
يونس جنوحي
أغلب الذين كتبوا عن الحسن الثاني أجمعوا على أن الملك كان يمتاز بذاكرة قوية. وهنا يقدم لنا السفير محمد التازي مثالا على قوة ذاكرة الملك. فقد كان اللقاء الذي جمعه بالملك صيف سنة 1984، وهما على متن سيارة يقودها الملك بنفسه، مناسبة ليذكره الملك بواقعة تعود إلى سنة 1964. واغتنم التازي الفرصة عندما أشار إلى ما دار بينه والملك في الطريق بين الدار البيضاء والرباط (الرحلة تجاوزت الرباط ولم يكن التازي يملك فكرة نهائيا عن الاتجاه الذي كان يقصده الملك بسيارته كما يحكي في أوراقه الشخصية)، ليستعيد الواقعة التي تعود إلى سنة 1964، والتي كان وسيطا فيها بين الملك الراحل الحسن الثاني والسيد علال الفاسي.
فقد فهم التازي، متأخرا، سر استدعاء الملك له من لبنان، ليجد نفسه حلقة وصل بين الملك وعلال الفاسي الذي كانت العلاقة بينه والقصر الملكي انقطعت تماما في ذلك الوقت.
بعد اللقاء الملكي سنة 1964، توجه التازي إلى مسكن علال الفاسي، وهو الذي كان يعتبر نفسه ابنا روحيا لزعيم حزب الاستقلال وأحد أقرب مقربيه. وبعد الحديث في عدد من المواضيع، وصل الوقت للحديث عن علاقة علال الفاسي مع القصر. وهذا ما سجله التازي، في مفكرته الشخصية، بهذا الشأن:
«أما عن العلاقة مع جلالة الملك، فقال السي علال:
– ليست لنا علاقة حتى يمكن أن نصفها، فكل الأبواب مغلقة، ولم نتمكن من اختراقها رغم محاولاتنا المتواصلة.
وهنا بدأت تلمع في ذهني فكرة استدعائي من بيروت، وفكرة التليفون الخاص، والسي علال يرحمه الله، يواصل حديثه، وأنا غارق في تخيلاتي، غير منتبه إلى ما أسمع، واستبعدت ما لمع في ذهني، ثم ألح علي إلحاحا.
وغامرت بطرح سؤال مباشر على سيادته، وهو:
-ما رأيكم في طلب مقابلة مع جلالة الملك؟
فقال الزعيم:
-فعلنا ذلك مرارا، ولم نوفق.
قلت:
-لنحاول من جديد، فمن يدري لعل الظروف أصبحت الآن مناسبة.
استشعر الزعيم أن في الأمر خبيئا فقال:
-ماذا عندك تخفيه؟
وأجبته:
– ليس عندي ما أخفيه عنك وإنما هو «حدس» ساعِدني على اكتشاف حقيقته.
وقصصت عليه ما دار بين جلالة الملك وبيني في نهاية المقابلة، وسر رقم التليفون، وتعبير جلالته: «اتصل بي فيه إذا احتجت إليّ».
وقلت له:
– لقد تعودت من جلالته أن أتلقى رسائله بدون تصريح، فهو يعتمد على بديهة مخاطبيه، ولذلك فأنا، «آسي» علال، أزداد إيمانا بأن الهدف هو إبلاغكم قراره بالاجتماع بكم، ونظرا لاعتبارات، هو وحده يقدرها، يرى جلالته أن تطلبوا مقابلته.. وبعد سبر أغوار هذا الاستنتاج، واحتمال صحته، قررنا أن نختبره عمليا، فأدرتُ رقم التليفون وكانت المفاجأة أن الذي رد على التليفون هو صاحب الجلالة بنفسه، وبدا لي أن جلالته كان يترقب مكالمتي فقلت لجلالته:
– الله يبارك في عمر سيدنا، السي علال يلتمس مقابلة مع سيدنا للسلام على جلالته.
جلالة الملك:
-مرحبا به آ التازي، غدا إن شاء الله اصحبه مع السيد «بوستة» إلى السويسي في الساعة السابعة عشية.
وانتهت المكالمة، وصدق الاستنتاج وظهر سر الاستدعاء من بيروت، وسر الرقم الخاص، فحين قرر جلالته أن يستقبل الزعيم علال والسيد امحمد بوستة قرر كذلك أن يمنح شرف تنفيذ القرار الملكي إلى الابن الروحي للزعيم علال، ومخلص أمين للعرش والوطن.
ابتهج الزعيم بما سمع ورأى، ابتهاجا لا أستطيع وصفه بكلمات، فاتصل بإخوانه أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب الموجودين في الرباط، وبدل أن يكون العشاء خاصا بي، بات الحاضرون له هم السادة:
الحاج عمر بن عبد الجليل، محمد اليزيدي، أبو بكر القادري، امحمد بوستة، امحمد الدويري، عبد الحفيظ القادري.
أبلغهم السي علال القرار الملكي، وحمى النقاش عن المقابلة المفاجئة التي لم يكونوا مستعدين لها.. وما هي الموضوعات التي سيثيرونها مع جلالته؟ ولماذا تقتصر المقابلة على الزعيم علال والسيد امحمد بوستة؟ وكانت الرغبات السابقة تطلب مقابلة مع اللجنة التنفيذية للحزب».





