
بقلم: خالص جلبي
بين عامي 1949 و1995 م تعرض الدولار الأمريكي إلى مرض عضال لم يتعاف منه حتى اللحظة، فخسر مقابل المارك الألماني أكثر من ثلثي قوته (1)، فهو يكافح للبقاء بأقل من ثلث طاقته الأصلية، ولم تنتشله من وضعه البئيس حتى الآن كل حفلات تدخل البنوك العالمية، ولا حقن الكورتيزون المالية، أو جرعات العلاج الكيمياوي الاقتصادية، فهو يذوي ويضمر مع كل يوم مثل مريض السرطان المدنف، أو مثل البيت المنهار الذي نسمع قرقعة جدرانه المتساقطة، وتَقَصْفَ سَقْفِه المتداعي (فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لايشعرون)(2). وهذا يطرح العديد من الأسئلة فهل هذا مجرد تراجع لعملة في السوق، أم مظاهرة عميقة لإفلاس اقتصادي بدون قاع، وانكماش مالي خطير يضع الولايات المتحدة في حالة صدمة مالية غير قابلة للتراجع؟ كما هو معروف في الوفيات الجراحية (IRREVERSIBLE SHOCK) وعلى الشكل الذي شرحها الاقتصاديان الأمريكيان (هاري فيجي) و(جيرالد سوانسون) في كتابهما (الإفلاس 1995 الانهيار القادم لأمريكا) بمخطط عصا الهوكي في العجز المالي الأمريكي، والذي تنبأ بكارثة للدولار الأمريكي في فبراير – شباط من عام 1995 م (3).
هل نحن شهود تراجع أعظم إمبراطورية عرفها الجنس البشري حتى الآن؟ لتصبح دولة من الدرجة الثانية، كما يتنبأ لها بذلك المؤرخ الأمريكي (باول كينيدي) تحت دراسته الموسعة لصعود وأفول نجم القوى العظمى خلال القرون الخمسة الفارطة، فينطبق على أمريكا ما انطبق على الإمبراطورية الإسبانية في القرن السادس عشر والإنجليزية في القرن العشرين (4)، لتودع أمريكا صدارة العالم مع القرن الحادي والعشرين، مخلِّيةً المكان لليابان (أو الصين) التي تستعد لاستلام قيادة مجال الباسفيك ـ على الأقل ـ كخليفة جديد مرشح بعد انهيار الولايات المتحدة الأمريكية على النحو الذي طرحه (شينتارو إيشيهارا)، عضو الدايت (البرلمان) الياباني، في كتابه (اليابان تقول لأمريكا لا) (5)، أو قولة نابليون عن الصين إنها إذا نهضت اهتز العالم.
هل ستسقط الولايات المتحدة كما سقط الاتحاد السوفياتي صريعا لليدين والجنب بدون أي هجوم خارجي، وهو يملك أسلحة تدمير الكون عدة مرات؟ وهل كان صراع الديناصورات العظمى واستنزاف معظم الإمكانيات في التسلح ومتعلقاته والنزف المالي الرهيب، الذي يضخ رحلة التسلح بدون توقف هو الذي قاد إلى هذا السقوط المريع؟ هل كان مؤشر موت الديناصور الأول دلالةً بعيدة المغزى للسقوط الوشيك للديناصور الثاني، وبنفس آلية النزف السابقة التي أودت بحياة مملكة لينين وأتباعه؟ (وتلك الأيام نداولها بين الناس)(6). وهل سيكون القرن الحادي والعشرون قرن اليابان وألمانيا وعصر الين والمارك أو الصين مع عملة يي وان (YUAN)، مع الاستعداد لتعلم لغة الماندرين أمام التنين الصيني الذي يلتهم العالم، أم أن هناك قوى جديدة غير متوقعة ستبرز للساحة؟ وأين مصير العالم الإسلامي كله في هذه البانوراما الكونية؟
*********************
من الغريب أن نكبة الدولار الحالية قد تنبأ بها اثنان من المحللين الاقتصاديين الأمريكيين، اللذين أعلنا صيحة الخطر بشكل مفزع عن الوضع الاقتصادي الأمريكي، في كتاب صدر لهما، قبل سنوات، بأن أمريكا مقبلة على إفلاس مالي كامل، وأن الدولار لن تبقى له أي قيمة (وكانت توقعاته مبكرة منذ عام 1997م) قال الرجل: (لن يبقى للولايات المتحدة التي نعرفها اليوم أي وجود بحلول عام 1995 م، ففي هذا العام ستنزلق البلاد نحو الإفلاس وحينها سيزول عصر القوة الأمريكية بزوال طريقة الحياة الأمريكية، ولن تخرج البلاد من أزمتها إطلاقا، ما لم يبدأ العمل فورا لإنقاذها من الكارثة الوشيكة)(7)! ويتوقع هذا المحلل الاقتصادي أن البلاد (ستعيش تحت وطأة كابوس اقتصادي يفوق الكساد العظيم بمراحل، ويحول أمريكا إلى دولة سادت ثم بادت)(8).
هوامش ومراجع:
(1) في عدد مجلة «الشبيغل الألمانية» (11) الصادر في 13 مارس 1995 م، ص: 101 (كان سعر صرف الدولار الأمريكي يعادل في 19 شتنبر 1949 م (2.4) مارك ألماني، ليصبح في 8 مارس 1995 بأقل من (1.37) من المارك الألماني. (2) سورة النحل: الآية، 26. (3) يراجع في هذا كتاب «الإفلاس الأمريكي لعام 1995» – تأليف هاري فيجي وجيرالد سوانسون – ترجمة محمد دبور – الأهلية للنشر والتوزيع – ص: 74، حيث عرض المؤلف الديون الأمريكية منذ عام 1780 م حتى نهاية القرن على فرض استمرارها، فأعطى المخطط البياني صورة (مضرب لعبة الهوكي مقلوبة)، حيث ارتفعت الديون بشكل حاد مفاجئ، فقبل حكم جونسون لم يتجاوز العجز 44 مليار دولار ليصل في عهد ريغان إلى 1.3 تريليون دولار، وهي في حالة زيادة وكانت التوقعات أنها ستصل مع نهاية القرن عام 2000 ميلادي إلى 13 تريليون دولار، وهي مع كتابة هذه الأسطر 34 تريليون دولار والمتوقع أنها ستقفز مع عام 2030 إلى خمسين تريليون دولار. (4) يراجع في هذا كتاب «صعود وسقوط القوى العظمى» – التغيرات الاقتصادية والصراع العسكري من 1500 حتى 2000 ميلادي، ص: 705: وفي هذا الصدد هناك بعض الصدق في تشبيه وضع الولايات المتحدة اليوم بوضع القوى المهيمنة السابقة التي اعتراها التدهور. (5) ترجمة هالة العوري، الناشر يافا، ص: 34: (إن العالم على أبواب مرحلة زمنية تتسم بالتحول .. فالواقع أن قوة العالم اليوم التقنية والصناعية والاقتصادية آخذة في التحول التدريجي من الغرب إلى الشرق، ولست أدري إن كان هذا يعني بزوغ الحقبة الباسيفيكية .. ولهذا ينبغي على الساسة الأمريكيين توضيح الأمر لشعبهم بأن الزمن آخذ في التغيير). (6) آل عمران، الآية: رقم 140. (7) المصدر السابق نفسه، ص: 9. (8) المصدر السابق نفسه، ص: 19.
نافذة:
هل ستسقط الولايات المتحدة كما سقط الاتحاد السوفياتي صريعا لليدين والجنب بدون أي هجوم خارجي وهو يملك أسلحة تدمير الكون عدة مرات





