عندما هددت ألمانيا بمحو أكادير من الخريطة
وصول بارجتها «بانثير» زاد من حرارة يوليوز 1911 بالمغرب

«قبل أن يحل يوم 21 يوليوز 1911 الذي استفاق فيه سكان أكادير على مشهد بارجة ألمانية ضخمة، تحول بينهم وبين زرقة المحيط، كانت الأجواء السياسية تُنذر بأن الألمان سوف يتحركون عسكريا في شمال إفريقيا.
لكن من كان يتصور أن أولئك الألمان الأربعة الذين اعتادوا على السير جيئة وذهابا في مرسى أكادير، يزاحمون الصيادين البسطاء والحمّالين، سوف يصبحون ذريعة تدخل بسببهم الألمان وهددوا بقصف المدينة.
هؤلاء الألمان، راسلوا قنصل بلادهم في طنجة الدولية، وادعوا في رسالة تظلم أنهم يتعرضون للأذى والتضييق في أكادير، ولمحوا إلى أن حياتهم صارت مهددة، خصوصا وأن السياق العام وقتها كان حافلا بأحداث اختطاف الأجانب والاعتداء عليهم.
تدخل الألمان على الفور، بمجرد ما أن وصلت الرسالة إلى العاصمة، وأرسلوا البارجة البحرية «بانثير»، ونشرت مقالات عن استعداد ألمانيا لقصف أكادير ونشر قواتها العسكرية في المنطقة.. لكن البارجة بقيت «تتشمس» تحت شمس أكادير الدافئة، إلى أن حل شهر نونبر، وانتهت الأزمة بموجب اتفاق بين الحكومة الفرنسية والألمانية، مفاده أن فرنسا تتنازل لألمانيا عن مستعمرات في إفريقيا، خصوصا الكاميرون، مقابل أن تُزيل ألمانيا المغرب من مخططاتها العسكرية المقبلة..».
يونس جنوحي
+++++++++++++++++++++++++++++++++
الألمان خططوا لاحتلال جزء من المغرب والدخول من أكادير
أربعة مقاولين ألمان، كانوا يقيمون بشكل مؤقت في مدينة أكادير سنة 1911، لمراقبة مشاريعهم التجارية. هؤلاء المقاولون كانوا يستوردون بعض المواد الخام من أكادير ويوجهونها بحرا إلى بريطانيا. وفكروا في إقامة مكتب فرعي لشركاتهم، في مرسى أكادير. لكنهم لم يحظوا بالموافقة، لا من ممثلي المخزن، ولا من بعض الفرنسيين الذين كانوا ينافسون في المجال نفسه، لكن في ميناء الصويرة و«مازاگان».
البريطانيون أيضا ضيّقوا على الألمان، وبقيت بعض الشركات البريطانية تفضل ألا يحظى الألمان بأي امتياز.
ادعى المقاولون الألمان أنهم مهددون بالقتل من طرف بعض المتعصبين المغاربة، ومرد هذا الادعاء راجع إلى اشتغال أحد أولئك الألمان في التنقيب عن المعادن.
وبحكم المخاطر التي تعرض لها الأجانب من جنسيات أخرى، أثناء محاولات اختراقهم لبعض القرى، خصوصا في الفترة ما بين 1909 و1911، فقد كان سهلا على الألمان أن يشتكوا من محاولات التضييق أو التهديد بالقتل، في ذلك السياق الإقليمي المكهرب.
