حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

ذكريات نيسلون مانديلا المغربية

تدرب في وجدة على السلاح وقاد منها ثورة جنوب إفريقيا

يونس جنوحي

نيلسون مانديلا العالمي، بدأ نضاله «الاحترافي» من مدينة وجدة، التي أقام فيها ما بين سنتي 1960 و1962.

جنوب إفريقيا المدينة لنيلسون مانديلا، رمز تحررها، اتخذت أخيرا مسارا سياسيا لافتا، في دعم الموقف المغربي من قضية الصحراء.

وهو ما تمت قراءته على أنه تصحيح سياسي كان يجب أن يُتخذ منذ أكثر من ثلاثة عقود.

تجري حاليا في حزب مانديلا، رئيس جنوب إفريقيا وقائد حركة التحرر فيها، دعوات لتصحيح القطيعة مع المغرب، بسبب دعم أوساط سياسية في جنوب إفريقيا للانفصال في الصحراء المغربية، وموالاة بعض قادة الحزب السابقين للجزائر.

حتى أن سلالة مانديلا نفسه، سقطت في هذا الفخ..

ما يقع الآن، عودة إلى المسار الصحيح الذي لا بد أن مانديلا ما كان ليحيد عنه، لو أنه عاش المحطات التي مرت منها بلاده بعد وفاته.

مانديلا لم يكن فقط صديقا للمغرب، وإنما كان «مغربيا» في جزء مهم من نضاله، الذي صنع منه «مانديلا» الذي عرفه العالم.

 

جواز سفر مغربي عبر به مانديلا الحدود الشرقية

في إطار الاتصالات المكثفة بين جيش التحرير المغربي وقيادة الثورة الجزائرية، تمكن نيلسون مانديلا من الحصول على جواز سفر مغربي، بعد أن توسط له قادة الثورة الجزائرية، في شخص «بوصوف» الذي كان نشيطا في قيادة الثورة الجزائرية وأحد مهندسي جهازها الأمني بعد الاستقلال، لكي يحصل على جواز سفر مغربي.

والذي تولى استخراج الجواز المغربي سنة 1960 لنيلسون مانديلا، كان هو الدكتور عبد الكريم الخطيب، الذي شغل لاحقا منصب وزير الشؤون الإفريقية، وهي الوزارة التي رأى الملك الراحل الحسن الثاني أن الخطيب الأنسب له، بفضل اتصالاته المكثفة مع عدد من الشخصيات الإفريقية في إطار حركات التحرر.

أثار الدكتور الخطيب قصة نيلسون مانديلا باعتباره هاربا من بلاده، وفعلا نجح في استخراج جواز سفر مغربي لهذا الأخير، بعد موافقة الملك الراحل الحسن الثاني.. وهذه المعلومة أقر بها مانديلا نفسه. فرغم أنه لم يدع وجود اتصال مباشر بينه وبين الملك الراحل الحسن الثاني في تلك الحقبة، إلا أنه أكد أن الدكتور الخطيب هو الذي مكنه من جواز سفر مغربي لدخول مدينة وجدة، ليقيم فيها إلى حدود سنة 1962، ويتدرب هناك على حرب العصابات والمقاومة المسلحة.

عندما حل مانديلا في وجدة، استقر إلى جانب قيادات الثورة الجزائرية الذين كانوا يتخذون من المدينة غرفة عمليات ومركزا لقيادة الثورة في الجزائر. كل قيادات الصف الأول في الثورة الجزائرية كانوا يعيشون في وجدة، حتى قبل حصول المغرب على الاستقلال، وبعد نهاية 1955 ازداد نشاطهم في المدينة الشرقية من المغرب لدواع أمنية، بحكم أن يد البوليس الفرنسي لن تصل إليهم هناك.

كما أن تطوع أهالي وجدة ووطنييها وأعضاء جيش التحرير المغربي في الشمال، لدعم الثورة الجزائرية، جعلت كلها من وجدة مركز إقامة مفضل للثوار.

