنسيون إلى المغرب قبل 1912، تأكد لهم أن الحل الوحيد لتأسيس حياة إدارية حقيقية بين المغاربة، لن يتم نهائيا إلا ببناء القناطر للتفوق على السيول والأمطار.

أخبار ضحايا الفيضانات في المغرب كانت تتكرر في مواسم الشتاء، حتى أن بعض الوديان الشهيرة، ما بين طنجة والعرائش، وما بينها وبين فاس شرقا، كانت تشل الحركة في وسط المغرب تماما.

كانت منطقة بين الويدان أول منطقة مغربية خصها الفرنسيون بدراسة معمقة لبناء سد، خلال بداية الخمسينيات، للتقليل من حدة السيول الجارفة، خلال فصل الشتاء.. ثم توالت القناطر والسدود على مر السنين.. لكن مآسي الفيضانات، لم تفارق تاريخ المغاربة، وحاضرهم أيضا!

 

++++++++++++++++++++++++++++++

 

ذكريات مغربية أليمة مع الفيضانات والسيول قبل أربعة قرون

عندما تبحث في «الاستقصا»، تجد أخبار الفيضانات والسيول موزعة بنوع من «العدل» فوق خريطة السنوات المغربية، التي اعتمدها المؤرخ المغربي الشهير الناصري. فهذا المؤرخ المغربي الذي عاش حياته ما بين سنتي 1835 و1897، عاش حياة موازية أرخ فيها لتاريخ المغاربة على امتداد قرون، منذ وصول الإسلام إلى حين وفاة المولى الحسن الأول.

يقول متحدثا عن سيول 1606، والتي كانت واحدة من أقسى تجارب الشتاء في تاريخ المغرب:

«في شعبان من السنة المذكورة كان سيل أعظم من الأول تهدمت منه الدور والحوانيت وتهدم سد الوادي بفاس على وثاقته وإحكامه، وهذا السد هو الذي كان جدده السلطان أبو العباس أحمد الوطاسي، ثم جدده المنصور في هذه المرة من أحباس القرويين».

وفي السنة التي قبلها، كان الشتاء عنيفا، ووصفه الناصري بقوله: «وفي سنة خمس عشرة وألف في ثاني جمادى منها جاء بفاس سيل عظيم، حتى غمر دور عمل الفخارين، وذهب ببعض أنادر الزرع وحمل أمة من باب الفتوح فماتت.

وفي سنة اثنتين وعشرين وألف -أي 1614 ميلادية- حدث الشر بفاس ووقع الغلاء، حتى بيع القمح بأوقيتين وربع للمد وكثرت الموتى، حتى أن صاحب المارستان أحصى من الموتى من عيد الأضحى من سنة اثنتين وعشرين وألف إلى ربيع النبوي من السنة بعدها أربعة آلاف وستمائة، وخربت أطراف فاس وخلت المداشر، ولم يبق بلمطة سوى الوحوش.

وفي خامس شعبان من السنة المذكورة نزل برد عظيم قدر بيض الدجاج وأكبر وأصغر ورئي حجر عظيم منها نزل على خيمة فخرقها، وفر أهلها عنها، وبقي لم يذب نحو ثلاثة أيام».

وفي فترة أخرى من فترات التاريخ التي تطرق إليها الناصري، فترة حكم أبناء المولى إسماعيل، والتي تميزت بالصراع على الحكم بينهم وبين أبناء إخوانهم، يقول:

