
بقلم: خالص جلبي
ما زال عالقا في ذهني صديقي أبو طه المهندس، عندما كنت أبني في الجولان بيتا لي يكون لي في التقاعد، فأتنقل بين كندا وسوريا. نظر المهندس يومها إلى البناء، وطالع استقامة الجدران، ثم تركيب الحجر، وقرع أرضية الحمامات، ليتأكد من الفراغات تحت ألواح البورسلان. وكان مع كل فحص يصاب بإحباط أكبر. وعندما أنهى فحصه ليعطي التقرير عن تقييم العمل، كانت نوبة الغضب عنده قد وصلت إلى الذروة. فمن استدعاه كان أنا كصديق حميم، وكان يومها قد عرض علي الاتصال به عند أي خلاف مع المقاول. صرخ في العمال وهو بنوبة انفعال عارمة: ويلكم أليست هذه أموال مسلم؟ لم يستطع متابعة كلامه وبدأ لونه بالامتقاع وابيض وجهه، وكأن الدم هرب منه فجأة. ثم استدار فسقط إلى الأرض وكانت نهايته، فلم تكن إمكانيات الإسعاف الأولية متوفرة في الريف البعيد. وكانت طبيعة النوبة شديدة، وبدأ الزبد يعلو فمه، وخلال دقائق كان قد فارق الحياة. وبدأت في إجراء ما يسمى (CPR) في تمسيد القلب والتنفس بدون فائدة، فقد أسلم الروح بعيدا عن أهله 400 كلم!
هذه القصة تروي لنا الأثر القاتل للغضب، خاصة عند إنسان ضعيف القلب، كما كان مع هذا المهندس الذي مات شهيدا في ميدان عمله، كما يسقط الجراح في قاعة العمليات وهو يجري عملية خطيرة لإنقاذ حياة إنسان، أو موت المدرس بأزمة قلبية مفاجئة وهو يدرس الطلبة في الفصل.
يعتبر علماء النفس أن الانفعالات الأعظم التي تهدد توازن الإنسان هي ثلاثة: الغضب والقلق والاكتئاب. وحصة الرجال من الغضب أكثر، كما أن حظ النساء من الاكتئاب أشد، وهذه تختلف حسب البيئات والثقافة.
ولو قمنا بتشريح (بنية الغضب) لرأينا تتابعا مأساويا، فالغضب يقود إلى مزيد من تفعيل مرجل الغضب في كم تراكمي مثل كرة الثلج، إلى أن يصل إلى فقد السيطرة والتورط في العنف، وانطلاق أشد عناصر البدائية من الدماغ السفلي عند الإنسان؛ فيتصرف كالوحش الكاسر، وهنا يصل الغضب إلى ذروة المخطط، حيث ينفلت العنف اللاعقلاني. وهذه أحد جوانب الإنسان العجيبة كيف أنه يتصرف أحيانا بدون لون من العقلانية. كما يفسر اندلاع الحروب التي يتراكم فيها مزيج سام من مشاعر الخوف والتوتر والغضب والحقد وكل ألوان اللاعقلانية، فتنفجر الحرب لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر.
وكما يقول (دانييل جولمان)، صاحب كتاب (الذكاء العاطفي): (تصبح الدروس المستفادة من حياة الوحشية البدائية، هي وحدها التي توجه أفعاله)، ويحضرني في هذا الموضوع (فيرنر هايزنبرغ)، الفيزيائي والفيلسوف الألماني، الذي طوَّر مع بول ديراك البريطاني نظرية اللايقين، أو الارتياب في قوانين الفيزياء من خلال حركة الإلكترون. فقد أعجبت بآرائه الإنسانية التي طرحها في كتابه (الجزء والكل) أكثر من إبداعاته الفيزيائية، عندما ذكر أن هتلر يعرف أن الحرب الحديثة تقاد بالتكنولوجيا، كما يعرف أنه لن ينتصر في الحرب أمام الحلفاء مجتمعين، ولكنه يعلق بجملة فلسفية هامة: (ولكن متى كانت الحرب عقلانية؟). وهذه الجملة تدخلنا إلى فهم بنية الغضب، أنه عندما يسيطر يتحول الإنسان إلى تمساح في جلد إنسان ويمارس العنف ويودع العقل، وتشتغل في هذه الحالة مناطق الدماغ السفلية كما هي عند الضواري والسباع. ويدرك الأطباء عمل الغضب في مستوى الهورمونات والآليات المعقدة، التي أودعتها الطبيعة في جسمنا للمحافظة على العضوية أمام المخاطر. ولذا كان من الأهمية أن يبقى الغضب تحت السيطرة ولأقل فترة ممكنة، فهي آلية لا يمكن التخلص منها، وهي مفيدة تحافظ على العضوية في بعض المجالات.
وكما قال الحكيم البوذي (شوجيام ترونجبا) من التيبت، عندما سئل عن أفضل وسيلة للتعامل مع الغضب: لا تقهره، ولكن إياك أيضا أن تطيعه. ويقوم التحدي الأرسطوطالي على أن تكون للغضب معادلة: أن يغضب أي إنسان فهذا أمر سهل، لكن أن تغضب من الشخص المناسب في الوقت المناسب للهدف المناسب وبالأسلوب المناسب، فليس هذا بالأمر السهل.
وعلمنا القرآن أفضل من كل هذا عن معالجة الغضب، فأوصانا أن نكظم الغيظ ولا نزيله، فهذا ليس بالإمكان في ثلاث درجات: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين). ويروى عن المأمون أن جارية سكبت الماء عليه، فغضب وسبها، فقالت: والكاظمين الغيظ، فقال: قد كظمنا. فقالت: والعافين عن الناس، قال: قد عفونا. قالت: والله يحب المحسنين، قال: أنت حرة لوجه الله.
نافذة:
لو قمنا بتشريح بنية الغضب لرأينا تتابعا مأساويا فالغضب يقود إلى مزيد من تفعيل مرجل الغضب في كم تراكمي مثل كرة الثلج إلى أن يصل إلى فقد السيطرة والتورط في العنف





