
د. خالد فتحي
إذا ترجمنا الكلمة الفرنسية sages-femmes حرفيا إلى العربية، فسنقول عنهن «النساء الحكيمات». غير أننا في ثقافتنا نطلق عليهن «القابلات». ربما لأنهن يكن وجها لوجه مع الحامل وهي تضع مولودها، أو لأنهن أول من «يقابل» هذا المولود عند خروجه إلى الحياة، فيرونه قبل أن تراه أمه التي أنجبته.
الفرنسيون اختاروا تسمية تشير إلى الحكمة، وبعد النظر، والحدس، والبصيرة التي ينبغي أن تتحلى بها «القابلة». أما نحن، فاخترنا تسمية وصفية، تنقل المشهد كما هو، في لحظة اللقاء الأولى بين القادم الجديد والعالم.
في المغرب، حيث يتزاحم اللسان العربي والفرنسي في المستشفيات وكليات الطب، نستعمل التسميتين معا: «القابلات» و«النساء الحكيمات». ولكني، ومن فرط ما خبرت بلاء وتضحية هذه الفئة من المهنيين الصحيين، صار يستهويني أن نطلق عليهن نعتا آخر أجده أكثر صدقا وصوابا لولا طوله: المرابطات على باب الحياة، أو حارسات الحياة على باب الولادة .
هؤلاء النساء، المتأهبات أبدا، الجنديات، ولست أضيف المجهولات، بل المعلُومات منا جميعا، صاحبات الأيادي والأنامل التي لامست وتحسست رؤوسنا، ونحن لا نزال في بطون أمهاتنا ونحن نترقب الخروج طيلة ذاك الفاصل الزمني المعجزة الذي يستغرقه المخاض كي ينقلنا من رحم إلى عالم فسيح، من عتمة إلى نور، من صمت إلى أول صرخة لنا في الوجود، هن من يرافق هذه الرحلة القصيرة في المسافة، العميقة في معناها، المحفوفة بالخوف والتوجس، الزاخرة بالآمال والأماني.
القبالة مهنة دقيقة، هي من أصعب المهن وأشدها حساسية. إنها مسؤولية لا تنتهي بانتهاء الولادة… تتطلب خصالا ومواصفات خاصة؛ دربة متجددة، ويقظة دائمة، وحسن تقدير، واتخاذ لقرارات سريعة وصائبة في لحظات لا تحتمل الخطأ.
«القابلة» يُطلب منها ما لا يُطلب من غيرها: أن تجمع بين العلم والإنسانية، بين المهارة والحدس الصحيح، وبين الحزم والاحتواء.
لعل القبالة هي أقدم مهنة عرفتها البشرية، ولعل آدم كان أول من مارسها حين لم يكن هناك طبيب ولا مشرط، بل فقط فطرة الإنسان وهو يواجه معجزة الولادة التي يعول عليها أن تعمر الأرض.
من الكهوف والأكواخ إلى غرف الولادة المعقمة في المستشفيات الحديثة، ظلت «القابلات» هن من يحرسن الحياة على هذا الكوكب.
سقراط، أحد أعظم الحكماء في تاريخ الفكر الإنساني، كانت أمه «قابلة»، وكان يقول عنها إنها من علمته الحكمة، لأنها كانت تعرف- بحدسها وتجربتها- من سيُكتب له أن يعيش من الأجنة، ومن لن يُكتب له العيش.
ولكن لنتمهل قليلا، من مِن أطباء النساء والولادة لا يشبه سقراط في هذه النقطة بالذات؟ من ذا الذي لم تأخذ بيده «قابلة» مجربة في بداية مساره المهني لتعلمه من معين خبرتها أمورا لا توجد في كتب الطب؟ من لم يتشرب من «قابلة» ما رباطة جأشها، رويّتها، حزمها، ثباتها، سرعة تصرفها، ورجاحة عقلها؟
من لم توقظه «قابلة» ليلا لتقول له إن عليه أن يُشهر مبضعه من أجل قيصرية مستعجلة؟ ومن لم تشد عضده قابلة قوية الجنان في أحرج المواقف؟
أنا أتذكر كثيرات من «القابلات» كان لهن فضل علي: هوارية، أم ياسر، زينب ر، فاطمة س، خديجة، عائشة ر… منهن من تقاعدن، ومنهن من لا زلن يصن هذا الفن الجميل الذي يسمى القبالة، أو فن الولادة الطبيعية.
إنه أمام الإقبال الكثيف على القيصرية في كل دول العالم بمبررات طبية، وأحيانا كثيرة لأسباب ترويجية ومزاجية، تبقى «القابلات» هن المرابطات، العاضّات بالنواجذ على صون هذا الفن الرائع، وعلى توريث هذه المهارة الدقيقة، كي لا تندثر وتدخل خزانة التاريخ، وتصبح القيصرية هي الولادة العادية.
القبالة ليست مجرد تقنية، بل هي حضور إنساني عميق. وليست مجرد مهنة، بل وقوف دائم على الحد الفاصل بين الحياة والموت. إنها نوع متميز من الكفاح .
لحظة الميلاد ليست لحظة عادية، إنها انتقال كوني، تشهد فيه «القابلة» خروج الإنسان من العدم إلى الوجود، من اللا شكل إلى الشكل، من الفكرة إلى الجسد. إذ مهما صورنا الجنين، أو رأينا دقات قلبه، أو شاهدنا أعضاءه بالموجات فوق الصوتية، يظل دائما كائنا لا زال لم يأت إلينا بعد، ولم يحل بعد بين ظهرانينا.
بهذا المعنى، فـ«القابلة» لا تستقبل المواليد فحسب، بل ترافق تحول امرأة إلى أم، وزوج إلى أب، وزوجين إلى أسرة حقيقية تتكاثر.
في لحظة الولادة، تتفتق أشياء لا تُرى: عواطف، روابط، دموع، أسرار. وتظل «القابلة»، وسط كل هذا، العين الساهرة، واليد الحانية، والبوصلة التي لا يجوز أن تُخطئ.
لكن، كيف نكرّم هؤلاء النساء الحكيمات؟
إنه لا يكفي أن نحتفي بهن في يوم عالمي وننثر عليهن كلمات الشكر. التكريم الحقيقي يبدأ حين نعترف بدورهن الجوهري في المنظومة الصحية، ونمنحهن المكانة التي يستحققنها. وحين نوفر لهن بيئة عمل كريمة، وحماية قانونية، وتدريبا مستمرا، ودعما نفسيا، وتجهيزات تليق بخطورة مهامهن.
مشاكل «القابلات» كثيرة: ضغط العمل، قلة عدد العاملات، ضعف الاعتراف، ونظرة اجتماعية تختزل عملهن في «مساعدة» لا في قيادة لحظة الخروج إلى الحياة. يُطلب منهن الكثير دون أن يُمنح لهن ما يكفي: لا ماديا، ولا معنويا.
وهن، رغم ذلك، يواصلن الوقوف في الخط الأول للولادة، وللمستقبل.
نكرم «القابلات» حين نصغي إليهن، حين نمنحهن حق الراحة والتقدير، وحق الحماية، وحق التطور.
نكرمهن حين نعيد للقبالة بُعدها الإنساني والعلمي والاجتماعي- لا كمهنة فقط، بل كرسالة، وكفن من فنون حفظ الحياة.
إن هذه الأهداف لهي ما نسعى إليه جاهدين في مستشفى الولادة السويسي بالرباط، لكن كما يقول قيدومنا د. حسين معوني، مدير المستشفى ورئيس الجمعية الملكية لأطباء النساء والتوليد: «إننا مهما نفعل، لن نُوفي أبدا القابلات حقهن من الثناء والاعتراف، فأفضالهن وما يقمن به أجل وأكبر من أن يُثمَّن في هذه الحياة الدنيا».