«وفي سنة أربع وعشرين وسبعمائة وألف، كانت المجاعة بالمغرب وارتفعت الأسعار في جميع البلاد، فبلغ المد من القمح بفاس خمسة عشر درهما والصحفة منه تسعين دينارا، وغلا الإدام وعدمت الخضر بأسرها، وكسى السلطان أبو سعيد وأطعم في هذه المسغبة شيئا كثيرا، ودام ذلك إلى قرب منتصف السنة بعدها وفيها في يوم الثلاثاء ثالث عشر رمضان منها نشأ خارج فاس من جهة جوفيها سحاب عظيم وظلمة شديدة ورياح عاصفة، أعقب ذلك برد كثير عظيم الجرم تزن الواحدة منه ربع رطل وأقل وأكثر ونزل في خلاله مطر وابل، جاءت منه السيول طامية حملت الناس والدواب وأهلكت جميع ما بجبل «زالغ» من الكروم والزيتون وسائر الشجر. وفي سنة خمس وعشرين بعدها ليلة الجمعة السادس والعشرين من جمادى منها دخل السيل العظيم مدينة فاس، وكاد يأتي عليها، بحيث هدم الدور والمساجد والأسواق وأهلك آلافا من الخلق حتى خيف على البلد التلف».

 

 

عمليات 1914 العسكرية بالجنوب كادت تتأخر بسبب السيول

من يشهد للباشا التهامي الكلاوي، وأخيه الأكبر المدني الكلاوي، زعيم قبائل الأطلس والقائد الفعلي للجيش الذي ساعد فرنسا على التوغل في نواحي مراكش وصولا إلى ورزازات، بالزعامة والاستماتة وقهر المرتفعات، غير الفرنسيين؟

عندما جاء الجنرال «داماد» والآخر «دوغان»، في إطار الحملة الواسعة لاحتلال نواحي مراكش وتأمين منطقة الأطلس وإخضاع قبائلها عسكريا، كان أكبر تحد واجه الجيش الفرنسي، عبور الوديان.. ورغم أن أغلب فترات الحملة لم تتخللها الأمطار، إلا أن عبور الوديان، بالمعدات العسكرية، شكل أكبر تحد أمام جنرالات فرنسا.

الحملة التي امتدت من 1914، وصولا إلى سنة 1933، تخللتها فصول شتاء قاسية زادت من تعقيد مهمة الجيش الفرنسي.

فقد حدث سنة 1923، أن تعرض الجيش الفرنسي لهزيمة شنيعة، رغم مساندة التهامي الكلاوي – كان أخوه الأكبر المدني قد توفي سنة 1918- والسبب هو السيول.

فقد جرفت السيول عشرات صناديق من الذخيرة، أثناء عبور الجنود لأحد الوديان المتاخمة للأطلس. وهو ما جعل وحدات الجيش الفرنسي «عارية تماما» في الميدان أمام مقاتلي القبائل الثائرة ضد فرنسا، ومع تأخر وصول الإمدادات من الدار البيضاء لأزيد من أسبوع في انتظار أن ينخفض منسوب مياه الوديان، كان الجيش الفرنسي قد تكبد خسائر في الأرواح.

أحد الذين دونوا هذه التفاصيل، هو الصحافي والملحق العسكري غوستاف بابين.

واعتبر التهامي الكلاوي، حسب بابين دائما، أن بذل أرواح العائلة من أجل فرنسا، كان أكبر دليل على أن عائلة كلاوة تستحق فعلا أن تتربع على عرش القوة العسكرية في المغرب، مستغلا الفراغ الكبير الذي تركه غياب جيش مغربي نظامي قوي قادر على تمثيل البلاد عسكريا في تلك الأحداث، وهو ما يبرر القولة التي نطق بها القائد أوشطو، بنبرة حزن إضافية عندما قال إنه حزين، لأنه فقد أحد أعز أقاربه من أجل فرنسا، «متيقنا أنه كان يقوم بخدمة المخزن وليس فرنسا».

كانوا يقاتلون من أجل «المخزن»، هكذا كان يبرر القواد الذين حاربوا إلى جانب فرنسا وساعدوها بالعتاد والرجال، لكي تقتحم منطقة الأطلس المغربي. جاء في مذكرات «بابين» أن سيدة مغربية استنطقها المرافقون العسكريون لحملة الجنرال «دوغان»، وكان بابين بطبيعة الحال حاضرا، أثناء استجوابها. سُألت عن أعداد القتلى في صفوف قبيلتها، أثناء مواجهتهم للجيش الفرنسي ورجال التهامي الكلاوي، فردت قائلة: «لا أدري. لقد مات ابني. وهذا كل شيء بالنسبة إلي. أما الآخرين فلا أعرف عن مصيرهم أي شيء». كانت هذه الكلمات كافية لتلخيص واقع الحال المغربي، بعيدا عن الوثائق ولغة الأرقام.