لعب جواز السفر المغربي دورا كبيرا في نضال نيلسون مانديلا، فقد كان مصنفا باعتباره شخصا خطيرا، وتترصد المخابرات تحركاته، ولولا الجواز المغربي لما تمكن من دخول التراب المغربي.. فأعين الفرنسيين وقتها كانت تراقب الحدود، ويكفي أن يقدم أوراقه الصحيحة حتى يلقى عليه القبض.. إذ وجهت إليه تهمة التخطيط لاغتيال شخصيات أوروبية في جنوب إفريقيا، وتنفيذ عمليات تستهدف الأجانب.. كما أن مشاركته في مقاومة قانون الميز العنصري في بلاده، كانت وراء المتاعب التي وجد فيها نفسه.

جواز السفر المغربي الذي تسلمه نيلسون مانديلا بعد أن أرسله الدكتور الخطيب مع معارفه إلى قيادة الثورة الجزائرية، كان بمثابة المفتاح الذي مكنه من دخول عالم التدرب على حمل السلاح وشن حرب العصابات..

دخل مانديلا إلى نفس المعسكر التدريبي الذي مر منه أحمد بن بلة قبله في وجدة دائما، بالإضافة إلى أسماء أخرى ارتبطت بالضباط الأحرار في مصر.

ورغم أن جمال عبد الناصر عرض مرات كثيرة على قيادة جيش التحرير المغربي، تقديم السلاح والمال، إلا أن الوطنيين المغاربة تحفظوا من التعامل مع عبد الناصر، بسبب أفكاره المعادية للملكية. وهكذا فإن مانديلا استفاد من «انغلاق» معسكر التدريب في وجدة، والتقط أنفاسه بعد أن كان ملاحقا.. واستقر بين سكان وجدة إلى أن تمكن من العودة إلى بلاده نهاية 1962، ليبدأ العمل المسلح، وهو ما سوف يتسبب في اعتقاله فترة قصيرة بعد وصوله إلى جنوب إفريقيا، وتحكم عليه السلطات الاستعمارية بالسجن المؤبد.

 

 

يوميات مانديلا مع مغاربة الشرق

قدماء مقاومي وجدة، كانوا يتذكرون نيلسون مانديلا حتى قبل أن ينال الشهرة، بداية التسعينيات، ويصبح أيقونة النضال في العالم كله وليس في إفريقيا وحدها..

السجن لم ينل من ملامحه التي لم تتغير نهائيا، باستثناء التجاعيد التي كست وجهه بسبب التقدم في السن.

نفس الملامح، كان صاحبها يمشي بهدوء بين شوارع مدينة وجدة، كل مساء، متنقلا من المنطقة التي أقيم فيها معسكر التدريب، صوب «گراج» كان مملوكا لأحد المقاومين المغاربة، واسمه «محمد بوراس».. داخل هذا المرأب، كان مانديلا يتدرب على رياضة الملاكمة.. وما أكثر الشبان الوجديين الذين لعب مانديلا ضدهم، بدون قفازات، ونال منهم اللكمات وسدد أخرى نحوهم.

المرأب كان عبارة عن ناد رياضي متواضع، تخرج منه في نهاية ستينيات القرن الماضي، أطر إدارة الأمن الوطني المغربية التي كانت رياضية.

وبحكم أن وجدة وقتها لم تكن تتوفر على أندية رياضية، فقد كان مرأب «بوراس» قبلة لعدد من الشباب الرياضي، وهناك كان نيلسون مانديلا يحاول «تبديد» وقت فراغه، قبل أن يعود إلى المعسكر.

لكنه في إحدى الأمسيات، خاض مباراة في الملاكمة ضد شاب من شبان وجدة، وكان الأخير أقوى جسديا من مانديلا، ووجه إليه ضربة كسر أنفه على إثرها فورا.

