
في خريف عام 2008، لفت انتباهي خبر صغير في إحدى الجرائد الفرنسية عن جولات سياحية أدبية في ستوكهولم تتبع خطى رواية كانت تتصدر قوائم المبيعات آنذاك. شعرت بشيء داخلي يهمس بأن هذه فرصة لا تفوّت ويجب أن أعيشها.
في المساء نفسه، بدأت أبحث عن تذكرة طائرة، ووجدت عرضا مناسبا بعد عشرة أيام. اتصلت بالوكالة المنظمة للجولة، فسألتني الموظفة إن كنت أفضل جولة فردية أم ضمن مجموعة. اخترت الجولة الجماعية، فالسعر أقل في مدينة تعد من الأغلى في العالم. أخذت بياناتي ووعدت بإرسال التأكيد عبر البريد الإلكتروني. قلت لنفسي مطمئنا، بقي الفندق وبقيت الرواية بأجزائها الثلاثة.
في اليوم التالي، توجهت إلى أقرب مكتبة وسألت عن أعمال ستيغ لارسن. لم يكن متوفرا سوى الجزء الثاني من ثلاثية “ميلينيوم” والمعنون “الفتاة التي لعبت بالنار”. اشتريته وانغمست في قراءته. لم أكن يوما من هواة الروايات البوليسية، لكن هذا العمل كان استثناء. واصلت القراءة حتى ساعات متأخرة من الليل. كانت الرواية مشهدية، كأنك ترى حركية الأحداث أكثر مما تقرأ، تجمع بين التشويق والغموض والتحليل المجتمعي، وتركز على تحقيقات معقدة بمساعدة شخصيتين رئيسيتين الصحفي الاستقصائي ميكائيل بلومكفيست والهاكرة المستقلة ليزبيث سالاندر ذات الذكاء الحاد والقدرات العالية. في أجواء إسكندنافية نسمع عنها أشياء إيجابية، لكننا لا نعرف الكثير عن ثقافتها وفنونها ومجتمعاتها، باستثناء جائزة نوبل التي تمنح لتكريم الأشخاص الذين يقدمون فائدة كبيرة للبشرية في مجالات مثل الفيزياء والكيمياء والطب والأدب والسلام.
بعد عشرة أيام، وقفت في شارع بيلمانسغاتان، نقطة بداية الجولة. كان الجو باردا والمجموعة صغيرة؛ كنا ستة أشخاص، وكنت أصغرهم سنا، بينما بدا الآخرون متقاعدين، أربعة بريطانيين وسويدية واحدة. أغرتهم الحكاية وتعقيدات قضاياها أكثر من الرحلة نفسها. جمعنا حماس واحد، أن نخرج شخوص الرواية من الورق ومن مخيلة الكاتب، ونسير معها في الشوارع والأماكن التي ولدت فيها، في لمسات وصفية تجعل القارئ يشعر أنه يمشي بوفاء بين سطور الكتاب.
كانت تلك أول تجربة لي مع الجولات الأدبية. وبعد جولتنا التي امتدت ساعتين، اقترح المرشد التوقف في مقهى دافئ في شارع هورنسغاتان لتجربة “الفيكا”، الاستراحة السويدية التي تعيشها الشخصيات في الروايات الثلاث. استمر الحديث عن الأدب، وعن المدينة وتقاليدها، وعن الحد الرقيق بين الخيال والواقع. أوضح المرشد أن «الفيكا» ليست مجرد شرب قهوة، بل استراحة اجتماعية وتقليد شبه مقدس مخصص للدردشة واللقاء مع الأصدقاء أو العائلة، وتشمل عادة فنجان قهوة مع لفائف القرفة، أو شايا مع حلوى أو كعك.
كان المرشد يحكي أن هذه الثلاثية سمحت له بإعادة اكتشاف ستوكهولم التي ولد فيها، حتى صار يحفظ أماكن وشخوص ثلاثية لارسن كأنها جزء من ذاكرته الشخصية، ويقودنا بثقة في أزقة نورمالم، وغاملا ستان، وسوديرمالم، المنطقة المفضلة للارسن، حيث مغامرات ليزبيث سالاندر في أجواء المدينة المبهمة، قلب الحكاية ومقر إقامة شخوص «ميلينيوم». هنا شقة ميكائيل بلومكفيست في شارع بيلمانسغاتان، وهناك شقة ليزبيث، لوفت أنيق في شارع فيسكارغاتان. متابعة ليزبيث تعني استكشاف هوامش المجتمع والعدالة، بينما تعكس الشوارع الضيقة والمباني القديمة أجواء الغموض والتشويق؛ بيوت متقاربة ومتلاصقة، نوافذها صغيرة بسبب البرد، ملونة بأصفر وبرتقالي يعودان إلى العصور الوسطى، وشوارع مرصوفة بالحجارة.
أن ترى المدينة بعين كاتب، وأن تمشي في دروب شخصياته، هو أن تكتشف المكان ببطء، عمارة إسكندنافية هادئة، شرفات تطل على الماء، ومسارات تدعوك إلى التأمل ومراقبة الغروب. في سوديرمالم، كان الأدب ينساب من الصفحات إلى الشوارع والأزقة بصمت، بين مكتب الصحيفة ومفوضية الشرطة، ومقاه وشقق ومحالات تكشف سر ستوكهولم المتشابك بين عشرات الجزر، حيث تكاد الشمس في الصيف لا تغرب، فتظل المدينة مضاءة بنور النهار المستمر.