كتب التجار الأربعة رسالة إلى القنصل الألماني في طنجة، طلبوا منه التدخل، ومراسلة وزارة الخارجية الألمانية، «لإنقاذهم». بعض الروايات تقول إن المقاولين الألمان اختطفوا على يد بعض السكان المتعصبين، وطلبوا أن تتدخل مصالح بلادهم لإنقاذهم، مثل ما وقع للثري «بيرديكاريس» في ماي 1904، وتدخلت الولايات المتحدة الأمريكية لإنقاذه، وهدد المرشح الرئاسي وقتها بمحو طنجة من الخريطة لإنقاذ بيرديكاريس من قبضة الثائر الريسولي. علما أن هذا الأخير نفى أن يكون قد اختطف هذا المواطن الأمريكي من أصول يونانية، بل هناك رواية أخرى تقول إن الاثنين معا اتفقا على فبركة مسرحية الاختطاف، للحصول على أموال الفدية، ويستفيد منها الطرفان. فهل لجأ الألمان إلى الحيلة نفسها؟
الواقعة أساسا حدثت في سياق تاريخي عصيب، يتعلق بتداعيات مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906. لقد كان الألمان يُحسون أنهم تعرضوا للإقصاء، ولم تعد لهم حظوظ في شمال إفريقيا ككل. حتى أن الإمبراطور الألماني زار مدينة طنجة الدولية في نهاية مارس 1905، واعتبرت زيارته تاريخية بكل المقاييس، وتأكيدا على أن ألمانيا ما زالت ترغب في جزء من التراب المغربي، نكاية في فرنسا وإسبانيا، اللتين كانتا قد وضعتا يديهما على المغرب تباعا، لاقتسامه جغرافيا إلى نصفين.
بدا للألمان أن منطقة أكادير، التي تشكل منتصف المغرب تماما، الأنسب لتدخل عسكري يضمن للألمان حيزا جغرافيا، يصلح أن يكون مستعمرة في المستقبل.
استمر وجود الألمان من يوليوز 1911 إلى شهر نونبر من السنة ذاتها. قرابة أربعة أشهر من الحرب الباردة، مكث خلالها الألمان متربصين، في انتظار أن تتطور الأحداث ويحدث تدخل فرنسي أو إسباني، يعطي ذريعة لبدء هجوم ينتهي ببسط القوات الألمانية سيطرتها على الأرض، واحتلال أكادير. لكن شيئا من هذا لم يحدث.
إذ إن وزير الخارجية الألماني تفاوض مع الرئيس الفرنسي وقتها، وتوصل الطرفان إلى اتفاق تتخلى بموجبه فرنسا عن مناطق في مستعمرات إفريقيا، خصوصا الكاميرون، لصالح ألمانيا، على أن تُزيل ألمانيا المغرب من لائحة مخططاتها نهائيا.. وهذا ما وقع.
زيارة القيصر الألماني التاريخية كشفت طموحه لاستعمار المغرب
عندما فكر «گيوم» الثاني في زيارة طنجة، لم يكن حبه لمنظر البحر المتوسط، أو ما كان يقرأه عن طنجة الدولية في صحافة بلاده، ما جعله يتكبد عناء السفر ومشقة البحر.
الباحث المغربي، د. محمد كنبيب، الذي سوف يتفصل في بعض الجوانب المتعلقة بالتدخل الأجنبي في المغرب، في سياق أحداث 1911، وما قبلها، خصص بحثا مطولا في الموضوع، سنعود إليه في هذا الملف. وهنا نقتبس أولا ما سجله بخصوص العلاقات المغربية الألمانية، بعد وفاة المولى الحسن الأول سنة 1894. يقول:
«جمعت المغرب منذ سنة 1885 «صداقة» مع ألمانيا التي جاءت متأخرة في السباق نحو المستعمرات، بحكم انشغالها بتحويل أنظار فرنسا عن «الخط الأزرق لجبال الفوج». لكن تبين أن ذلك غير كاف لتعويض الفراغ الذي مهد له «التحرر من الالتزام» لبريطانيا العظمى إزاء المغرب، حيث تميزت سنة 1894 بأزمة قوية في العلاقات المغربية الألمانية. تجسدت في استعراض عسكري بحري منظم من طرف الألمان للإسراع بتسوية 200.000 فرنك المفروضة على المخزن كتعويض عن مقتل اثنين من تجارهم. فأفادت هذه الوضعية فرنسا للتقدم نحو توات وواحات كورارة وتديكلت، مثلما شرعت في التخطيط لغزو القصور الواقعة في الشمال.
لقد ظل المخزن أمام هذه الأطماع عاجزا عن الحركة، سيما وأن الانهيار الداخلي تزايدت حدته، بسبب استفحال نظام الحمايات. فبدا «ضياع الإمبراطورية» المصير محتوم على حد تعبير دي مونبيل (De Monbel) ، وزير فرنسا بطنجة، خصوصا وأن المحميين والمخالطين الزراعيين كانوا يسارعون إلى تسهيل التسرب التجاري الأوروبي، الذي تولدت عنه آثار وخيمة على الاقتصاد المغربي، فالميزان التجاري أصبح غير متوازن.
شكلت زيارة الإمبراطور الألماني (31 مارس 1905) حدثا مفاجئا على الساحة الدولية، وأنعشت في المغرب آمال معارضة الأطماع الفرنسية. فقد كان هدف الزيارة هو تجاوز تحييد ألمانيا دبلوماسيا، وفرضها طرفا أساسيا في توزيع «الكعكة المغربية»، وتأمين الامتيازات والمصالح الاقتصادية والتجارية الألمانية في المغرب. فخاطب الإمبراطور الألماني الجالية الألمانية، مؤكدا معارضته لأي محاولة فرنسية لفرض حمايتها على المغرب والاستفراد به. ونجم عن الموقف الألماني توتر في العلاقات بين باريس وبرلين.
كان المؤتمر الدولي المنعقد في الجزيرة الخضراء من 16 يناير إلى 7 أبريل سنة 1906، والهادف إلى إيجاد حل للأزمة المغربية الأولى، قد نجح في تجاوز إشعال نزاع مسلح بين فرنسا وألمانيا وبين حلفائهما على التوالي. (ولم يتم الوصول إلى هذه النتيجة إلا عبر فرض بنود جديدة قاسية وتطاولات إضافية، نقصت بشكل شبه تام من الاستقلال المغربي، رغم أن الموقعين على الاتفاق النهائي أكدوا جميعا «سيادة جلالة السلطان الشريفة ووحدة أراضيه». ومن أهم الإجراءات التي أقرها مؤتمر الجزيرة الخضراء الاعتراف بالحقوق الخاصة لفرنسا وإسبانيا، والتأكيد على مبدأ المساواة الاقتصادية للدول الكبرى، وإقرار مبدأ الباب المفتوح في المجال التجاري، ومنع إجراء أي إصلاح جبائي أو مالي دون موافقة مسبقة من الممثليات الأوروبية. فضلا عن تنظيم «بوليس» في الموانئ بتأطير فرنسي وإسباني، وإنشاء «لجنة مكلفة بالأشغال العمومية»، وتأسيس بنك مخزني مغربي برساميل أجنبية..».
++++++++++++++++++++++++++++++++
هكذا كادت الحرب العالمية أن تندلع قبل ثلاث سنوات من موعدها
يحكي الكاتب البريطاني برنارد نيومان، عن قصة وصول الألمان إلى أكادير، في كتابه Morocco Today «المغرب اليوم»، الذي نشرت «الأخبار» ترجمة حصرية وكاملة له على حلقات في العام الماضي، وعن سياق سنة 1911 شديد الاحتقان.
تجول نيومان سريعا في أكادير حال وصوله إليها سنة 1952، ولاحظ أن المدينة تشهد طفرة عمرانية على يد المعمرين الفرنسيين، دون أن تفقد – في ذلك الوقت على الأقل- اللمسة القديمة التي جعلت منها منطقة سكنية بسيطة ملاصقة للبحر، لتربط سوس «المحرم» على الأجانب لقرون طويلة، مباشرة مع البحر.
يقول نيومان:
«يصعب تصور قرية الصيد البئيسة التي عكرت صفو السلم في العالم سنة 1911.
في شهر يوليوز من تلك السنة، ظهرت الباخرة الحربية الألمانية «بانثير» في مياه الشاطئ. وصرّح القيصر ويليام الثاني أنها جاءت لحماية مصالح ألمانيا في منطقة سوس. ولأن حدوث أمر مشابه كان نادرا، فإن هذه الخطوة قد تم تفسيرها – بشكل صحيح- على أنها احتجاج ألماني، في طياته نوع من الحسد في مواجهة الطموح الفرنسي في المغرب.
في تلك السنوات، كان الغضب يتعاظم ويُشعل فتيله بما يمكن اعتباره اليوم مجرد تفاهات.
إذا ظهرت بارجة حربية أجنبية قادمة من بلد يثير اهتمام بريطانيا، فإن ممثلينا سوف يدعون «الكابتن» إلى وجبة العشاء، ويقترحون مباراة في كرة القدم بين أفراد الطاقم والفريق المحلي.
لكن في سنة 1911، كانت أوروبا غارقة في العواطف.
في فرنسا، كان من المفترض أن الحرب الطويلة المتوقعة في متناول اليد.
حفظ القيصر ماء وجهه بالتنازل عن مساحة الأرض في الكاميرون. وفي الوقت الذي كان فيه مُستشاروه البحريون يشيرون بعيدا إلى ضرورة توسيع قناة «كيل»، التي لم تكن لتكتمل إلا في سنة 1914، كانت الحرب قد تأجلت لثلاث سنوات».
كان نيومان محقا في تحليله، فقد كادت أكادير أن تتسبب في اندلاع الحرب العالمية الأولى، لو أن مواجهة عسكرية جرت بين الألمان والفرنسيين في مياه أكادير. لكن ترتيبات الأحداث اقتضت أن تتأجل المواجهة ثلاث سنوات أخرى، لتنطلق الحرب العالمية الأولى في التوقيت الذي صرنا نعرفه جميعا، سنة 1914!
لعل قدرا غير يسير، من اللعنة التي أحاطت بمدينة أكادير، سواء سنة 1911 أو قبلها بقليل، مرده أساسا إلى موقعها الجغرافي الملاصق للبحر، وهي المحسوبة على منطقة سوس التي كانت منيعة ضد أي توغل أجنبي، طوال القرنين 18 و19. ففي عز وصول الأوروبيين، خصوصا الفرنسيين والإسبان، إلى الدار البيضاء ونواحيها، واستقرار جاليات أوروبية وأمريكية في طنجة الدولية، كانت مراكش وسوس عصيتين معا على أي وجود أجنبي بأي شكل من الأشكال. وعلى قلة محاولات اختراق سوس ومحاولات الاحتكاك مع قبائل الأطلس الثائرة ضد الوجود الأجنبي في المغرب، قبل 1912 وبعدها أيضا، تنعدم في السجلات التاريخية تماما أي خطة عسكرية جدية لفرض الوجود الأجنبي في سوس، أو توفر معلومات استخباراتية فرنسية حول المنطقة، في وقت كان الفرنسيون يعرفون فيه كل شيء تقريبا عن بقية المناطق.
وهذا ما يفسر اهتمام الألمان بأكادير، واختيارها دون غيرها من السواحل المغربية لكي ترسو في مياهها البارجة الألمانية.. فقد كان الأمر رسالة إلى فرنسا مفادها أن الألمان، بقيادة القيصر، بعتادهم العسكري، سيفتحون مجالا جغرافيا في قلب المغرب، لم يفلح الفرنسيون في الوصول إليه، رغم أنهم احتلوا فعلا أجزاء ترابية أخرى في المغرب.
ضعف وديون شجّعا ألمانيا على بعث بارجتها «المرعبة» إلى المغرب
«التنافس الاستعماري على المغرب 1894و1912: الترتيب، القروض والانتفاضات»، عنوان بحث أكاديمي رصين أجراه الباحث المغربي د. محمد كنبيب، وفصّل فيه للمسألة المغربية منذ وفاة المولى الحسن الأول، وبداية المسلسل الطويل لاستغلال الضعف الداخلي للبلاد، ومشكلة الديون، واستحالة تحصيل الضرائب، وتمرد القبائل ضد المخزن..
جاء في تحليل د. كنبيب للوضع المغربي، تزامنا مع التهديد الألماني لأكادير في يوليوز 1911، ما يلي:
««أمام اضطرار السلطان الإقرار بديون أخيه المولى عبد العزيز وتجميد مداخيل الجمارك غير المرهونة والمحولة لبنك الدولة، وجد نفسه في مواجهة نفاد موارده المالية والحاجة إلى استرجاع جزء من المداخيل الجمركية، وتحريك جهاز الدولة والقضاء على تمرد بوحمارة. فلم يكن له من حل سوى التفاوض مع الممثليات الأوروبية على قبوله لقرارات مؤتمر الجزيرة الخضراء.
وإزاء مواقف السلطان قام الشريف محمد الكتاني بإثارة القبائل ضد المولى عبد الحفيظ، خاصة أمام استمرار تعسفات وجوْر «القواد الكبار» في الجنوب الذين أصبحوا وزراء، ضد أولاد جامع، آيت نظير والشراردة (وهم من قبائل الكيش، كانت تستفيد من الإعفاء الضريبي) وبني احسن… إلخ. خلق استياء عارما تمثلت أهم أبعاده في حصار فاس سنة 1911.
بجانب استمرار الابتزاز وبيع مختلف أنواع الوظائف من طرف القواد الباحثين عن سبل الاغتناء، مما شكل عوامل إضافية في تفكيك أسس المجتمع المغربي والتشكيك من جديد في شرعية «سلطان الجهاد»، سارع هذا الأخير إلى توقيع قرض بـ90 مليون فرنك بباريس، رهَن به مداخيل الأملاك المخزنية المحيطة بالمراسي وما تبقى من مداخيل هذه المراسي واحتكار التبغ والكيف .
في هذه الأجواء، وكرد فعل على ما آلت إليه الأمور، اجتمع مندوبو القبائل في أكوراي ( جنوب مدينة مكناس) وقرروا محاصرة العاصمة، وإجبار السلطان على الوفاء بالتزاماته المُضَّمَّنة في بيعة فاس. لكن هذا المشروع وُوجه بتدخل من قوات الجنرال موانيي
(21 ماي سنة 1911)، والتي كانت موجهة في البداية ضد محلة الشريف العمراني القادمة من الشاوية لمحاصرة العاصمة.
استغلت فرنسا وجود قواتها العسكرية في مدينة فاس لدفع المولى عبد الحفيظ في اتجاه قبول فكرة الحماية. كما أن الاتفاق الموقع في برلين في 4 نونبر سنة 1911 غداة الحضور القوي لألمانيا في الساحة المغربية، وإرسال بارجة حربية تسمى «بانثير» إلى ساحل أكادير سهَّل من مناوراتها».
حرب باردة طويلة ضد فرنسا جعلت الألمان على أعصابهم سنة 1911
قبل أربع سنوات على اتخاذ الألمان القرار العسكري، الذي قضا بنقل بارجة بحرية إلى شاطئ أكادير، استعدادا لقصف المدينة، و«محوها من الخريطة» كما عنونت صحف ألمانية في يوليوز 1911، كان الألمان ينافسون الفرنسيين بشراسة على الفوز بصداقة مع المغرب.
وهذا السباق، الذي كان يجري عبر القنوات الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية المحاطة بالسرية، «فضحه» صحافي بريطاني اسمه لاورنس هاريس، كان في مهمة صحافية إلى القصر الملكي في فاس سنة 1908، للقاء السلطان مولاي عبد الحفيظ الذي وصل توا إلى السلطة. أمام عيني هذا الصحافي البريطاني، حل مبعوث من الخارجية الألمانية في القصر الملكي بفاس، والهدف لقاء مع السلطان المولى عبد الحفيظ لقطع الطريق على الفرنسيين.
هذا الصحافي، تحدث طويلا مع المولى عبد الحفيظ في الموضوع، وكتب في مذكراته، ما يلي:
«.. ما إن غادرت البوابة الخارجية للقصر الملكي بفاس بعد انتهاء مقابلة مع السلطان، حتى التقيت بالدكتور «فاسيل»Dr. Vassel رفقة بن غبريط، حيث كان ينتظر لساعات ليسمح له بلقاء السلطان. هذان الرجلان كانت لديهما مهمة مشتركة، ولم أحسدهما عليها أبدا.
الدكتور فاسيل رجل وسيم وأنيق، ويشغل منصبا حساسا. لكن المنصب كان لا يناسب المهمة التي أوكلت إليه. لكنني أعتقد أنه الرجل الأنسب للقيام بالمهمة. أرسلته ألمانيا إلى فاس، لكي يبحث لها عن موطئ قدم في بلد سقط فيه سلطان ونصب مكانه آخر. وكانت مهمة الألمان عسيرة وتزداد صعوبة بمرور الوقت، من جهة أخرى كان بن غبريط يعيش صعوبات في مهمته. كان في الأصل قاضيا في الجزائر، وأرسل إلى المغرب ليمثل دور الوسيط للإقامة الفرنسية لما يزيد على 17 سنة. خلال تلك الفترة أرسل إلى كثير من المهمات الحساسة، وتمت ترقيته في السلم الإداري وأشرف على الاستعلامات العامة، وكان يستفيد جدا من ديانته، لأنه كان مسلما، ويتحدث العربية بطلاقة شديدة. وبالتالي فإن الجميع يتعامل معه دون قيود أو موانع. لكنه أسر لي أنه كان يعاني صعوبات وعاش ويلات كثيرة في فاس، قبل قدوم مولاي عبد الحفيظ. في تلك الفترة كانت البلاد تعيش أزمات حقيقية، ونشأت علاقات بين فرنسا وألمانيا، وكانوا يحاولون احتواء الأوضاع في المغرب.
الآن، يتضح جليا أنه في الدار البيضاء يوجد ظل لمولاي حفيظ. بن غبريط رجل فرنسا القوي، أرسل كي ينافس وجود «فاسيل» الألماني. مولاي حفيظ بذل قصارى جهده ليوازن بين الدولتين ويورطهما، حيث كان يعتقد أنه سيحتمي بألمانيا من الشبح الفرنسي الذي يقض مضجعه.
كان أول ما تحدث فيه السلطان مع المفوض، أحداث 25 شتنبر، عندما حمت القوات الألمانية الجنود الفرنسيين بالدار البيضاء.
«سوف يدخلون في حرب بهذا الخصوص، أنا متأكد. لقد قيل لي من مصادر مؤكدة إن الألمانيين أقوى من فرنسا، جيوشها أكبر وأفضل ولا شك أنها ستربح». لم أعلق بأي ملاحظة على كلام السلطان.
ممثل السلطات الفرنسية بالمغرب، بن غبريط، كانت لديه مهمة صعبة بقصر فاس، وكان المطلوب منه أن ينجح في التأثير على السلطان ليقبل بالشروط الفرنسية، في الوقت الذي كان فيه السلطان يستشيرني ويرغب في فتح علاقة مع الإنجليز، وكيفية تعامل العرش مع رغبات الفرنسيين».
كتاب فضح مخطط تقسيم المغرب بين خمس دول قبل قرن
فرنسا وألمانيا، تتصدران قائمة هذه الدول الخمس بطبيعة الحال. والكتاب صدر باللغة الإنجليزية سنة 1915 بعنوان «عشر سنوات من الدبلوماسية السرية»، بعد أن صدر سابقا بعنوان آخر «المغرب في قلب الدبلوماسية الأوروبية»، لكنه لم يلق نجاحا واسعا، وغير ناشره العنوان ليناسب «السوق» الأوروبية، ويحقق مبيعات كبيرة بعد ذلك. الكتاب تسبب في زلزال سياسي وإعلامي كبير في أوروبا، رغم أنه تزامن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. لكن صاحبه «إدموند موريل»، الذي توفي سنة 1924، استطاع أن ينقل وقائع كانت محاطة بالسرية إلى وقت قريب – في ذلك الوقت- وفضح مخططا أوروبيا لتقسيم المغرب بين خمس دول أوروبية، على رأسها فرنسا وألمانيا.
نشرت «الأخبار»، قبل خمس سنوات، قراءة حصرية في هذا الكتاب، ونقلنا لأول مرة إلى العربية، أقوى مضامينه التي تعري السباق الأوروبي لاحتلال المغرب عسكريا، قبل أن يحسم الفرنسيون المعركة لصالحهم، ويختاروا الحماية، بدل الطرح العسكري الذي كان مخططا له من قبل، وأخضعت به فرنسا شمال إفريقيا، باستثناء المغرب.
إد موريل المتخصص في الشأن الإفريقي، تفرغ للكتابة قبل سنة 1915، واشتهر بكونه عايش دبلوماسيا مجموعة من الأحداث التي غيرت تاريخ الحكومات في القارة الإفريقية. عندما كان يكتب «عشر سنوات من الدبلوماسية السرية»، والذي ننشر منه مضامين لأول مرة، بحكم أن العمل لم يسبق له أبدا أن تُرجم إلى العربية، وبحكم أيضا أننا نتوفر على نسخ لبعض صفحات مسودة مشروع كتابه قبل الطبع، والتي بعد مطالعتها لن تخلص إلا إلى أن مقص الرقيب لعب دورا مهما في بريطانيا قبل طبع الكتاب الذي يتناول، جوانب مهمة من المفاوضات الماراثونية، طيلة عشر سنوات، التي سبقت توقيع معاهدة الحماية بين فرنسا والمغرب، وكيف أن العلاقات بين فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا كانت على المحك، قبل أن تنتهي الأمور بالطريقة المعروفة.
لقد كانت إمكانية تقسيم المغرب إلى خمس دول مطروحة، في حال ما إذا لم تتراجع الدول الأوروبية عن سباق استعمار المغرب، وكان واردا جدا حسب المصالح، أن يتم التقسيم بطريقة ترضي الجميع، وتجعل المغرب مجرد قصة تاريخية قديمة لدولة عمرت قرونا على ضفاف غرب شمال إفريقيا.
الوقائع التي يرويها الكتاب، حدثت في فترة عصيبة جدا من تاريخ المغرب. والمثير أنه خصص حيزا للحديث عن السياق الذي بدأ فيه السباق نحو استعمار المغرب، والذي يعود إلى الأيام الأخيرة من حياة المولى الحسن الأول، أي قبل نهاية القرن بعشرين سنة.
كان الوزراء المغاربة وقتها معروفين بـ«الغلظة» تجاه الأجانب، وكانت بريطانيا هي الدولة الأولى من حيث القرب السياسي من المغرب، بحكم أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين كانت محكومة باعتبارات تاريخية، لا علاقة لها بالواقع السياسي لذلك الوقت.
ورغم ذلك، فإن بعض البريطانيين كانوا يعانون الأمرين قبل الوصول إلى السلطة في المغرب، خصوصا من أجل الحوارات الصحفية، أو لقاءات من أجل اتفاقيات تجارية مع المغرب. وهذا الأمر كان عاملا قوية في رسم الموقف البريطاني من المغرب أمام القوة الفرنسية، التي كانت تسعى إلى استعماره.
هذا الرجل جاء في هذا السياق، وبدا أنه كان قريبا جدا من الأحداث، نقصد هنا أنه كان على مقربة من الفاعلين فيها، لأنه تحدث عن أجواء القلق، وما كانت تخلفه عناوين الصفحات الأولى للجرائد التي تنقل أجواء المغرب إلى أوروبا، في نفسية الجالسين خلف المكاتب الوثيرة.
كانت مهمته شاقة ولا شك، سيما وأنه أراد التأريخ، من وجهة نظره على الأقل، لمرحلة حرجة من تاريخ أوروبا والمغرب.
ففي الوقت الذي كانت في خارجيات الدول الأوروبية تتسابق نحو المغرب، كان هو يواكب سيرورة الأحداث، ليجلس بعد انتهاء «المعركة» للكتابة عنها، في جو ربما قد يفقد أجواء الكثيرين صفوها.