الحصة الصباحية من برنامج مانديلا في وجدة، كانت مخصصة للتدرب على السلاح وحرب العصابات، وهناك تعلم رفقة أفراد من الثورة الجزائرية، التصويب بدقة نحو الأهداف، باستعمال بنادق كانت مملوكة في السابق لجيش التحرير المغربي، وخصوصا جناح عباس المساعدي في أكنول.. فقد كان هذا الأخير وراء تسليم كميات من سلاح جيش التحرير، بعد استقلال المغرب في مارس 1956، إلى قيادة الثورة الجزائرية في وجدة.. وتدرب مانديلا على استعمال هذا السلاح، وتلقى وعودا بإيصال كميات منه إلى جنوب إفريقيا، بحرا، لبداية ثورة مسلحة ضد الاستعمار في جنوب القارة.

كان قادة أفارقة، معجبين بنموذج جيش التحرير المغربي، ومانديلا كان أحد هؤلاء المعجبين الكبار بالنموذج المغربي والاتحاد بين المغرب والجزائر، قبل أن يفسد هواري بومدين كل شيء ويبدأ انقلابه ضد أحمد بن بلة، أول رئيس منتخب بعد استقلال الجزائر، سنة 1963، ويقود بنفسه حربه ضد المغرب، والتي لم تنته بوفاته سنة 1978.

بمجرد وصول مانديلا إلى بلاده، اعتقل بسبب أنشطة المقاومة، فقد كان يناضل لسحب قوانين الميز العنصري بين سود جنوب إفريقيا، والأوروبيين الحاصلين على جنسية البلاد، واعتقل لتوجه إليه تهم خطيرة كانت كافية لكي يحصل بسهولة على حكم بالمؤبد.. السجن مدى الحياة كان قدر مانديلا، لكنه غادر السجن الذي دخله أواخر سنة 1962، بعد حكم نهائي ضده سنة 1964، خلال سنة 1990، ليصبح أيقونة عالمية في النضال ضد العنصرية واستغلال السود.. هذه باختصار قصة مانديلا مع وجدة.

++++++++++++++++++++++++++

 

هل كان هناك اتصال بين مانديلا والملك الحسن الثاني؟

رغم أن مانديلا قيد حياته لم يشر إلى وجود اتصال فعلي بينه وبين الملك الراحل الحسن الثاني عندما كان وليا للعهد سنة 1960، أو قبلها، إلا أن تواصل الدكتور الخطيب معه، وتمكينه من السلاح في مدينة وجدة التي وضع المعسكر التدريبي فيها رهن إشارته، لم يكن ليتم لولا موافقة الأمير مولاي الحسن الذي كان يشرف بنفسه في ذلك الوقت على كل ما يتعلق بإرث جيش التحرير المغربي، وإدماج قواته في الجيش الملكي.

اتصال الدكتور عبد الكريم الخطيب مع نيسلون مانديلا، ما كان ليتم لولا موافقة ولي العهد. فقد كان الخطيب ينسق في كل تحركاته، خصوصا التي تتعلق بالاتصال مع شخصيات أجنبية، مع الأمير مولاي الحسن بشكل مباشر.

بعد نونبر سنة 1955، تاريخ عودة العائلة الملكية من المنفى، أصبح الخطيب يلعب دورا كبيرا في هندسة تسليم سلاح المقاومة وإدماج جيش التحرير في الجيش الملكي، ونزع سلاح الخلايا السرية، خصوصا خلايا الدار البيضاء.

كانت للخطيب اتصالات مباشرة مع المصريين، وفي العاصمة الإسبانية مدريد، كان يلتقي بعدد من الشخصيات العربية التي كانت تقود حركات مناهضة الاستعمار، واتصاله مع نيلسون مانديلا جاء في هذا السياق.

توسع دائرة اتصالات الخطيب خارج المغرب مع حركات التحرر التي كانت تدعم استقلال المغرب قبل 1955، مكنه من تكوين شبكة متينة من العلاقات.. تلك العلاقات التي تتجاوز تبني مواقف سياسية داعمة لاستقلال البلدان، إلى تسليح خلاياها لمواجهة الاستعمار والانضمام إلى حركات التحرر.

في سنة 1955 دائما، كانت الرباط قِبلة لعدد من الشخصيات الإفريقية. خصص الملك الراحل محمد الخامس استقبالات كثيرة لعدد من السياسيين من دول جنوب الصحراء، الذين جمعهم مع المغرب، الانتماء إلى المجال الجغرافي الذي استهدفه الاستعمار الفرنسي، وجاؤوا مع استقلال المغرب لتهنئة القصر بالاستقلال عن فرنسا بعد مارس 1956.

وهكذا فإن صورة المغرب في المنطقة، باعتباره بلدا حصل على الاستقلال، كانت محط إعجاب قيادات سياسية في عدد من الدول الإفريقية. وهذا كان سببا لاختيار مانديلا اللجوء إلى وجدة تحديدا، وليس إلى مكان آخر.

عندما حل نيلسون مانديلا في الرباط سنة 1994، ضيفا على الملك الراحل الحسن الثاني، وقد أصبح وقتها أيقونة عالمية للمقاومة ومحاربة العبودية والميز العنصري ضد السود، لم يتردد في إثارة موضوع ذكرياته في مدينة وجدة التي تدرب فيها على المقاومة وشن حرب العصابات ضد الاستعمار الذي قسم إفريقيا لعقود طويلة.. ورغم أن الاستقبال الذي خصص لمانديلا كان رسميا، فإنه لم ينس زيارة منزل الدكتور الخطيب، عرفانا منه بالدور الذي لعبه الأخير في تقديم الدعم له سنة 1962، عندما كان مانديلا في أعين الأوروبيين، «إرهابيا»، وليس قائد حركة تحريرية ضد الاستعمار.

 

من أين جاء السلاح إلى وجدة؟

كانت هناك عمليتان شهيرتان لتوصيل كميات مهمة من السلاح إلى مدينة وجدة، لكي يوضع رهن إشارة الجزائريين. وهو نفسه السلاح الذي وصل جزء منه إلى نيلسون مانديلا، عندما أقام في وجدة في بداية الستينيات، بشكل سري طبعا، لكي يتدرب على حرب العصابات والرماية.

كان أحمد بن بلة وبقية أعضاء القيادة الذين لم يكن عددهم يتجاوز خمسة أفراد، يتحركون بحرية بين وجدة والناظور، ثم تطوان. كانوا يتحركون في هذا الخط للتنسيق مع جيش التحرير المغربي، حتى يتسنى لهم التوصل بالسلاح.

قصة الباخرة «دينا» الشهيرة، التي جاءت من مصر محملة بالسلاح في مارس 1955، أقوى محطة من محطات تسليح حركات التحرر التي اتخذت من وجدة غرفة للعمليات ومركزا للتدريب.

وهذه الحقائق، يقرها الجزائريون أنفسهم قبل المغاربة.

ويبقى المقاوم الجزائري حمدون شوراق، أهم من كتبوا عن قوة الدعم المغربي لقيادة الثورة الجزائرية، والدور الذي لعبته الثورة الجزائرية في تسليح المقاومة في الجزائر ما بين سنتي 1954 و1955، وصولا إلى سنة 1960 التي جاء فيها نيلسون مانديلا إلى وجدة، وكان بعض أفراد الثورة الجزائرية وقتها لا يزالون مقيمين في وجدة.

ورغم بعض المحاولات لطمس هذه الوقائع التاريخية، سيما من الجانب الجزائري، إلا أن شهادة شوراق سلطت الضوء بما يكفي على كواليس ووثائق تؤكد الدور الذي لعبته وجدة، والمغرب الشرقي عموما، في تكوين المقاومة وتنظيم صفوفها، قبل تنفيذ عملياتها في الجزائر.