ويواصل بابين بالقول إنهم وجدوا الكثير من الجثث على جنبات الوادي. في محاولة إعلامية منه لتصوير المقاومة المغربية في الأطلس على أنها مجرد حماقة، قادت إلى مقتل آلاف المقاتلين المغاربة، ظنا منهم أنهم سوف يمنعون فرنسا من السيطرة عسكريا، ثم إداريا على منطقة الأطلس.

بينما الحقيقة أن الجثث التي وُجدت بجانب مصب الوادي، تعود إلى ضحايا جرفهم التيار أثناء السيول.. لقد كانت الفيضانات تحصد أرواحا من الطرفين، دون تمييز.

سيول 1880 منعت وفودا أجنبية من وصول «عاصمة» البلاد

عندما كان الوزير البريطاني السيد «درموند هاي»، في طريقه إلى قصر فاس للقاء السلطان، في شتاء سنة 1879، اضطر للعودة إلى طنجة الدولية، ولم تكتمل رحلته منها إلى قصر فاس لتسليم رسالة من لندن إلى السلطان المولى الحسن الأول. واضطر إلى تأخيرها لشهر كامل، قبل أن يعاود الكرة ويشد الرحال إلى فاس، ويطلب لقاء السلطان مرة أخرى.

ولم يكن هذا حال السيد «درموند هاي» وحده، وهو الذي كان عراب الدبلوماسيين الأجانب في المغرب، حيث اشتغل في منصب القنصل البريطاني منذ 1856 إلى حدود 1886، بل إن القنصل الإيطالي كان أسوأ حظا من البريطاني. فقد جاء في أرشيف المكتبة الإيطالية الوطنية، أن مبعوثا من إيطاليا إلى السلطان الحسن الأول، تزامن وصوله إلى المغرب مع أمطار قوية حالت دون وصوله إلى فاس لثلاثة أسابيع.. وعندما وصل إلى أبواب القصر الملكي، قيل له إن السلطان كان قد شد رحاله إلى مراكش، وكان عليه أن يتبع الموكب لكي يسلم رسالة من «أومبيرتو الأول» إلى المولى الحسن الأول يدا بيد. لكنه عندما شد الرحال إلى مراكش، جرى إخباره وهو في الطريق أن السلطان توقف لدى القبائل على الطريق، وأنه سوف يتعين عليه الانتظار.

كانت الوفود الأجنبية عندما تشد الرحال إلى القصر الملكي في مراكش، تمر عادة عبر الجديدة بحرا، وتقطع المسافة المتبقية من «مازاغان» إلى مراكش، على الخيول. لكن المبعوث الإيطالي عانى الأمرين، لأنه كان يتعين عليه أن يواصل الرحلة إلى غاية مراكش، رغم أن السلطان أعطى تعليماته لكي تتم مرافقة المبعوث، وتٌوفر له كل إمكانيات الراحة، إلا أن السفر في ظل السيول والأمطار القوية، ضاعف معاناته، إلى أن وصل إلى القصر الملكي أخيرا.

بالعودة إلى السيد «درموند هاي»، فعلى اعتبار أنه قضى أطول فترة لم يسبق لأي دبلوماسي أجنبي أن مكثها في المغرب، فقد عاش مواسم شتاء كثيرة في المغرب، وعندما صدرت مذكراته بعد وفاته عام 1893، سنة واحدة قبل وفاة المولى الحسن الأول، فوجئ البريطانيون بحجم المعاناة التي مر منها هذا الوزير والدبلوماسي، لكي يسهر على تمتين العلاقات بين المغرب وبريطانيا لثلاثة عقود مستمرة.

