
الدكتور أحمد حقي
رئيس مركز راسم للدراسات (تركيا)
هذه الورقة تتحدث عن طبيعة وأشكال التحالف والتعاون عبر العصور المختلفة بين إيران والغرب، حيث انتقيت أربع حقب زمنية ومكانية. الحقبتان الثانية والثالثة اعتمدت فيها على الأرشيف البرتغالي والعثماني والموسوعة البريطانية، إضافة إلى مؤلفات معتمدة أكاديمياً في الغرب، فضلا عن مؤلفين عرب ومؤلفين إسلاميين يتحدثون عن الحقب الأربعة. الجغرافيا حاضرة في هذا الموضوع، وهي سبب المشكلة، إذ تمدد المشروع الإيراني في جغرافيتنا، بالمنطقة الواقعة بين البحر المتوسط والخليج العربي، والتي سميت من قبل البريطانيين بمنطقة الجسر العربي. واعتمدت في ما بعد هذه التسمية وتمت على أساسها معاهدات سايكس بيكو.
الفرنسيون والبريطانيون، في النظام العالمي القديم، اتفقوا على أن شمال إفريقيا حصة فرنسا بدون منافسة بريطانية، والخليج العربي حصة بريطانيا دون منافسة فرنسية، ولكن المنطقة المتنازع عليها هي الجسر العربي ببلاد الشام والعراق، والسبب هو: خط المواصلات القديم والحديث الأمين، الذي يتجاوز ثلاث عقد تتحكم في حركة التجارة الدولية نحو الهند والصين من خلال أوروبا، وهي مضيق باب المندب وقناة السويس بالإضافة إلى مضيق هرمز.
ومن لديه القدرة على السيطرة على هذه المنطقة لديه القدرة على السيطرة على جميع خطوط المواصلات. لذلك فالصراع والمشروع الإيراني قديمان قبل موضوع الإسلام، إذ كانت دائماً عقدة نقص الهضبة الإيرانية وجغرافيتها وسكانها توجه سلكوهم بسبب عدم إطلالهم على البحر الأبيض المتوسط، لذلك فهم في صراع دائم مع الروم.
الروم أيضاً ظلوا متمسكين بهذه المنقطة، وعندنا التوثيق الديني والتاريخي لذلك. وقد هزموا في أدنى الأرض في البحر الميت، وهي في بلاد الشام، وأعادوا الكرة بعد سنين. وأنا أتكلم تاريخياً وليس فقط بالقرآن. وهزم هرقل الفرس في موقعة في منطقة (نينوى) شمال العراق. فالمنطقة مترابطة تاريخياً وجغرافياً.
استعانة الروم بالفرس بمعركة الفراض
ذكر الطبري وياقوت الحموي أول تحالف حقيقي عسكري واستراتيجي، وأشار إليه مستر (موير) في كتابه الخلافة، وهو مؤلف بريطاني تحدث عن هذه المعركة بتفاصيل واقتبس من الطبري معركة اسمها الفراض قريبا من البوكمال بين سوريا والعراق. ويقول الطبري: قصد خالد إلى العراق تخوم الشام وجزيرة العرب وأفطر في رمضان تلك السفرة، واجتمع المسلمون بالفراض وحميت الروم واغتاظت واستعانوا بمن يليها من مسالح فارس: يعني (مسلحين من فارس) واستمدوا تغلب وإياد، وكانوا من نصارى العرب، فأمدوهم وناهضوا خالداً حتى صار إلى الفرات. قالوا له إما أن تعبر إلينا أو نعبر إليكم. واستذكر خالد موقعة الجسر في الفرات مع الفرس، التي كانت فيها مشكلة في العبور فطلب منهم أن يعبروا إليه. والنقطة الأساسية هي أنهم طلبوا منه أن يتنحوا فلم يسمح لهم. وكان الروم في هذه اللحظة يتفاوضون مع الفرس ويطلقوا كلاماً مهماً ويقولوا احتسبوا ملككم، هذا الرجل يقاتل على دين وله عقل. كما طلب الروم من فارس أن يتمايزوا، فقال الروم امتازوا اليوم حتى نعرف ما كان من حسن أو قبيح وهذه تفيد بالسلوكيات المعاصرة، إنهم يمتازون في فصل جيوشهم ولكن لهم هدف واحد. وقتل في يوم الفراض في الطلب والمعركة (100000). كانت معركة كبيرة، ولكن نحن نوثق القادسية واليرموك في فتوحات بلاد الشام ولا نعرف شيئا عن معركة الفراض. نجحت المعركة ولكن (موير) شك في عدد (100000). ويذكر المؤرخون أن تعداد الفرس والروم مع تغلب وإياد حوالي (150000). وهي معركة في الحدود بين العراق وسوريا في المكان. هذه الموقعة تسببت في انتهاء المشروع الكسروي، ليأخذ الصراع بين الروم والفرس حقبة جديدة ومحطة زمانية ومكانية أخرى، نسلط عليها الضوء بسرعة، وهي التي تجلت في تحالفات الإيرانيين الصفويين مع البرتغاليين.
تحالف صفوي برتغالي
كان عند البرتغاليين مشروع، فبعدما اكتشفوا رأس الرجاء الصالح استداروا نحو المحيط الهندي قاصدين الهند، وفي طريقهم كان لا بد أن يمروا بالبحار الداخلة للمحيط الهندي، وهي: بحران مهمان هما الخليج العربي والبحر الأحمر وكذلك بحر العرب. وبدؤوا بالصدام مع عمان (مسقط) التي كانت على مدنية وتحضر. وكان القائد في هذه الحملة “ألفونسودي البوكير”، وهو أحد نبلاء البرتغال وله رؤية تقول بأنه لا يستطيع إخضاع هذه المناطق إلا بذبح وقتل سكان هذه المناطق وتدميرها وكان يعتمد سياسة واضحة بالتحالف مع الصفويين.
ولذلك اعتمد الصفويون على “البوكير”، بالتحالف ضد منظومتين سياسية وعسكرية في ذلك الوقت؛ العرب الساكنين بمواليهم المحلية والعثمانيين من خلفهم. والمحطة الزمنية الأولى كانت مترافقة مع الصراع العثماني الأوروبي من 1503 إلى 1504م. والحملة الثانية حتى 1508م. أما الثالثة فإلى 1511م. أما الحملة الرابعة فحتى 1515، بحيث أغلق (ألفونسو) جميع المنافذ التي تؤدي إلى المحيط الهندي. والأهم هو جزيرة هرمز، التي لم يستطع دخولها إلا بالاستعانة بالصفويين. وكانت مشكلته التي عانى منها في البحر الأحمر أن سفنه لم تكن تحمل المياه العذبة والمؤن.
وفي منطقة الخليج العربي بعدما تحالف مع الصفويين واستطاع أن يتمكن من جزيرة هرمز، وانفتح له الخليج العربي، فيقول المؤرخون في الموسوعة البريطانية (كما يرد في الأرشيف البرتغالي) أنه أسقط المدينة تلو الأخرى مثل خورفكان، قطر، البحرين، وحاول أن يستولي على البصرة، ولكنه فشل بسبب المقاومة العثمانية من أهل البصرة، ولكنه نجح في جزيرة فيلكة، وكان يعتمد سياسة القواعد الأمريكية. إذ كان يبني قلاعاً في مسقط: الجيلاني والميراني حتى أسماها فارسية، وهذه القلاع كان يستمد منها المؤن من الفرس، وهذا سبب نجاحه في الخليج.
ماذا حصل في البحر الأحمر، لقد نزل ألفونسو عند مصوع وحاول النزول عند عدن وفشل، فعندما نزل عند مصوع استطاع أن يعمل تحالفاً مع ملكة الحبشة هيلانا في ذلك الوقت، وكان يحاول أن يدخل البحر الأحمر. وكانت هذه أول بحرية أوروبية تدخل البحر الأحمر قاصدة جدة. وكان يحاول أن يدخل إلى مكة لهدم الكعبة ولكن الأرشيف البرتغالي والبريطاني يذكر أن هذا ليس السبب الرئيسي.
وتقول تلك المراجع إن ألفونسو كان يريد دخول المدينة المنورة لهدم قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذ جسده رهينة. حتى يتم التفاوض مع المسلمين وخروجهم من الأراضي المقدسة والسيطرة أيضاً على منابع نهر النيل ويحوله إلى البحر الأحمر ليسقط مصر لتتم السيطرة على مصر. وسبب فشله في الوصول إلى جدة: الله سبحانه بسبب الرياح، ونقص المياه والمؤن، وبعد الصفويين عنه. ومن التحالفات والرسل السفير الفارسي الذي وصل جزيرة هرمز وحمل الهدايا والمؤن 1515. وكذلك السفير الذي وصل جزيرة كيرلا في الهند، وقد بقي سفير ألفونسو في تبريز وأصفهان لمدة عامين واسمه فيريرا.
الحقبة العثمانية الصفوية
من المصادر التي اعتمدت عليها، بشأن الحقبة الثالثة: فاوينديش أوف بورتر كرس امباير، والسيزر اف ذ سيت، وهذا مؤلف في بريطانيا. وهذه هي الحقبة العثمانية الصفوية: وقد تم إرجاع الجيوش العثمانية مرتين من فيينا، إذ سيطر السلطان سليمان القانوني على أسوار فيينا 36 ساعة. كما أن الحسم الذي أنجزه سليم الأول، في مرج دابق مع المماليك، كان بسبب العلاقة الدبلوماسية التي عملها الجنرال قانصو الغوري مع الشاه إسماعيل الصفوي، وأدى بسليم الأول إلى أن يغزو بلاد الشام ومصر. ولذلك أخذ الخلافة والعهدة، وهي البيرق والبردة والسيف، وأصبح منذ ذلك الوقت خليفة المسلمين. وكانت حقبة ابن سليمان القانوني هي حقبة الفتوحات والاندفاعات نحو أوروبا. والمؤرخ (هارد لام) يذكر في وثيقة (1523) أن الرسل الموفدين من البندقية ذهبوا إلى الشاه في إيران ليحثوه على حرب الدولة العثمانية، وأن هذه الحرب ستخفف الضغط عن مدينة (فيينا) والبحر الأبيض المتوسط. وفي 16 أبريل 1523 في عهد الإمبراطور (شارلي كان) إمبراطور إسبانيا وألمانيا وهولندا تم إسقاط فرنسا لكن سليمان القانوني أرجعها وتم توجيه رسالة إلى إسماعيل الصفوي لحثه على التحالف. حتى أن السفير النمساوي قال: ما لكم حل لهذا الطاعون، أي الجيوش العثمانية التي اقتربت من حدود فيينا، إلا الجيوش الإيرانية. وبعض المستشرقين في بلجيكا يقولون: لولا الإيرانيين لكنا نقرأ القرآن في بلجيكا.
هذه الفترة اتسمت بالصراعات، ولكن توجد محطة مهمة وهي أن نادر شاه جاء بعد سقوط الدولة الصفوية على يد الأفغان وأعلن نفسه شاهاً، وهاجم الأفغان في أراضيهم وأنزل بهم الهزيمة من جديد، وفرض المذهب الجعفري على الأذريين، لكنه فشل في فرضه على الأفغان بسبب قيام ردة فعل الأفغان لرد الاعتبار لمدنهم مثل قندهار. وكان نادر شاه في ذلك الوقت قاطع طريق، واستطاع أن يجمع في شيراز 5000 مسلح وتمكن من طرد الأفغان وجلب الإيرانيين ولكن ليس تحت الحكم الصفوي على الرغم من كونه شيعيا اثني عشريا.. أما مراد الرابع فأعاد الجيوش من فيينا بعد سقوط بغداد مرة ثانية.
وأذكر نوعين من التعاون؛ الأول عن طريق المدفعية. ومشكلة الدولة الإيرانية أن المدفعية كانت في وجه المدفعية العثمانية رغم أن هذه الأخيرة كانت متفوقة وكانت المدفعية هي أسلحة الدمار الشامل. وقد ذهب خبراء بريطانيون متخصصون في هندسة صب المدافع بين 1996 و1999 إلى وحلوا مشكلة تفوق المدفعية العثمانية عن طريق تطوير المدفعية الإيرانية. ويمتلك الإيرانيون أسلحة دمار في ذلك الوقت (وقد اعتمدوا على المدفعية لمواجهة الجيش العثماني في عهد طهماسب وعباس الصفوي)، ما سبب هزائم متكررة هي التي رسمت الحدود الحالية بين العراق وإيران، وهي خطوط وقف إطلاق النار بين الإيرانيين والعثمانيين نتيجة التفوق الإيراني.
أما التعاون الثاني فتمثل في مهندسين في عبور الأنهار، إذ كانت هناك عوائق في عبور نهر دجلة. لذلك بنيت الجسور وطوقت بغداد عن طريق نادر شاه الذي لم يفلح بسبب انتشار الكوليرا بين الجيش الصفوي.
اتفاقات وتواطؤات
في المرحلة الرابعة، تجدر الإشارة إلى أنه، في عهد القجاريين، تم تسليم الأحواز قطر عربي كامل بشعبه بمقدراته باتفاق بين البريطانيين والقجاريين. (وهنا عبارة في موضع فلسطين تعلمناها منذ الصغر “وَهَبَ ما لا يملك لمن لا يستحق ـ لليهود” نفس القصة مع الأحواز). وهذه إطلالة كاملة على الخليج العربي كان يحلم بها الإيرانيون كما في قضية البحر المتوسط. وفي محاضرة بمؤتمر أعمال الخليج وتحديات المستقبل (13/1/2004 مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية)، يقول محمد علي ابطحي نائب الرئيس للشؤون القانونية لولا التعاون الإيراني لما سقطت بغداد وكابل بهذه السهولة. ونقلت جريدة الشرق الأوسط عن علي هاشمي رفسنجاني، رئيس تشخيص مصلحة النظام، أنه لولا الجيش الشعبي الإيراني الذي ساهم في دحر طالبان لغرقت أمريكا في المستنقع، وذلك في خطبة جمعة في طهران. وفي مذكرات رامسفيلد، يتحدث عن اللجنة الأمنية بين بريمر والسفير كروكر وقاسمي قمي وحسن كاظمي قمي.. واجتمعت اللجنة (28 / 7 / 2005) وتم اتخاذ قرارات استراتيجية وتوجت هذه القرارات بزيارة أحمدي نجاد إلى المنطقة الخضراء عن طريق مطار بغداد وكانت قاعدة أمريكية.
وفي 2 / 3 / 2008، كانت هناك زيارة علنية في ظل الهيمنة الأمريكية، ودخل أحمدي نجاد المنطقة الخضراء دون أن يفتش، في حين كان الحاكمون للمنطقة يفتشون قسرياً من قبل الأمريكان ودون أن تسلم النساء، ودخل نجاد وكأنه فاتح. وهذه الأحداث ليست قصة بل هي نمطية.. وهذا هو قانون العلاقات لدى إيران، عبر حثيين اخمليين كسرويين صفويين شاه شانيين خمينيين خامنيئن والقادمين من بعدهم.. حتم عليهم هذا السلوك بسبب الجغرافيا وتشكل العقلية السياسية، ليس فقط عند الحاكم، ولا يختلف إصلاحيون أو غيرهم، بسبب السلوك الجمعي للأمة الفارسية. ويمكن القول إنه بخصوص الأتراك فقد أخرجهم الإسلام من البداوة إلى التحضر، أما الإيرانيون فأرجعهم الإسلام من الأستاذية إلى مرتبة دونية مع العرب والأتراك وسكان المنطقة.
نافذتان:
قال السفير النمساوي: ما لكم حل لهذا الطاعون إلا الجيوش الإيرانية. وبعض المستشرقين في بلجيكا يقولون: لولا الإيرانيين لكنا نقرأ القرآن في بلجيكا.
نقلت جريدة الشرق الأوسط عن رفسنجاني رئيس تشخيص مصلحة النظام أنه لولا الجيش الشعبي الإيراني الذي ساهم في دحر طالبان لغرقت أمريكا في المستنقع.