الباخرة «دينا» كانت سرا بعيدا عن متناول المخابرات الفرنسية إلى أن اقتربت ساعة الصفر، إذ إن بعض المقاومين رجحوا أن تكون المخابرات الإسبانية التي كانت على علم بالموضوع عن طريق مواطنين مغاربة كانوا يعملون في الإدارة الإسبانية بمنطقة الشمال والريف. وهؤلاء نقلوا ما سمعوه على لسان المقاومين. وهكذا عندما اقتربت ساعة الصفر، فوجئ المقاومون بإنزال عسكري كبير في الشواطئ وقرروا تأجيل العملية.

وحتى عندما عبرت الباخرة بعض النقاط التفتيشية، كان التفتيش دقيقا وكشف افتضاح أمرها المسؤول عن الباخرة، وهو مواطن سوداني الجنسية كان قد تكلف بتأمين الباخرة إلى أن تصل إلى شمال المغرب، لكي يقتسم المغاربة والجزائريون حمولتها في النفوذ المغربي، على أن ينقل الثوار الجزائريون نصيبهم برا عبر الحدود مع المغرب.

كانت تلك العملية واحدة من أنجح العمليات، رغم الصعوبات التي أحاطت بها، وبفضلها كانت خلايا المقاومة قد حققت فائضا كبيرا من السلاح.

وعندما علمت الأميرة الأردنية بخبر توظيف باخرتها في عملية نقل السلاح، ثارت في وجه المسؤولين المصريين الذين يعملون تحت إمرة جمال عبد الناصر واستنكرت عدم إخبارها بالموضوع، لأنها، وحسب شهادات نقلها الحسين برادة وسعيد بونعيلات، كانت لترسل باخرة أخرى لتضعها رهن إشارة المقاومين، وليس واحدة فقط.

ظلت قصة الباخرة «دينا» لغزا يتجاذب الكثيرون أطرافه، بين من يحاول نسب الملحمة لنفسه وبين من يقلل من شأنها، ويتهم أطرافا أخرى بالوقوف وراء المتاجرة في قطع السلاح التي أرسلها المصريون تضامنا مع المغرب. حتى أن هناك من قال إن المقاومين المغاربة الحقيقيين كانوا دائما، إلى آخر يوم من أيام الاستعمار، يعانون نقصا مهولا في الأسلحة، بحكم أنهم وضعوا أغلبها رهن إشارة الثورة الجزائرية في وجدة. وهو المعطى الذي أكده قدماء المقاومة المغربية في شهاداتهم، حيث أكدوا جميعا أن حمولة الباخرة «دينا»، وحمولة باخرة أخرى، خصصت أغلب أسلحتها لدعم الجزائريين، بينما حصل المغاربة على جزء يسير فقط منها، واشتروا بقية الأسلحة التي استعملت في المقاومة، من الفرنسيين أو من السوق السوداء.

الدكتور الخطيب واحد ممن كانوا قريبين من هذه الكواليس، وجمعته صداقة متينة مع المناضل نيلسون مانديلا، وهذا الأخير أقر بدور الخطيب، في توفير السلاح اللازم لدعم حركة التحرر في جنوب إفريقيا.

 

 

 

الجزائريون أول من احتضنتهم وجدة ومنحتهم غرفة عمليات قيادة الثورة

لم تكن وجدة، باحة خلفية للثورة الجزائرية كما تريد بعض الأصوات حاليا في الجزائر أن تقدم المدينة.. فقد كانت وجدة غرفة عمليات حقيقية، وتعزز دورها في الثورة الجزائرية منذ 1954 خصوصا، لتصبح المدينة مركزا رسميا لقيادة الثورة ووضع مخططاتها.

كرم الوجديين، وسعة صدورهم، وأيضا إيمانهم بضرورة استقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي، كلها عوامل ساهمت في استضافتهم للقادمين من بلاد الجزائر، إما هربا من الشرطة الفرنسية، وإمام بحثا عن السرية لإطلاق نواة الثورة الجزائرية.

الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة، وهواري بومدين، الرئيس الذي انقلب عليه بعد استقلال الجزائر وحكمها إلى حدود سنة 1978، كلاهما عاش في وجدة وقاد الخلايا الأولى للثورة الجزائرية من المدينة.

حتى أن بن بلة في فترة من الفترات، لم يكن يقوى على مغادرة وجدة، خوفا من أن يتم اغتياله.

شخصية جزائرية أخرى شهدت ميلاد الثورة الجزائرية من وجدة، يتعلق الأمر بالرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة.

وُلد هذا الأخير في وجدة، لأب جزائري جاء إلى المدينة الشرقية من المغرب ليس للانتماء إلى الثورة الجزائرية، وإنما هربا من ورطة في الجزائر. قيل إنه هرب إلى وجدة، بسبب تراكم الديون عليه في تلمسان التي اشتغل فيها بائعا للخضر. لكن الرواية المتداولة في صفوف قدماء الثورة الجزائرية، أن بوتفليقة الأب اتُهم بالخيانة والتعامل مع الاستعمار، ففر بجلده خوفا من انتقام التلمسانيين.

مخبر. هذه هي التهمة التي وُجهت إلى والد عبد العزيز بوتفليقة، عندما أراد الأخير أن يعود إلى الجزائر. هذه المعلومات يؤكدها الصحافي الجزائري فريد عليلات، الذي ألف كتابه عن بوتفليقة مباشرة بعد مغادرته منصب الرئاسة، حيث كشف أسرارا كثيرة عن حياته في الثورة الجزائرية وعلاقاته مع رؤوس النظام، خصوصا في الجيش، وقصة رحلته من الثورة إلى وزارة الخارجية، ثم الرئاسة.

لكن مناطق الضباب كما يقال، في طفولته، بقيت في وجدة، وأغلب من عاشوها معه لا يزالون على قيد الحياة، يتأملون درسا من دروس الحياة التي مرت أمام أعينهم.

يقول عليلات في كتابه إن بوتفليقة عندما كان شابا سنة 1954، أراد أن يعود إلى الجزائر للانضمام إلى قيادة الثورة التي كان يهندس لها وقتها بن بلة وبوضياف وآخرون، لكن والده منعه وبشدة واضطر إلى تأجيل الأمر قليلا.

لم يصبر إلا حوالي 7 أشهر، ليقرر أن يذهب إلى مكتب وضعه الجزائريون في وجدة رهن إشارة المنخرطين، ويحاول تسجيل نفسه في الثورة، ضدا في رغبة والده. وهناك لم يراع الموظف مشاعر عبد العزيز الشاب. إذ قال له مباشرة بعد أن تعرف على هويته: «هل أنت هنا لغسل شرف والدك؟». في إشارة إلى تهمة المخبر التي كانت تلاحق أحمد بوتفليقة، أو الخضار كما كان يلقب في تلمسان.

رفض طلبه لهذا السبب، ورفض معه طلب صديقه أيضا مصطفى بري، الذي أكد بوتفليقة في عدد من المناسبات أنه كان أخا له في الرضاعة.

المكتب الجزائري الذي أرسل الشباب لتنفيذ عمليات ضد الاستعمار الفرنسي، كان متمركزا في وجدة. وهو المكتب نفسه الذي ورثه نيلسون مانديلا عندما أقام في وجدة سنة 1962، لكي يتدرب على حمل السلاح وحرب العصابات.

 

المخابرات الفرنسية والإسبانية حاولتا تتبع اتصالات مانديلا مع المغرب

كان طبيعيا أن يقلق الفرنسيون بخصوص تحركات نيلسون مانديلا و«هجرته» إلى وجدة، وهي الرحلة التي خطط لها قبل 1960.

الرجل لم يكن يبعد سوى أمتار عن حدود الجزائر التي تخضع رسميا للاستعمار الفرنسي، في عز اندلاع الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.

لكن المثير أن الإسبان أيضا كانوا يجمعون الأخبار عن تنقلات مانديلا وعلاقته مع المغرب، وحقيقة وجوده في وجدة والغرض من إقامته هناك.

مخبرو فرنسا وإسبانيا في منطقة الشمال، كانوا يجمعون الأخبار، في سياق محموم.

فقد كان المغرب المستقل يدعم الثورة الجزائرية بالسلاح بعد 1956، وخلايا جيش التحرير المغربي قررت أن تدعم الجزائر، وبعض أعضاء هذا الجيش تطوعوا بعد استقلال المغرب، لكي ينتقلوا إلى الجزائر لاستكمال معركة تحرير المغرب الكبير..

وفي هذا السياق كان مانديلا يقيم في وجدة بشكل سري في البداية. وتتبع الفرنسيون جميع الخيوط التي قد تقودهم إليه، خصوصا وأن الفرنسيين كانوا يعرفون بدقة خريطة وجدة، غرفة العمليات الرئيسية، وأماكن إقامة أفراد قيادة الثورة الجزائرية والمنتسبين إليها. وكان يهمهم أن يعرفوا ما إن كان مانديلا يشكل خطرا على الجزائر الاستعمارية، أم لا.

أما الإسبان، فبحكم متابعة الاستعلامات العامة الإسبانية لملف نقل السلاح في شمال المغرب، فقد كانوا مهتمين بوجود مانديلا بين المغاربة، خصوصا مع تنامي مخاوف تكوين حركة تحرر مناهضة للدول الأوروبية في شمال إفريقيا.

بل إن الأمريكيين أنفسهم كانوا متخوفين من مسألة معسكرات التدريب على حرب العصابات وتهريب السلاح في شمال إفريقيا، مخافة أن تتحول هذه الأنشطة التحررية إلى معقل للفكر الشيوعي، خصوصا وأن الأمريكيين وقتها كانوا في عز الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي.

وهكذا فإن إقامة مانديلا في وجدة، رغم أنها كانت سرية، إلا أنها كانت تحظى بمتابعة مخابرات أقوى دول العالم وهي فرنسا، إسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكية.

أقررت بعض التقارير أن ثقة مانديلا في المغاربة كانت في محلها، والدليل أن تفاصيل إقامته في وجدة ظلت سرية إلى أن أصبح مانديلا في النهاية أيقونة لحركات التحرر في العالم ورمزا لمقاومة الاستعمار في القرن العشرين، وبدأت تفاصيل كثيرة تظهر في الأفق، ليتضح أن وجدة، وجيش التحرير المغربي لعبا دورا كبيرا في دعم نضال نيسلون مانديلا، عندما كان في أمس الحاجة إلى الدعم.

في نهاية التسعينيات، طالما تحدث نيسلون مانديلا عن دور المغرب في دعم مسيرته النضالية. إذ إن سنة 1962 كانت حاسمة في مسار مانديلا، الذي عاد إلى بلاده لكي يقود ثورة عنيفة ضد الاستعمار، لم تتوقف إلا بإلقاء القبض عليه والزج به في السجن، لكي يتحول من مناضل مثل أغلب مناضلي القرن العشرين ضد الاستعمار، إلى أسطورة من أساطير مكافحة الاستعمار، بقضائه أكثر من 27 سنة في السجن ما بين سنتي 1964 و1990، بعد أن كان محكوما عليه بالسجن مدى الحياة.

وكتبت في الصحافة الدولية مقالات باللغة الإنجليزية، تؤكد أن سبب الحكم على مانديلا بالمؤبد خلال ستينيات القرن الماضي، يرجع أساسا إلى التقارير التي كانت بين يدي البريطانيين والهولنديين والفرنسيين، والحكومة البلجيكية أيضا، والتي تؤكد كلها أن مانديلا مدرب على حرب العصابات ويعمل على إدخال السلاح إلى جنوب إفريقيا لقيادة تمرد مسلح ضد الاستعمار الأوروبي للقارة الإفريقية، وليس بلاده فقط. وهكذا فإنه كان يُعتبر «إرهابيا» خطيرا، قبل أن تتغير المفاهيم، وتقر الدول الأوروبية بمفهوم «المقاومة» و«الحركات التحررية»، مع بداية التسعينيات.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى