
يونس جنوحي
سفير مغربي إلى إسبانيا هذه المرة. في وضع إقليمي وسياسي مُقلق، قرر المولى إسماعيل أن يختار شخصا مثقفا لمهمة التفاوض مع ملك إسبانيا، كارلوس الثاني، سنة 1690، بحكم أن شِقا من المهمة يتعلق باستعادة مكتبة سرقها الإسبان في عهد الدولة السعدية.
نشأ الوزير الغساني في مدينة مراكش، وهو ابن أسرة فرّت من الأندلس واستقرت في المغرب، واشتهر جده بنبوغ في الطب أيام الدولة السعدية.
كان الوزير الغساني فتح عينيه في أجواء انشغال أسرته بشغل المناصب المهمة في البلاط.. فقد انهمك في نسخ الكتب للسلطان المولى إسماعيل، وحرر رسائله إلى الولاة والخلفاء في ربوع المغرب، وكانت لديه بصمة واضحة في مراسلات السلطان السرية.
عرف الغساني الوزير، في أوساط العلماء المغاربة، بإلمامه بمحتويات خزانة السلطان، وحفظه لعناوين الكتب ومتونها وبراعته في الخط.. لقد كان فنانا في الخط وزخرفة الكتب، قبل أن يكون وزيرا.
ولهذا السبب اختاره المولى إسماعيل ليفاوض الملك الإسباني كارلوس الثاني في مسألة الخزانة الزيدانية.
إذ لم يكن هناك أي مغربي أعلم من الغساني بمحتويات مكتبة السلطان السعدي زيدان. ويعود زمن جمع محتويات المكتبة إلى عهد السلطان المنصور الذهبي..
تعود تفاصيل الواقعة المتعلقة بالمكتبة إلى سنة 1612 -أي قبل ولادة المولى إسماعيل بقرابة ثلاثين سنة- كان السلطان زيدان ينقل أغراضه بحرا من الصويرة نحو آسفي. واستأجر باخرة فرنسية، ربانها فرنسي، لنقل حمولة من قصره.. والحمولة كانت الخزانة السلطانية التي ورثها عن والده.
لكن المفاجأة أن الإسبان اعترضوا سبيل الباخرة، وصادروها وأجبروا قائدها على الإبحار بها في اتجاه إسبانيا، هناك صودرت حمولتها واحتفظ الإسبان بالمكتبة.
عندما أصبح المولى إسماعيل سلطانا للمغرب، كان قد سمع كثيرا عن مكتبة السلطان السعدي التي سرقها الإسبان.. وقرر أن يبعث من يفاوض ملك إسبانيا لاستعادتها. هكذا وقع الاختيار على الوزير الغساني، خبير العناوين والكتب، ليتكلف بالمهمة، ويفاوض أيضا في مسألة استعادة الأسرى المغاربة لدى الإسبان.. ومسألة الأسرى الإسبان في المغرب.
المثير أن الوزير الغساني دون مشاهداته بنفسه وأنجز مخطوطا أطلع عليه السلطان بعد عودته من مهمته إلى إسبانيا، واختار له العنوان التالي: «رحلة الوزير في افتكاك الأسير».
يبقى الغساني أحد أوائل السفراء المغاربة الذين سجلوا مشاهداتهم ويوميات رحلتهم الرسمية أولا بأول.. فقد كانت الكتابة مهنته الأولى، قبل الوزارة والسفارة!
في يوم 19 أكتوبر 1690، انطلق الغساني في رحلته صوب إسبانيا، حاملا معه توجيهات السلطان المولى إسماعيل والخطوط الحمراء التي لا يجب نهائيا أن يتنازل عنها..
انطلق الوزير الغساني من مكناس، ووصل إلى سبتة ومنها ركب البحر في اتجاه أول المرافئ الإسبانية، وسجل بدقة مسار رحلته في المناطق الإسبانية، فقد زار ما يقارب عشر مدن، ومر بعشرات القرى ليصل إلى مدريد، في رحلة استمرت إلى غاية يوم 20 ماي 1691 وامتدت لسبعة أشهر.
يحكي الغساني عن لحظة انطلاق رحلته إلى إسبانيا انطلاقا من سبتة وجبل طارق:
«كان وصولنا إلى هذه المرسى يوم الأربعاء أواسط محرم، فاتح اثنين بعد المئة والألف، وهو يوم ركوبنا البحر من قصبة أفراك المطلة على سبتة أعادها الله دار الإسلام. فوجدنا بالمرسى مركبا مهيبا مشحونا بالإقامة وما يستحقه من الآلات..
وكان هذا المركب، لما أن وجه به الدوق المذكور على يد حاكم «قالص»، أرسى به في سبتة أعادها الله للإسلام. فلما تحرك الريح الشرقي، الذي لا يمكن معه بقاؤهم قرب سبتة، ولا في حوزها، رجعوا به إلى مرسى جبل الفتح، وأقاموا هنالك ينتظرون الريح الذي يمكنهم فيه الرجوع إلى مرسى سبتة لملاقاتنا، وكان معهم ولد القبطان، وأعلمونا بانتظارهم لورود المراكب التي في جبل الفتح. قلنا لهم إمّا أن توجهوا إليها، وإما أن نعبر نحن البوغاز في مراكب صغار لسرعتها في العبور، وخفّتها، وشدَّة جريها. فأعدوا لنا ثلاثة مراكب صغار، وهيؤوها، وشحنوها بالشلظاظ والمدافع التي تحميها، وركبنا فيها وسرنا فيها بحفظ الله ووكالته نصف يوم، إلى أن دخلنا المرسى المذكورة، وانتقلنا من المراكب الصغار إلى المركب المعد لنا هنالك، وتقدمنا إلى مدينة قرب جبل الفتح، وبتنا بالمركب.
ولما انتصف الليل، هاج علينا البحر، واشتد هيجانه وتلاطمت أمواجه، والمركب يتقلب يميناً وشمالاً، ويتمرغ كما تتمرغ الدابَّة، إلى أن دَخَلَنا الفزع والرعب، وبقي الحال كذلك إلى أن طلع الفجر، وأهوال البحر لا تُحصى ولا تحصر، والشيء يُسمع فيْحْقَرُ حتى يُبْصَر..».
رغم خبرة الغساني في السلطة وحياة الوزارة ودرايته بأمور الكتابة وأمهات الكتب، إلا أنه لم يكن جرّب البحر من قبل.. وبدا واضحا أن رحلته كانت الأولى من نوعها التي يركب فيها البحر، وهو المراكشي المنشأ الذي نقلته السلطة إلى مكناس برا.. كان البحر قد نال من وزيرنا، لكن تقلباته أبقت تفكيره يقظا ومستعدا للتفاوض مع الملك كارلوس الثاني.