السيد هاي، رافق وزراء آخرين أثناء مهامهم في المغرب، وأصبح خبيرا بحالة الطقس، ووعورة عبور الوديان، خصوصا تلك التي تحول بين طنجة الدولية والعاصمة فاس. حتى أن الألمان عندما فكروا في إرسال طبيب ألماني -اسمه الطبيب «فاسيل- لكي يشرف على صحة السلطان وسكان القصر الملكي في فاس، لإضفاء الدفء على العلاقات مع المغرب، لجأ إلى المفوضية البريطانية، وعانى بدوره لكي يصل إلى فاس سالما، إذ تزامن وصوله مع احتفالات رأس السنة الميلادية في طنجة الدولية، وما إن غادرها حتى حاصرته الأمطار، ولم يصل إلى فاس إلا بأعجوبة، وانتهت مهمته في المغرب سريعا، ولم يمكث في منصبه طبيبا للسلطان سوى بضعة أسابيع، ليغادر نهائيا.

 

عندما لجأ الأجانب إلى السفر بالمغرب بحرا لتجنب الوديان

عندما كان الصحافي الشهير والتر هاريس، صديق السلطان عبد العزيز ومراسل «التايمز» البريطانية المعتمد في المغرب، يتعرف بالكاد على المغاربة وبلادهم، خصوصا في فترة 1890 وما بعدها بقليل، فوجئ بمدى صعوبة السفر عبر البلاد..

القليلون فقط يعرفون أن بداية هذا الصحافي في المغرب لم تكن من بوابة الصحافة ومراسلة «التايمز» العريقة، وإنما بمهنة الإرشاد السياحي. فقد قرر والتر هاريس أن يأتي إلى المغرب بعد 1880، وبدأ يسافر ويسجل مغامراته ورحلاته، وقد نشر بعضها في صحيفة «التايمز»، وأصدرها لاحقا -إلى جانب مغامرات أخرى- في كتب منفصلة.

في كتابه «The Land of an African Sultan» تطرق والتر هاريس إلى أجواء الشتاء المغربية وصعوبة عبور الوديان، أثناء رحلة استغرقت ما بين سنتي 1887 إلى 1889، وجاب خلالها معظم منطقة الشمال. ومن أمثلة تجربته مع الشتاء المغربي:

«توقف هطول المطر، وبزغ فجر السابع من يناير من هذا العام، في مشهد مجيد ومهيب. أُحضرت بغالنا مبكرا، لكن إخراج أمتعتنا وحملها على ظهورها، وجمع رجالنا إلخ، كلها أمور استغرقت وقتا أطول بحكم أن حجم الأثقال المحمولة يجب أن يناسب أحجام الدواب. ساعدني «كارلتون» بالتفاتة لطيفة منه، وبعد الكثير من الصراخ والاستعجال، وضرب البغال وأصوات صهيل الخيول، سعدنا أخيرا بحلول وقت الظهيرة، ونحن نرى الصف الطويل من الدواب، ينطلق ويعبر منطقة السوق، ثم يتجه يسارا ويختفي على مسار الطريق الجبلية.

شعرتُ بالرضا – وكان هذا حالنا جميعا، حسب ما أعتقده- ولم يكن هناك ما يُمكن القيام به الآن سوى الخلود إلى الراحة لبعض الوقت. كل شيء قد مضى كما يجب، ولم يعد هناك وجود لأي قلق بشأن أن تضل القافلة طريقها، ولم يكن علينا سوى ركوب الخيل وأن نسير ببطء ونتجاوز بغالنا، قبل أن تصل إلى المخيم الأول على الطريق، وراء منطقة رأس «سبارطيل». رغم أننا كنا متجهين صوب فاس، إلا أنني و«كارلتون» بحكم أن كلانا يعرف الطرق جيدا، قررنا أن وسيلتنا الوحيدة لبلوغها، هي السفر عبر الساحل حتى مدينة العرائش، ثم بعدها نعرج إلى اختراق البلاد، بسبب فيضانات الأنهار التي أصبحت غير سالكة وتقطع طريق فاس. ومع ذلك، ليس هناك الكثير من المياه في مجاري هذه الوديان، وبالكاد يكون بعضها نشيطا.

