حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

شهر مارس الذي كان..

يونس جنوحي

في مثل هذه الأيام من سنة 1912، كانت فرنسا تُنهي «التسخينات» الأخيرة قبل تكبيل المغرب بمعاهدة الحماية.

الدار البيضاء تعرف أشغالا لا تتوقف لبناء الميناء، «كازا بور» في نسخته الأولى، وأشغال إنهاء فندق «إكسلسيور» التاريخي شارفت على الانتهاء. الأحياء التي تعتبر اليوم عصب الدار البيضاء، كانت أراضي زراعية. والدار البيضاء تنتهي قبل محطة «الدار البيضاء المسافرين». والمسافرون أنفسهم لم يكونوا يأتون إلى الدار البيضاء، احتجاجا على «ثورة البناء» التي تعرفها المدينة على يد الفرنسيين منذ 1907.

في فاس، ورغم رفض الأهالي للوجود الفرنسي، إلا أن الفرنسيين كانوا يقيمون في المدينة، بل و«يستمتعون» بمقامهم «المؤقت»، الذي أرادوا له أن يكون دائما.

أما الرباط فكانت تعرف إعمارا سريا، في غفلة من الجميع، وفاجأتنا بأن أصبحت عاصمة للمغرب بعد أشهر فقط.

إلى اليوم لم يباشر المؤرخون الفرنسيون -بحكم أنهم الملاك الحقيقيون للأرشيف الرسمي المتعلق بتلك الفترة- أي تنقيب حقيقي في الوثائق لنقل الوقائع كما هي، وفضل أغلبهم اعتماد الرواية الرسمية. فرنسا جاءت من وراء البحر لإنقاذ المغرب من الحرب الأهلية وإخماد ثورة القبائل!

والحقيقة أن فرنسا كانت أنهت مفاوضاتها مع الدول الكبرى مثل إيطاليا وألمانيا وإسبانيا، وبدأت على الفور في محاولة لإخضاع المغرب عسكريا.

دفنت الدار البيضاء حرفيا تحت الركام بعد قصف صيف 1907 الشهير، وأعادت بناءها من جديد. نفذت مجزرة حقيقية في فاس لإسكات الأصوات المُمانعة، وانطلقت صوب تاونات وتازة لتأمين الطرق المؤدية إلى فاس.. وحاصرت المدينة التي كانت تعتبر وقتها عصب اقتصاد المغرب.

أما في مراكش، فقد ركبت فرنسا على واقعة مقتل طبيب فرنسي اسمه «موشان»، كان يعيش في قلب المدينة، بل وأصبح صديقا للأهالي، وتدخلت بعنف للانتقام.. والنتيجة كانت وضع قوات فرنسية في قلب المدينة، وبداية التحالف مع المدني الگلاوي لإدخال بقية قبائل الأطلس والحوز وسوس تحت المظلة الفرنسية.

أما السلطان، المولى عبد الحفيظ، فكان يحيط نفسه بالمستشارين الخطأ. الرافضون للوجود الفرنسي في المغرب كانوا يعيشون على إيقاع «أمهات الكتب»، ولم يكونوا يفهمون في الشأن السياسي. أما الذين كانوا «مُطبعين» مع فرنسا، فكانوا «محميين»، ويخدمون مصالح الأجانب وليس مصالح المغرب. وهكذا فإن المولى عبد الحفيظ كان يعيش ضغطا كبيرا على ثلاث جبهات.

لم يكن هناك بُد من التوقيع. ورغم إلحاح السلطان على الاطلاع على مسودة المعاهدة، ومطالبه بتعديل عدد من النقط، إلا أن فرنسا «تلاعبت» حرفيا بالبنود.

من الحقائق التي دفنتها فرنسا، أو لنقل «أقبرتها».. ما يتعلق بإصرار المولى عبد الحفيظ على جعل معاهدة الحماية محددة. الفرنسيون لم يكونوا يفضلون أن يكون تدخلهم في المغرب مُنتهي الصلاحية. كانوا يرغبون في إقامة مُبهمة، بدعوى «حماية» المغرب.. مم؟ الله أعلم.

لماذا لم تستعمر فرنسا المغرب مثل ما فعلت مع تونس والجزائر، وحتى مع سوريا؟ ولم تفز إلا بمعاهدة «حماية» يتيمة، خانت فيها المولى عبد الحفيظ وجعلته يوقع على شروط شكلية لم تلتزم بها وخرقتها منذ الشهر الأول.

الإجابة عن هذا السؤال تستوجب فتح أرشيف المراسلات الرسمية، حيث توجد الحقائق المُحرجة.

وجد المولى عبد الحفيظ نفسه، مع نهاية الشهر، مُجبرا على مغادرة بلاده والتنحي عن العرش. قُدمت له وعود بأن مقامه خارج البلاد سيكون مؤقتا، ليجد نفسه أسيرا في النهاية ولم تسمح له فرنسا بالاستفادة من حقوقه.

والذين يعتقدون أن الرجل غادر المغرب نهائيا مخطئون. كانت علاقة المولى عبد الحفيظ بأخيه المولى يوسف وطيدة للغاية. أما الملك الراحل محمد الخامس فكان يعتبر عمه المولى عبد الحفيظ أحب أعمامه.

رغم أن المولى عبد الحفيظ تفرغ للتأليف في آخر حياته.. وكتب كثيرا عن مساوئ فرنسا، إلا أن الذين أرادوا التوثيق للمرحلة، تعمدوا ألا يعرضوا «روايته الرسمية»، رغم أنه الطرف الأهم في المعادلة. وتطلب الأمر 43 سنة من «الحماية» لكي تفهم فرنسا شرط المولى عبد الحفيظ الرامي إلى جعل المعاهدة محددة. وتعين عليهم في الأخير أن يغادروا البلاد سنة 1955 من الباب، ورأينا كيف أنهم يحاولون دائما العودة من النافذة!

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى