
إعداد وتقديم: سعيد الباز
تلجأ الكثير من الكتابات الأدبية والإبداعية إلى اتّخاذ وسائل متعددة من وجوه وأقنعة للتعبير عن نفسها من جهة، أو امتلاك مساحة كبيرة من الحرية لتخطي الموانع والحدود من جهة أخرى. لكنّها، في نهاية الأمر، تسعى، في كلّ الأحوال، إلى سبر أغوار الشخصية وكشف معالمها الداخلية وغير المرئية، وبالتالي تؤدّي وظيفتها الرئيسية في العملية الإبداعية. فإذا كان القناع سليل التقاليد المسرحية الموغلة في القدم، فإنّ الوجوه ما هي إلّا نبتة يانعة قادمة من حدائق فنون الرسم والتشكيل… إلّا أنّ ما يتبقى أساسا بينهما هو أن للقناع وظيفته الأثيرة لديه وهي الغموض والتخفّي، فيما للوجوه همّها الأوّل الكامن دوما في الظهور والتجلّي.
يوكيو ميشيما.. اعترافات قناع
يعتبر يوكيو ميشيما (1925- 1970) Yukio Mishima بمثابة ساموراي الرواية اليابانية، وسليل تاريخ من العنف والتطرف الوطني أدّى به إلى الانتحار علنا بطريقة (هاراكيري اليابانية).. لكنّ أعماله الأدبية ظلت تبرز بالواضح عبقرية كاتب ذي نزعة ذاتية نحو التدمير والهوس بالقوة وبالحنين المرضي إلى الأمجاد الإمبراطورية لليابان القديمة. كتابه «اعترافات قناع» من أكثر كتب الاعترافات تشريحا للذات إلى حدّ التجريح، أو كما وصف نفسه، في رواية سابقة، بـ(ملاك ساقط فقد مكانه في العالم)، يقول في اعترافات قناع:
«لسنوات عديدة، زعمت أنّ بمقدوري تذكر أمور تراءت لي وقت مولدي، وحينما كنت أقول هذا، وكان الكبار يضحكون في بادئ الأمر، ولكنهم بعدئذ، وفي غمار تساؤلهم عمّا إذا لم يكونوا قد وقعوا ضحية حيلة ما، ولكنهم كانوا يتطلعون باستياء إلى الوجه الشاحب لذلك الطفل البعيد عن روح الطفولة، وكان يتصادف في بعض الأحيان أن نقول ذلك في حضرة بعض الزوار الذين لم يكونوا على صلة وثيقة بالعائلة. عندئذ كانت جدتي، في غمار خوفها من أن تظن البلاهة بي، تقاطعني بصوت حاد، وتبلغني بأنّ عليّ أن أمضي إلى مكان آخر وأن ألهو هناك.
كان الكبار عادة يشرعون، وما زالوا على ابتسامهم إثر ضحكهم، في محاولة إفحامي بضرب من التفسير العلمي، ومجربين اختراع تفسيرات يمكن لعقل طفل استيعابها، كانوا دائما يبدؤون بالثرثرة في غير قليل من الحماسة المفعمة بالتظاهر، فيقولون إن عيني الطفل الوليد لا تكونان مفتوحتين بعد لدى الميلاد، أو أنّ الطفل لا يحتمل أن يكون بمقدوره، حتى وإن كانت عيناه مفتوحتين تماما، أن يرى الأشياء بوضوح يكفي لتذكرها.
«أليس هذا صحيحا» كانوا يقولونها، وهم يهزّون الكتف الصغير للطفل، الذي ما كان الاقتناع قد سيطر عليه. ولكنهم عندئذ، على وجه الدقة، تخطر لهم فكرة أنّ حيل الطفل كانت على وشك استدراجهم، فحتى إذا كنّا نظنه طفلا علينا ألا نتخلى عن حذرنا، مؤكد أنّ الوغد الصغير يحاول استدراجنا لنحدثه عن «ذلك» ثم عندئذ ما الذي يحول بينه والتساؤل بمزيد من البراءة الطفولية: «من أين جئت؟ وكيف ولدت؟». وفي النهاية كانوا يمعنون النظر فيّ من جديد صامتين، وقد تجمدت ابتسامة، واهنة على شفاههم. مفصحين لسبب ما –لم يكن بمقدوري أبدا أن أعرفه- عن أن مشاعرهم جرحت بعمق.
لكن مخاوفهم كانت بلا أساس، فلم تكن لديّ أدنى رغبة في التساؤل عن «ذلك»، وحتى لو كنت أرغب في التساؤل، فقد كان خوفي من جرح مشاعر الكبار بالغا، بحيث أن فكرة استخدام الخديعة ما كانت لتطرأ لي على بال قط.
ما كان بوسعي الاعتقاد إلّا أنني أتذكر مولدي، أيّا كانت كيفية إيضاحهم للأمر، وبغض النظر عن إبعادهم لي وهم يضحكون. وربما كان أساس ذاكرتي شيئا سمعته من شخص كان حاضرا في ذلك الوقت، أو ربما لم يتجاوز الأمر خيالي التواق. وأيا كان الأمر، فقد كان هناك شيء واحد اقتنعت بأنني رأيته بوضوح بعيني رأسي، هو حافة الحوض الذي تلقيت فيه حمامي الأول.
… ولدت بعد الزلزال الكبير بعامين، قبل ذلك بعقد من الزمان، حمل جدّي على كاهله عبء آثام أحد مرؤوسيه، واستقال من منصبه محافظا بالمستعمرات، وذلك نتيجة لفضيحة وقعت آنذاك (لست أتحدث بلطف عن شيء مقيت، فحتّى الآن لم أر مثل هذه الثقة بالغة الحماقة بالبشر التي كان جدّي يتمتع بها). شرعت عائلتي، عقب ذلك، في التهاوي عبر منحدر بسرعة تمازجها اللامبالاة، حتى ليمكنني القول بأنّ أفرادها كانوا يصفرون في مرح، وهم يعانون وقر الديون الهائلة، فحرمانهم حقّ استرجاع مرهوناتهم، ثم بيع ضيعة العائلة، عقب ذلك تفاقمت الصعوبات المالية، وتعاظم تأجج لهيب الغرور المريض، مثلما يتفاقم دافع شرير…
ولدت، نتيجة لهذا، في حي بعيد عن الفخامة من أحياء مدينة طوكيو، في دار عتيقة مؤجرة، كانت دارا تحمل من الادعاء أكثر ما تعكس من الأصالة، تقع عند ملتقى شارعين، ذات مظهر بالغ الاختلاط، تولد إحساسا كابيا وقاتما… إلى هذه الدار أحضر أبي أمّي، عروسا هشّة وفاتنة. في صبيحة الرابع من يناير 1925 هاجمت آلام المخاض أمّي، وفي التاسعة من مساء ذلك اليوم أنجبت وليدا صغيرا، يزن خمسة أرطال وست أوقيات».
باسم خندقجي.. قناع بلون السماء
«قناع بلون السماء» عنوان رواية للكاتب الفلسطيني الأسير باسم خندقجي، الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية البوكر لسنة 2024. بطل الرواية نور مهدي الشهدي، الباحث في علم الآثار، يعيش في مخيّم في رام الله، يعثر بالصدفة في جيب معطف قديم على بطاقة هوية زرقاء باسم «أور شابيرا»، الذي يعني نور بالعبرية، ونظرا لملامحه الأوروبية التي تشبه اليهود الأشكناز، قرر تقمّص هذه الشخصية والانضمام إلى بعثة تنقيب عن الآثار في إحدى المستوطنات فتتكشف له فلسطين المطمورة تحت الأرض بكل تاريخها.
عنوان الرواية «قناع بلون السماء» يحيل على هذه الهوية الزرقاء وقد استحالت إلى قناع تتقمصه شخصية نور الحقيقية، وكما جاء في ظهر غلاف الرواية: «نور عالم آثار يقيم في مخيّم في رام الله. ذات يوم يجد هويّة زرقاء في جيب معطف قديم، فيرتدي قناع المحتلّ في محاولة لفهم مفردات العقل الصهيوني. في تحوّل «نور» إلى «أور». وفي انضمامه إلى بعثة تنقيب إحدى المستوطنات. تتجلّى فلسطين المطمورة تحت التربة بكلّ تاريخها. الجديد، بين الهويّة الزرقاء والتصريح، بين السردية الأصليّة المهمّشة والسردية المختلقة السائدة. هل سينجح «نور» في إلقاء القناع والقضاء على «أور» علّه يصل إلى النور؟».
تنطلق أحداث الرواية من مخيّم في رام الله: «كان يعتقد أنّه وُلد من الزقاق، من رحم خفية فيه لا يُدركها سوى المنكوب منذ الصرخة الأولى. رحم يولد منها ليتقن اليتم على أصوله، هو المفجوع والمكلوم والكاتم والمكتوم والتائه والمغترب الذي وُلد جاهزا مجهّزا بكل عتاد البؤس المتاح وغير المتاح في هذه الأزقة، فما الحاجة إلى الأسماء إذن؟
ليس ثمّة معنى لاسم المخيّم الفلسطينيّ إلّا عندما تُرتكب فيه المجزرة، ليصبح اسما من أسماء المآسي في تاريخ الإنسانية، يصبح اسمه مخيّم تلّ الزعتر أو صبرا وشاتيلا أو جنين أو الشاطئ. وأمّا مخيمه هو فلم تُرتكب فيه بعدُ أيّ مجزرة تُذكر. هذا هو الفرق أيضا ما بين المخيّم و«الغيتو» اليهودي في أوروبا. الفرق في القدرة على أسطرة المأساة والإمعان في تخيّلها، هم أسطروا وتخيّلوا كما يجب إلى الحدّ الذي خلقوا فيه مخيّما وشتاتا ولجوءا لنور وأمثاله، أليس هذا ما كان يتوخّاه إلياس خوري في روايته «أولاد الغيتو»؟ هكذا تساءل نور في بوحه وهو يقبض يده على كيس يحتوي كتابين، الأوّل: «فانون والمخيّلة ما بعد الكولونيالية» لنايجل سي. غبسون، ورواية «أولاد الغيتو.. اسمي آدم» لإلياس خوري. ثم يتساءل مرّة أخرى قبل أن يبزغ من الزقاق الأخير المؤدّي إلى شارع القدس المؤديّ إلى مدينة البيرة: هل سيغدو المخيّم بعد سبعين عاما أو أكثر من أكبر المواقع الأثريّة التاريخية في العالم الدّالة على عمق عقلنة التوحش الإنسانيّ.
يتساءل، وهو الباحث المختصّ في التاريخ والآثار، خرّيج المعهد العالي للآثار الإسلامية التابع لجامعة القدس، ثمّ يُجيب بتساؤل ساخر آخر: «هل ثمّة أحد سواي في هذا المخيّم ذي الثمانية آلاف لاجئ ولاجئة قد التحق مثلي بمعهد الآثار؟ ما للمخيّم والآثار؟!».
غالب هلسا.. ثلاثة وجوه لبغداد
كانت لغالب هلسا (1932- 1989)، الروائي والمترجم الأردني، علاقة متوترة بالمكان، فقد عاش في أكثر من مكان، أو على الأصح أكثر من منفى، بسبب انتمائه السياسي. فتنقل مجبرا من بلده إلى لبنان وبلدان أخرى كمصر والعراق واليمن ثم سوريا. لكن إقامته منفيا في بغداد أسفر عنها كتابه «ثلاثة وجوه لبغداد» مزج فيه بين النفس الروائي والسيرة الذاتية، ولم يكن المكان من خلال مظاهره المميزة وخلفيته التاريخية سوى وسيلة لتحليل وجوهه الثلاثة، فئة العمال خاصة المصريين المهاجرين، وفئة المثقفين، ورجال السياسة والسلطة. لقد كان غالب هلسا منشغلا دائما بقضية أساسية هي علاقة المثقف بالسياسي ورجل السلطة، فكانت «ثلاثة وجوه لبغداد» مسرحا مفتوحا على هذه العلاقة المبنية على الترويض أحيانا والإخضاع القسري أحيانا أخرى:
«عندما انتهى من كلامه، شعر الجميع بأنّ أية محاولة لإطالة الحديث ستكون سخيفة. عندما أخذت الجلسة في الانحلال، بدت الوجوه مرهقة. تثاءب أحمد، فتثاءب آخرون. واتّخذ الحديث طابع الثرثرة التي تمهد للانصراف.
-أكل العراقيين مش حا يعجبك… أكل ملوّن. أحمر وأصفر وبمبي وأخضر…
-الباجه
-الباجه يعني الكوارع.
قال غالب: دول بعرفهم.
-أشلونك يعني إزيك، وخوش يعني كويس، وجوه يعني تحت…
قال غالب، إنّه متعب. كلهم متعبون، قالوا. ولم يبق في المقهى إلّا عدد قليل من الزبائن.
… خرج وحيدا من المقهى. كانت الساعة قد بلغت الثانية عشرة والنصف. سار عكس اتّجاه فندقه. الجامع في مواجهته تماما. أضواء صفراء، مسلّطة على الباب. بعد خطوات قليلة، كان في شارع الرشيد. طالع الرصيفين المسقوفين والأعمدة التي تمضي إلى آخر ما ترى العين… ولكن هذا الشارع صامت، والضوء شحيح، كأنه ضوء ساعة ما قبل الفجر، ما قبل خلق العالم بلحظة، الشارع خال من البشر، مشحون بتوقع غريب، يتراوح بين الخوف وتحقيق المستحيل. سار وكان لوقع أقدامه صدى. كان ذلك أشبه بانتظار قدوم المحبوبة. بانتظار وقع أقدامها، وأصبعها على جرس الباب. لن نحكي عن ذلك العهد الذي قطعه غالب على نفسه أمام بغداد الصامتة، ولا عن ذلك الحلم-التوقع، الذي عاشه للحظات في ذلك الشارع. فمن يستطيع أن يأتي بغداد، ولا يحلم! سيكون التاريخ-استعادته إعادة صياغته- هو موضوع حلمه. ولعل أحد أسباب امتناعنا، هو أنّ غالب قد عاش حلما آخر، مناقضا تماما لهذا الحلم، وذلك عندما دعي إلى حفلة، أو أعتقد أنّه دعي إليها. كل ما نستطيع قوله هنا: إنّ الشارع، بدا له في صمته العريق، يحتبس قهقهة طويلة، مرحة جدا.
… ثم اتّخذ ذلك القرار.
كان قد تجاوز الجزء الأكبر من الشارع، ثم فجأة رأى الشجرة. شجرة كبيرة، مليئة بالأوراق، والأغصان قدّر أنّها شجرة تين. كانت تقع على يساره، وراء سور وكان الضوء يتخللها من جميع الاتجاهات بدت خارج سياق الشارع… ولكنها تندرج في سياق بغداد. شجرة مرحة، هل يمكن أن يقال ذلك؟ أعني كانت كأنها ضحكة في وجه قاتم. ليس لهذا معنى، على أية حال. رأى الشجرة فاتّخذ القرار: سيعيش بين هؤلاء الناس، العمال المصريين، العراقيين الذين هم رجال حقيقيون… وعندما غشيه رعب القرار، قال لنفسه «لبعض الوقت، على الأقل»، وسوف يبتعد عن المثقفين، ابتعاده عن الوباء. ستكون حياته في هذا الشارع، بين هذه البيوت».
محمد شكري.. وجوه
يقدم البروفسور المغربي جوناس البستي، مترجم الأعمال الأدبية لمحمد شكري إلى اللغة الإنجليزية، كتاب «وجوه» بقوله: «يتحدث كتاب وجوه عن الشخصيات التي عاشرها والتقى بها محمد شكري في طنجة، شخصيات شعبية محلية لها خصوصيتها، وعن الأماكن وعلاقة الأشخاص بها، كما رصد تحولات المدينة خلال فترة زمنية محددة». من بين هذه الشخصيات الهادي الجندي العائد من حرب الهند الصينية: «عاد الهادي من حرب الهند الصينية مبتور الذراعين. لقد عرف لماذا عاد منها ولكنّه لم يعرف لماذا ذهب إليها.
لم يكن هو الوحيد الذي ذهب وعاد حاملا عاهته المستديمة، لكنّ عاهته أفظع من الذين يعرفهم. عاهتهم تسمح لهم أن يقضوا حاجاتهم بأنفسهم. ما يعزيه هو أنّه عاد لكي يموت في بلده. اللعنة الكبرى ستكون لو أنني متُ هناك في العراء وسط دغل فأصير وليمة لأكلة الجيف. يعتقدُ الهادي أنّ الطريقة التي يموت بها الإنسان تحمل غفرانها أو لعنتها.
عندما ماتت زوجته خَلَفها ابنهما الوحيد علّال في العناية به. اعترف له أبوه أنّه أكثر صبرا وإشفاقا عليه من أمّه. لم أندم على إنجابه كما يقول لأصدقائه. تتكوّن ثروة الهادي من معاشه الفرنسي، ودار ذات طابقين، وقطعة أرض، وبقرتين، وبضعة رؤوس أغنام ودجاج. حياته هادئة. لا يعاني كثيرا من قلق الشيوخ وكآبتهم متحسرا على ما لم يعد يستمتع به. أصدقاؤه ينادونه الحاج الهادي وما حجّ سوى إلى حرب سيق إليها عنوة. لم تكن تعنيه في شيء.
… يحكي لأبيه عن أشياء القرية. ربّما لم تعد تعنيه كثيرا. أبوه أيضا يحكي له عن ذكرياته في الجيش الفرنسي ومعارك ديان بيان فو. الحكايات قصيرة جدا، متقطعة: رفيق كان إلى جانبي. شظية فجّرت جمجمته. مخّه لطخ وجهي. أمعاء رفيق آخر لم أعرف كيف أجمعها وأردّها إلى بطنه حتّى جاء رفيق آخر وأنقذني من حيرتي. لقد جاء الإسعاف وعاش المبقور.
إنّها نفس الذكريات يحكيها الهادي لعلّال ولغيره مرّات كما لو أنّه يحكيها لأوّل مرّة. صياغتها تتغيّر لكن لا يُضاف إليها شيء نسيه. لا ينقص منها إلّا كلمة هنا وكلمة هناك».
إدواردو غاليانو.. الوجوه والأقنعة
يقول الشاعر والكاتب السوري أسامة إسبر، مترجم كتاب «ذاكرة النار.. سفر التكوين، الوجوه والأقنعة، وقرن الريح»: «هو ثلاثية يُعيد فيها الكاتب الأوروغواي إدواردو غاليانو (1940- 2015) Eduardo Galeano كتابة تاريخ أمريكا، ولكن بطريقة لا تمتّ إلى لغة المؤرخ الموضوعية بأية صلة. وكان لي الشرف أنني ترجمتُ هذا الكتاب عن الإنجليزية مخالفا الأصول التي تقتضي أن نترجم الكتاب عن لغته الأصلية وليس عن لغة وسيطة، لكنّ «ذاكرة النار» كان بالنسبة لي اكتشافا فرض سحره عليّ، ودفعني إلى هذا التجاوز، وهذا ما تفعله الكتب الاستثنائية». وعن أهم ما يميز هذا الكتاب يضيف أسامة إسبر: «ما يميّز كتابة إدواردو غاليانو هو أنّها تستند إلى بحث دقيق ومتأن في الوثائق والمراجع والمعلومات التاريخية الدقيقة والأخبار الشفوية، إلّا أنّه يروي ما حدث سابقا بطريقته وأسلوبه. أن الخلفية المعرفية والوثائقية والتاريخية تذوب في خلفية اللغة الأدبية المشحونة بحرارة الشعر، مما يغني النص ويجعله موحيا ومشيرا، وغير مثقل بحضور الأفكار».
نجد في الجزء الثاني من ثلاثية ذاكرة النار «الوجوه والأقنعة» وجوها وأقنعة تاريخية للقارة الأمريكية بأسلوبه المتميّز، في فصل (صورة الهنود) يذكر: «قال الرهبان والمستكشفون الفرنسيون: ليس هناك بين هنود كندا متكرّشون أو محدّبون وإذا كان هناك أعرج أو أعمى أو أعور فإنّ هذا سببه الحرب. قال «بوشو» إنّهم يجهلون الملكية ويسمّون النقود: أفعى الفرنسي. قال «لافيتو» إنّهم يرون من السخف طاعة إنسان آخر وينتخبون الزعماء الذين لا يمتلكون أيّ امتياز، وإذا أصبح أحدهم طامعا يطيحون به. تطرح النساء الآراء ويتخذن القرارات مثل الرجال وتكون الكلمة النهائية لمجالس الكبار والاجتماعات العامة. لكن ما من كلمة بشرية تسبق صوت الأحلام. إنّهم يطيعون الأحلام كما يطيع المسيحيون الانتداب الإلهي… يطيعونها لأنّ الروح تتحدث كلّ ليلة من خلال الأحلام وحين ينتهي الشتاء ويذوب جليد العالم يقيمون حفلة عظيمة مكرسة للأحلام وعندئذ يرتدي الهنود الأزياء وتمارس أنواع الجنون بكافة أشكالها. قال «كارتييه» إنّهم يأكلون حين يجوعون والشهية هي التوقيت الوحيد الذي يعرفونه».
يكتب إدواردو غاليانو عن العلاقة الشائكة بين البرتغال ومستعمرتها البرازيل: «اقترح (لويس دا كُنها) منذ ربع قرن على ملك البرتغال أن ينتقل مع بلاطه كلّه من لشبونة إلى (ريودي جانيرو) وأن يعلن في هذه المدينة نفسه إمبراطورا للغرب. يجب أن تكون عاصمة الإمبراطورية هنا في مركز الثروة لأنّ البرتغال لا تستطيع أن تحيا دون ثروات البرازيل، لكن البرازيل، كما حذّر (لويس دا كُنها) تستطيع أن تعيش بسهولة دون البرتغال.
في ذلك الوقت يبقى العرش في لشبونة لكنّ مركز المستعمرة انتقل من الشمال إلى الجنوب. (باهيا) ميناء السكر، استسلمت لـ(ريو دي جانيرو) ميناء الذهب والألماس. نمت البرازيل جنوبا وغربا مهاجمة الحدود الإسبانية.
شغلت العاصمة الجديدة أجمل بقعة في العالم. هنا تبدو الجبال كأزواج من العشاق ويحمل الهواء عطورا تسبّب الضحك وثمة نسيم دافئ يثير الطيور. الأشياء والبشر مصنوعون من الموسيقى ويتلألأ البحر أمام عينيك فيكون من الممتع أن تغرق فيه».
أخيرا يقدم لنا وجها من وجوه الحكام العسكريين في أمريكا اللاتينية الذي أصبح بقوة الأشياء القناع الذي ارتداه الكثير من حكامها الطغاة: «تولّى الجنرال (سانتا آنا) رئاسة المكسيك إحدى عشرة مرّة. اشترى ولاء جنرالاته من خلال بيع قطع من البلاد وفرض الجزية على الكلاب والأحصنة والنوافذ، لكنّه كان يهرب دائما من القصر متنكرا في زيّ متسوّل. ورغم أنّه اختص في خسارة الحروب، نُصبت له تماثيل كثيرة من البرونز وهو منتصب يعدو على الفرس مشهرا سيفه، وأصدر مرسوما حوّل عيد ميلاده إلى عطلة وطنية.
حين عاد من المنفى كان جميع أصدقائه وأعدائه قد ماتوا. دافنا جسده في كرسي عميق ذي ذراعين وواضعا ديكا بين ذراعيه، كان (سانتا آنا) يداعب أوسمة قديمة أو يحكّ ساقه الفلّينية. كان أعمى، لكنّه اعتقد أنّه شاهد عربة مليئة بالأمراء والرؤساء تصطف أمام باب منزله. كان أصمّ، لكنّه اعتقد أنّه سمع حشودا متضرعة تتوسل من أجل مقابلة أو رحمة أو وظيفة. كان سانتا آنا يصرخ: انتظر! اخرس! بينما كان أحد خدمه يبدل بنطاله المبلل.
في ما بعد، أخذوه من منزله في شارع فيرجارا، المرهون والفارغ دائما، إلى المقبرة. سارت الديكة أمام التابوت متحدية البشر وباحثة عن معركة».
عشاء مع داروين
قد يصعب تصنيف كتاب «عشاء مع داروين»، فهو يتلمس من خلال عنوانه طريق تشارلز داروين في نظرية تطور الأنواع، ليقدّم لنا دراسة علمية عن تطوّر الطعام ومكوناته المختلفة وهو أيضا دراسة اجتماعية عن عادات الطعام المختلفة على مرّ عصور التاريخ.
في البداية يوجّه الكاتب جوناثان سيلفرتاون Jonathan Silvertown، الأستاذ الجامعي للإيكولوجيا التطورية في جامعة إدنبرة الأسكتلندية، كلمته إلى القارئ مبيّنا الغاية من هذا الكتاب «عشاء مع داروين» بقوله: «أريدُك أن تتظاهر بأنّ ما تحمله بين يديك الآن ليس كتابا بقدر ما هو دعوة لعشاء… سيكون هذا العشاء مختلفا، سيكون عشاء للعقل. بالطبع، أن كلّ وجبة طعام تنتمي للدماغ، فهذا هو المكان الذي تتم فيه معالجة أحاسيس تناول الطعام وإدراكها، غير أن دعوتي ستكون للتفكير في ما نأكله بطريقة مختلفة. كمثال، ما القاسم المشترك بين البيض، والحليب والدّقيق؟ إن كنت من هواة الطبخ، فستدرك فورا بأنّ هي المكونات الرئيسة للفطائر. ولكن، هناك إجابة أخرى أكثر إثارة للاهتمام أيضا. لقد تمّ تشكيل كلّ من البيض، والحليب، والبذور (التي يصنع منها الدقيق) بواسطة التطور لتغذية الأنسال. تأمّل بعمق هذه الحقيقة البسيطة، لتتفجر قصة كاملة من هذه الفكرة. يروي الكتاب هذه القصة، ليس لمكونات الفطائر فحسب، لكن لوجبات تتكون من 14 فصلا».
كتاب «عشاء مع داروين، فن الطبخ التطوري» دراسة علمية عن تطور الطعام ومكوناته المختلفة، وهو أيضا دراسة اجتماعية عن عادات الطعام المختلفة على مرّ التاريخ في محاولة فهم أصول وجباتنا الغذائية من آلاف السنين، يستلهم فيها بالأساس نظرية التطور لدى تشارلز داروين وكتابه الشهير «أصل الأنواع»، وإن شئنا القول تحديدا هو بمثابة الأنثروبولوجيا التطورية للطعام. فبخصوص الخبز، الأكل الأكثر انتشارا، يقول: «عندما صُنع لأوّل مرّة، مثّل الخُبز شيئا جديدا في تاريخ الأكل: أوّل طعام مُصنّع. من الواضح أن أيّ حقل للأعشاب البريّة لا يعدّ وجبة دسمة مثل التي يوفرها بَلح البحر، البصيلات، الفاكهة، والحيوانات البريّة. في البادئ، يجب جمع بذور أعشاب الحبوب، دَرْسها، غربلتها لفصل القشور، طَحنها إلى الدقيق، ثم خلطها بالماء لصُنع العجين، ثم تخميرها، ثم طبخها قبل أكلها. يا له من جهد جهيد! ولكنّه، في المقابل، أعطانا النكهة والتغذية الأشهى والأطيب، لدرجة أن كلمة الخبز أصبحت تعني الطعام نفسه.
في مطلع العصر الروماني، كان القمح والشعير من العناصر الغذائية الأساسية في أوروبا وجنوب غرب آسيا لآلاف الأعوام. لقد بُنيت مُدن روما القديمة واليونان وأهرامات مصر على الخُبز تماما كما بُنيت من الحجر. إنّنا نعرف، بفضل علم الآثار، كيف كان شكل هذا الخُبز، بل حتّى كيف تمّ صُنعه».
يعتبر الكاتب أيضا أن عملية التدجين الواسعة كانت خاصية مهمة في تطور أشكال الطعام عبر آلاف السنين وفي مناطق مختلفة في العالم: «إنّ الذرة والملفوف والقرنبيط والماشية كلّها شهود على قدرتنا على إعادة تشكيل الطبيعة من خلال تطبيق القوة التطورية للتدجين. لقد قمنا، في العشرة آلاف عام الماضية، بإعادة تنظيم ومضاعفة الجينومات، ترتيب الجينات، وتسمين الحيوانات، مع جعل كلّ شيء في أسواق المنتجات أكبر وألذّ. ليست هذه لمسة فنيّة بقدر ما هي إنجازات علمية، مع بدايتنا لفهم جينات الانتقاء بصورة كافية في المائة عام الماضية فحسب لاستخدام هذه المعرفة. وسواء من خلال الفنّ أو العلم، ليس ثمّة شك بأننا قمنا بإعادة رسم وتشكيل المنظر الطبيعي من نافذة المطبخ. حتّى في أعماق غابات الأمازون المطيرة، توجد هناك نافذة مطبخية لقبائل السكان الأصليين مليئة… بالذرة والفاصوليا والبطاطا الحلوة والفاكهة المدجنة من قبلهم. هل البشر إذا، هم المسؤولون عن الطبيعة الصالحة للأكل؟ فعلنا ذلك، ويمكننا حتّى بناء أساس منطقي جيد لذلك». أمّا الحليب، في تصوّر الكاتب، فكان المادة الغذائية الأساسية في بقاء الكائنات الثدية حية، وانبنى عليها تطور هائل في نظامنا الغذائي: «الحليب هو الطعام الوحيد الذي يمكننا أن نقول بصدق إنّه تطوّر لاستهلاكنا. أمّا الجبن فهو نتاج مشاركة هبة تطورية مع كائنات حيّة أخرى تُبادل معنا جزءا صغيرا من محتواها الطاقيّ مقابل وفرة لا تنضب من النكهات. تعدّ الغدد الثدية ومنتجاتها الهائلة أحيانا مهمة جدا لتغذية جميع رضع الثديات وإبقائها حية لدرجة أن المرء قد يتساءل أنّى لأسلاف الثديات العيش بدونها. هذا هو السؤال الذي يمكن طرحه حول أيّ تعديل. أصرّ تشارلز داروين بكتابه «أصل الأنواع» على أن التطوّر بواسطة الانتقاء الطبيعي عملية تدريجية، وأنّ الطبيعة لا تقوم بقفزات، بل تتخذ خطوات صغيرة تراكمية تؤدي إلى تغيّرات كبيرة على مدى فترات طويلة جدا من الزمن. في الواقع، هو عدّ التدريجية العامل الأساسي للتطور بواسطة الانتقاء الطبيعي، وجعلها اختبارا لنظريته».
اللغة العالمية.. الترجمة والهيمنة
صدر عن مركز أبو ظبي للغة العربية، ضمن مشروع كلمة للترجمة، كتاب «اللغة العالمية.. الترجمة والهيمنة» لعالمة الاجتماع والناقدة الفرنسية باسكال كازانوفا. الشاعر والقاص والمترجم المغربي محمد الخضيري أنجز ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية، وقام بمراجعته الشاعر والمترجم العراقي كاظم جهاد.
في دراسته التمهيدية للترجمة، يشير جهاد إلى «أنّ أحد الموضوعات الأساسية في فكر باسكال كازانوفا يتمثل في عدم تكافؤ الفرص الثقافية بين الشعوب، وفي تحكم عدد من العواصم الأوروبية بحركة النصوص، وكذلك نقدها، عبر ما تمنحه لها أو لا تمنحه من فرص الترجمة والانتشار».
ناقش الكتاب أيضا مسألة اللغة العالمية، والهيمنة عالمياً في ظرف تاريخي ما، وممارسات الهيمنة التي تمر باللغة عبر الترجمة، إذ اعتبر الترجمة الكاشف الحقيقي لهذه العلاقات والتي تفرضها الجمهورية العالمية للآداب، أو بتعبير آخر السوق العالمية للكتب.
تناول الكتاب أيضا موضوع الهيمنة اللغوية من خلال دراسة علاقة الرومان باللغة اليونانية وميراثها، ثم من خلال سعي الفرنسيين لاحقاً إلى الخروج من سطوة اللاتينية في سياق طويل، مثلت الترجمة الأدبية معتركه الأساسي، كما يحلل طبيعة الترجمة «الاستلحاقية» والاستعادة «الاستحواذية»، التي مارسها الفرنسيون على اللغات والثقافات الأخرى.
وتشير المؤلفة إلى ظاهرتي الثنائية اللغوية والازدواج اللغوي، وتأثيرهما على الثقافة المحلية، وكرّست جزءاً لتحليل آراء الشاعر الإيطالي «جاكومو ليوباردي» وتحفيزه للإيطاليين كي يخرجوا من الهيمنة الفرنسية، وتحذيره لهم من محاكاة سياسة الفرنسيين «الاستلحاقية» في الترجمة والتأليف.
يقول المترجم محمد الخضيري عن (اللغة العالمية.. الترجمة والهيمنة): «هو كتاب ثري يعرض قصة تطور اللغة الفرنسية عبر الترجمة ورهانات الهيمنة اللغوية في السياق الأوروبي والعالمي. وهي مادة غنية قد تفيد في النظر إلى فعل الترجمة كمجال يتجاوز السياق اللغوي إلى صراعات الهيمنة وتشكيل مركزية اللغات. وفيه تعرج إلى بعض من تاريخ الترجمات وحظوة اللغات في السياقات العربية والإنجليزية والإيطالية والألمانية».
يذكر أن باسكال كازانوفا (1959-2018) عالمة اجتماع وناقدة أدبية، أدارت لسنوات برامج عن الثقافة العالمية في إذاعة «فرنسا الثقافية» وُصفت بأنّها من أكثر البرامج تحفيزا للأدب. عملت في التعليم الجامعي أستاذة زائرة بجامعة ديوك الأمريكية. تُرجم كتابها الشهير «الجمهورية العالمية للآداب»، الصادر في سنة 1999، إلى أكثر من عشر لغات من ضمنها العربية. نشرت عشرات الدراسات التي تعالج مسألة استقلالية الأدب وعلاقته بالسياسة والتاريخ، ومن مؤلفاتها كذلك «بيكيت صانع التجريد، تشريح ثورة أدبية» و«كافكا غاضبا»، إضافة إلى كتابها الأخير «اللغة العالمية.. الترجمة والهيمنة».
تجدر الإشارة إلى أن محمد الخضيري كاتب وإعلامي ومترجم مغربيّ، صدرت له في العام 2013 مجموعة شعرية بعنوان «بعض الغبار وأنسى»، وله قصص قصيرة ومقالات صحفية ونقدية منشورة في مجلّات أدبية. ترجم عن الفرنسية رواية «المستشفى» للروائيّ والسينمائي المغربيّ أحمد البوعناني، التي رُشحت للقائمة القصيرة لجائزة «الأطلس الكبير»، ورواية «بلد للموت» للروائيّ المغربيّ عبد الله الطايع. وصدرت له، عن مشروع «كلمة» للترجمة في أبوظبي، ترجمة لكتاب «جغرافية البعوض السياسية» لإريك أورسينا وإيزابيل دو سانت أوبان، في العام 2020.
جوائز مهرجان خريبكة الدولي للسينما الإفريقية
فاز الفيلم الطويل «قرية قرب الجنة»، للمخرج الصومالي مو هاراوي، بالجائزة الكبرى (عصمان سامبين) للدورة الـ25 من مهرجان خريبكة الدولي للسينما الإفريقية، باعتباره عملا يتميز ببساطته العميقة، رؤيته الإنسانية، ودقته الإخراجية، يعكس إفريقيا نابضة بالحياة وآملة في مستقبل أفضل. إضافة إلى ذلك، حصل الفيلم على تتويج مزدوج بجائزة النقاد لإخراجه المميّز، ورؤيته الحساسة وقوة سرده السينمائي.
وفي فئة الأفلام الطويلة منحت جائزة لجنة التحكيم «نور الدين الصايل» لفيلم «وشم الريح» للمخرجة المغربية ليلى التريكي، بوصفه فيلما قويا في بنائه وتعبيره، بإخراج دقيق وإنتاج مميز داخل المغرب وخارجه. بينما عادت جائزة الإخراج «إدريسا ويدراووغو» لفيلم «راضية» للمخرجة المغربية خولة أسباب بنعمر، لتميزه بإخراج بصري متقن، أداء تمثيلي نسائي متماسك خلق تواصلًا عاطفيًا نادرًا مع المتلقي.
جائزة أفضل سيناريو «سمير فريد»، كانت من نصيب فيلم «الشاي الأسود» للمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو، للسيناريو المحكم، وللشخصيات المتطورة ولمعالجة نادرة لعلاقة ثقافية وإنسانية بين إفريقيا وآسيا. فيما تم منح جائزة أفضل دور نسائي «أمينة رشيد» للممثلة التونسية سارة حناشي عن أدائها في فيلم «الجسر» للأداء المميّز لشخصية معقدة في سياق قضايا الشباب الإفريقي. في حين عادت جائزة أفضل ممثل «جائزة محمد البسطاوي» لابن محمود مبوه للأداء الثابت لشخصية عميقة، في فيلم يعالج موضوعا أصيلا في سياقه الثقافي والاجتماعي.
أخيرا، وفي مسابقة الأفلام القصيرة، آلت الجائزة الكبرى «نجيب عياد» لفيلم «شيخة» من إخراج المغربيين أيوب ليوسفي وزهوى راجي، بينما عادت جائزة لجنة التحكيم «بولان سوماونو فييرا» لفيلم «حفل زفاف مائي» للمخرجة أورييل جيويا من البنين.
عبد الرفيع حمضي يصدر “مقالات في السياسة والمجتمع”
صدر حديثًا عن مؤسسة باحثون للنشر كتاب «مقالات في السياسة والمجتمع»، لعبد الرفيع حمضي، وهو عمل فكري وتجميعي يضم أكثر من مئة مقال رأي كُتبت على مدار سنة كاملة، ونُشرت بركنين ثابتين: حديث الأربعاء وأتاي الأحد، تابعَهما جمهور واسع من القرّاء المهتمين بالشأن العام .ويتنوع محتوى المقالات بين قضايا السياسة الدولية، مثل الانتخابات الأمريكية، والعلاقات المغربية الفرنسية، والصراع بالشرق الأوسط، ومستقبل الاتحاد الإفريقي.. وبين قضايا المجتمع المغربي بكل تشعباته وتناقضاته.
المؤلف، الصادر عن مطبعة وراقة بلال، ليس فقط تجميعًا لنصوص منشورة، بل هو شهادة فكرية على زمن عاصف، يُعيد ترتيب الأسئلة، ويقدِّم مواقف مسؤولة لا تخشى الجدل. وهذه المواقف ليست اعتباطية، بل تنبع من تجربة غنية تطل على الأربعين سنة، قضاها الكاتب بمواقع متعددة، في الإدارة العمومية بمختلف درجاتها، وفي القطاع الخاص، بالداخل والخارج، وفي العمل المدني الاجتماعي والحقوقي وفي الفعل السياسي .
أسلوب الكتاب سلس وواضح، لا يُثقِل القارئ بالزخرفة اللغوية أو الاستعراض البلاغي، بل يخاطبه كما هو، في واقعه وتساؤلاته. وهذه ميزة نادرة اليوم، إذ يحرص المؤلف على أن يظل النص قريبًا من القارئ، دون أن يُفرّط في عمق التحليل ولا في قوة الموقف.
كل مقال يبدأ غالبًا بتأصيل للمسألة المطروحة، من زاوية غير متوقعة أو من حكاية ذاتية، ليُعيد ربطها بسياقها المجتمعي أو السياسي، ثم يُقدِّم رأيًا متزنًا وأسئلة مفتوحة تدعو للتفكير.
ورغم النفس النقدي الذي يسكن العديد من المقالات، إلا أن روحًا إيجابية وإصلاحية تتخلل النصوص. فالنقد لا يأتي من موقع عدمي، بل من حرص على البناء، وتقدير للمنجز، واعتزاز بكل من يضع لبنة في مشروع الإصلاح .
إنه كتاب يستحق القراءة، سواء كنت مهتمًا بالسياسة أو منشغلاً بالمجتمع، أو فقط باحثًا عن معنى في زمن يزداد غموضًا.
يقع الكتاب في 320 صفحة من الحجم المتوسط، ويتزين غلافه بلوحة فنية مُهداة من الفنانة التشكيلية المبدعة نادية الأزرق، ما يضفي عليه لمسة جمالية تكمّل قيمة المضمون.
الكتاب متوفر حاليًا بمكتبة الألفية الثالثة، وعند كشك الروبيو بشارع محمد الخامس بالرباط.