قُدت فرسي نحو المنخفض لكي أودع موظفي المفوضية، وامتطينا جيادنا من هناك ونحن نسمع كل أنواع المتمنيات الطيبة من الجميع. أدرنا وجهينا عن أوروبا وعن الحضارة، وانطلقنا نحو داخل المنطقة الداخلية.

كان مرافقونا المغاربة يصرخون: -«آه يا سيدي محمد الحاج، آه السلامة يا سيدي محمد الحاج»، حيث توارت القباب البيضاء الثلاث لشفيع طنجة العظيم، عن الأنظار، وانعطفنا عبر الزاوية من منطقة السوق، إلى الطريق نحو رأس سبارطيل».

لم يتوقف والتر هاريس عند هذا الحد، فقد نشر في «التايمز» سنة 1890، مقالا مطولا نشره لاحقا في المذكرات أعلاه عندما صدرت بعد وفاة السلطان الحسن الأول سنة 1894، يمكن اعتباره أقدم ربورتاج صحافي عن الفيضانات في المغرب!

 

كتبه «هاريس» سنة 1887.. أقدم ربورتاج عن فيضانات المغرب

لا بد أن «والتر هاريس» قد استعمل بعض البهارات، عندما حكى قصته للبريطانيين في فصول كتابه، التي سبق له نشرها كمراسلات على صفحات «التايمز». فقد تحدث عن السيول والفيضانات والأمطار الغزيرة، التي كان عليه أن يواجهها أسفل خيمته الصغيرة، أثناء رحلته عبر قرى طنجة، متجها صوب العرائش. إذ كان يتعين عليه عبور ثلاثة أنهار ضخمة، متقلبة وفي حالة فيضان، قبل الوصول إلى العرائش.

وهذا أقوى ما كتبه عن شتاء 1887 في المغرب:

«تواصل هطول المطر طوال الليل إلى أن تشكلت السيول، وفي الصباح الموالي، هطل المطر أسرع من أي وقت مضى، حتى أننا قررنا عدم جمع المخيم، وأن نمكث بقية اليوم في قرية الغربية، إلى أن تجف الخيام وما معنا من معدات. ذهبنا أنا و«إنگرام» و«كارلتون» في خرجة قنص في محاولة منا لاصطياد أي شيء، لكن الجو لم يكن يسمح، رغم أن المحاولة لم تكن تضييعا للوقت، بحيث إنها كانت فرصة لنا لتجريب كلابنا.

فاجأتنا الكلبة «ميتزا»، وهي من سلالة نصف فرنسية، ويملكها «أنطونيو»، بذكائها، وخصوصا بمهارتها في تتبع أثر الطيور الجريحة. تمشينا طوال اليوم فوق التلال المتموجة، المحيطة بمستنقع كبير. وكانت جنبات هذه التلال مكسوة بأشجار النخيل القصيرة، والتي يصل ارتفاع بعضها إلى حوالي القدمين، وتوفر غطاء ممتازا للطيور. حصلنا على أربع طرائد فقط ونصف، لكن جولة المشي كانت ممتعة بحق. عند عودتنا إلى المخيم وجدنا الشاي في انتظارنا، وبعد ذلك قضيت ساعة في العناية بحصاني، وتعريف «سليم» بأسرار عملية مشط فرو الخيل إلى غير ذلك من التقنيات.

لقد حلت ليلة ممطرة لتعوض الفترة الجميلة التي توقف فيها المطر بعد الظهر، ولكن صباح اليوم الموالي كان مشرقا ومشمسا، لذلك فقد قررنا أن نمضي قدما.

لم تكن هناك حاجة إلى البدء مبكرا، حيث كان علينا عبور العديد من البرك المائية على طول الطريق، وبالتالي فإننا لم نحزم أمتعتنا قبل الساعة الحادية عشرة، على ظهور البغال جميعا، لتتحرك القافلة إلى الأمام.

وبعد رحلة استغرقت ساعة، وصلنا إلى وادي «غريفة»، الذي توجد بالقرب منه آثار قناة مائية رومانية. كان علينا أن ننتظر بعض الوقت قبل أن نتمكن من العبور، لأن منسوب المياه كان لا يزال مرتفعا للغاية. في الضفة المقابلة، رأينا السيد «وايت» والسيد «ت»، والكونت «هـ»، وكانوا ثلاثتهم في طريق عودتهم من العرائش. سرعان ما عبرتُ أنا و«كارلتون» بخيولنا، على الرغم من أن الماء بلغ حد سروج الخيل، وتبعنا «إنگرام» والآخرون بعد دقائق.

«ألا يمكننا العودة من حيث أتينا، لقد كانت هذه التجربة بشعة جدا. لماذا؟ الجو في لندن حيث الغيوم والثلج، كان أفضل من الجو في المغرب، حيث لا توجد سوى خيمة وحيدة فوق رأس المرء، وينهمر المطر كما لو أن طوفانا ثانيا سوف يحل بالمكان». إلى غير ذلك من الأقوال.. إلى غير ذلك. لكننا لم نعر الأمر أي اهتمام، مدركين أن هذه الأمطار كانت حدثا غير مألوف، وأنه لا بد لها أن تنتهي قريبا.

كان كارتلون في حالة غير طبيعية طوال الوقت. غادر طنجة وهو متوعك، ومع تعرضه للبلل الشديد أثناء عملية الصيد ورفضه كليا أن يغطي نفسه بالشكل الكافي ليلا، ازداد سعاله إلى درجة جعلنا نحس أننا غير مرتاحين معه نهائيا. انطلق عائدا إلى طنجة، رغما عنا، تحت المطر الغزير في اليوم الموالي، وهي رحلة استغرقت منه حوالي ثلاث عشرة ساعة.

كان يخشى أن يُصاب بالتهاب في الرئتين داخل المخيم، وخاطر بكل شيء في هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر. لم نعلم أي شيء عن مدى صعوبة احتمال نجاته، وهو يسبح رفقة حصانه مخترقا وادي «غريفة»، الذي كان في حالة فيضان، إلا بعد أن عُدنا إلى طنجة، عقب انتهاء رحلتنا. كما أننا لم نعلم أي شيء عن كيفية وصوله إلى طنجة في ساعة ما بعد حلول الظلام، شبه مُغمى عليه من شدة التعب، ولا حتى كيف بقي بعد ذلك ملازما فراشه لأيام، غارقا خلالها في المرض. في الوقت نفسه الذي كان فيه يسبح ممسكا حصانه ليعبر به الوادي، كان مغربيان يحاولان السباحة من الجهة الأخرى المقابلة له، وحملهما التيار إلى البحر وغرقا هناك، وبالكاد نجا «كارلتون» الذي كان ليعرف المصير ذاته. ولولا أنه كان فارسا ماهرا وفرسه قويا، لضاع كلاهما أيضا.

 

 

حين كان عنوان «شتاء في المغرب» كافيا لبيع الكُتب والمذكرات

هذه واحدة من المذكرات النادرة، والمنقرضة، بحق. وصاحبتها شابة بريطانية اسمها «آميليا آمبرير»، وقد كتبت عن الأشهر التي قضتها في المغرب، خلال فصل الشتاء.

وقدمت للأوروبيين صورة عن أجواء الشتاء في المغرب، سيما وأن الأخبار التي كانت تصل إلى أوروبا في ذلك الوقت -الكتاب صدر سنة 1873- كانت تصور المغرب على أنه بلد بدائي، تشل فيه الحياة كليا عندما يحل فصل الشتاء.

تقول المغامرة «آميليا» وهي تصف أجواء الشتاء المغربية سنة 1873: «إن أصعب ما يمكن أن يعيشه المرء في حياته، هو شتاء واحد على الأقل في المغرب».

هذه العبارة لوحدها، جعلت عشرات آلاف القراء في بريطانيا يتهافتون على مذكراتها.

«.. ورأيت أضواء طنجة تلوح أمامنا. ثم أشعل الكابتن سيجارة جديدة. لقد استغرقت الرحلة سبع ساعات وكانت الأسوأ. هكذا قال الكابتن.. أصبح البحر هادئا. وهكذا بدأ الجميع في جمع أغراضهم، ويستعدون بفرح كبير للنزول عبر المعبر الخشبي. لكن كان علينا أن نصبر بعض الوقت، قبل أن يصبح هذا الأمر ممكنا.

أبواب طنجة كانت تُغلق مع الغروب. وكان ضروريا أن تُفتح لنا البوابة البحرية، التي أغلقت قبل وصولنا بساعات طويلة، لكي نعبر من خلالها. لكننا وصلنا متأخرين بساعة عن الموعد. وهكذا بدا من الصعب أن يسمح لنا عمال المعبر بالعبور، خصوصا منا الذين كانوا يعرفون لباس وطباع ومزاج المسؤولين المغاربة، والذي كان متقلبا تماما كالطقس. لم نكن متأكدين ما إن كانوا سيسمحون لنا بالعبور، أم لا».

لكن «آميليا» لم يفتها أن تُشير إلى خبرة المغاربة في التعامل مع فصل الشتاء، وكتبت تقول: «كل الذين كانوا ينوون الاستقرار لأكثر من سنة في طنجة، يلجؤون إلى حيلة اقتناء منازل خاصة، وليس كراء شقق صغيرة، حسب الذوق الأوروبي، لقضاء أشهر الشتاء أو الصيف. والسبب هو مقاومة المنازل المحلية لبرد الشتاء، خصوصا في الشمال، ولأن المحليين كانوا يعرفون شتاء بلدهم أكثر».

وهنا تصف آميليا أجواء الشتاء في طنجة، بدقة أكبر:

«هكذا تبدو طنجة جميلة في فصل الربيع. إنها تمطر أحيانا في طنجة. وعندما يهطل المطر، فإنه يهطل بشدة. وتختفي الجبال بسبب كثافة الضباب. وتمتزج السماء والأرض أيضا في لونها البني، بسبب المطر.

لكن رغم ذلك، فإن المطر يكون رائعا في شهري نوفمبر وديسمبر. لكن السماء في رأس السنة تكون صافية، بينما تكون أشعة الشمس حارقة».

ورغم أن آميليا أفردت في هذه المذكرات حيزا مهما لأجواء الشتاء، إلا أنها لم تتعمق في ذكر معاناة الفلاحين والقرويين المغاربة، الذين كانوا يعيشون في المناطق النائية في محيط طنجة. واكتفت بوصف حالتهم، أثناء توافدهم إلى المدينة لبيع منتجاتهم الفلاحية، وآثار المعاناة مع الوديان والسيول بادية عليهم وعلى مواشيهم.

صحيح أن آميليا في رحلتها المغربية ركزت أكثر على المدينة الدولية، التي «سحرت» أجواؤها ملايين القراء الإنجليز طوال قرنين تقريبا، إلا أنها لم تنس الإشارة إلى مصاعب الحياة في المغرب في وقت كان كل ما يطلع عليها القراء الإنجليز في وطنهم، مقالات تروج للانتصار الدبلوماسي لبريطانيا في المغرب، والحياة الرغيدة التي تعد بها حكومة بريطانيا مواطنيها الذين اختاروا طواعية الانتقال إلى محيط منطقة جبل طارق، وطنجة الدولية على وجه الخصوص.

لقد كانت هذه المذكرات بمثابة الحقيقة التي أيقظت البريطانيين من الحلم الجميل الذي رسمه لهم الحكوميون والدبلوماسيون عن المغرب، دون أن تشوه صورة البلاد في أعين هؤلاء القراء الأجانب.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى