حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

كواليس رهانات قمة الناتو بأنقرة…. تركيا تسعى لمكاسب استراتيجية وترامب يعيد رسم موازين الحلف

وسط أخطر التحولات الأمنية، التي يشهدها العالم منذ سنوات، تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة على وقع ملفات تتجاوز حدود أوروبا إلى الشرق الأوسط والبحر الأسود. وبين ضغوط أمريكية لإعادة صياغة أدوار الحلف، وتنافس أوروبي على تحمل مسؤوليات أكبر، وطموحات تركية لتعزيز نفوذها السياسي والدفاعي، تتحول القمة إلى محطة مفصلية ستحدد اتجاهات الناتو في مواجهة تحديات المرحلة المقبلة.

إعداد: سهيلة التاور

لم تعد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تستضيفها العاصمة التركية أنقرة مجرد اجتماع دوري لقادة الدول الأعضاء، بل تحولت إلى محطة سياسية وعسكرية تحمل دلالات تتجاوز جدول أعمالها التقليدي. ففي وقت يواجه فيه الحلف تحديات غير مسبوقة فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات في الشرق الأوسط، وتبدل أولويات الولايات المتحدة، يجد قادة الدول الأعضاء أنفسهم أمام اختبار حقيقي لإعادة صياغة مستقبل المنظمة التي شكلت لعقود العمود الفقري للأمن الغربي. وفي المقابل، ترى تركيا في استضافة القمة فرصة لتعزيز مكانتها الجيوسياسية، وإبراز قدراتها الدفاعية، ودفع علاقاتها مع واشنطن إلى مرحلة جديدة، في وقت تتسابق فيه الدول الأوروبية لإقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الحلف ما زال قادرا على التكيف مع المتغيرات الدولية وتقاسم أعباء الدفاع بصورة أكثر توازنا.

ضغوط أمريكية لإعادة توزيع أعباء الدفاع

تنعقد القمة في ظل مناخ سياسي يتسم بقدر كبير من عدم اليقين داخل الحلف، بعدما كثف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطه على الحلفاء الأوروبيين، مطالبا إياهم بتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة، وتقليص اعتمادهم على القدرات العسكرية الأمريكية. وقد جاءت هذه الضغوط امتدادا للمواقف التي تبناها خلال السنوات الماضية، لكنها اكتسبت زخما أكبر، بعد تعهد غالبية أعضاء الحلف برفع الإنفاق الدفاعي إلى ما يعادل 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

وتسعى الدول الأوروبية خلال القمة إلى إثبات أنها حولت هذه التعهدات إلى خطوات عملية، ليس فقط عبر زيادة الميزانيات العسكرية، وإنما أيضا من خلال تعزيز الإنتاج الدفاعي المشترك، وتطوير الصناعات العسكرية، ورفع جاهزية الجيوش الأوروبية لمواجهة التهديدات المتزايدة، وفي مقدمتها التهديد الروسي.

ويؤكد مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، أن الحلفاء الأوروبيين وكندا قطعوا بالفعل شوطا مهما في هذا الاتجاه، مع تسجيل استثمارات إضافية ضخمة خلال العامين الجاري والمقبل، بما يعكس رغبة واضحة في تحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة، دون التخلي عن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

ومع ذلك، يدرك الأوروبيون أن المسألة لا تتعلق فقط بالأرقام، بل بطمأنة الإدارة الأمريكية إلى أن الحلف لم يعد يعتمد بصورة شبه كاملة على القوة الأمريكية، وأن أوروبا أصبحت أكثر استعدادا للقيام بدور قيادي في الدفاع عن نفسها، خاصة في ظل الحديث المتكرر داخل واشنطن عن مراجعة الوجود العسكري الأمريكي في القارة، وإعادة توزيع القوات بما يتناسب مع أولويات استراتيجية جديدة.

تحول بنيوي يعيد تعريف دور الناتو

بعيدا عن النقاشات المتعلقة بالإنفاق العسكري، يرى عدد من المراقبين أن التحول الحقيقي الذي تشهده القمة يكمن في إعادة تشكيل طبيعة الحلف نفسه. فالناتو لم يعد ينظر إليه باعتباره مجرد تحالف دفاعي تقليدي يعتمد على القيادة العسكرية المشتركة، بل يتجه تدريجيا إلى التحول نحو منصة أمنية متكاملة، تربط بين الجيوش والصناعات الدفاعية والبنية الرقمية وأنظمة القيادة والسيطرة ضمن منظومة موحدة.

ويقوم هذا النموذج الجديد على توحيد معايير العمل العسكري، وتطوير آليات مشتركة لتبادل البيانات، والاستفادة من الحوسبة السحابية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يسمح للقوات المسلحة التابعة للدول الأعضاء بالعمل بكفاءة أعلى وكأنها قوة واحدة، مع تسريع عمليات اتخاذ القرار والدعم اللوجستي.

وتسارعت هذه التحولات نتيجة الدروس التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية، والتي كشفت أهمية التكامل الرقمي وسرعة تبادل المعلومات في الحروب الحديثة، كما تأثرت برغبة الولايات المتحدة في تخفيف دورها التقليدي كضامن رئيسي للأمن الأوروبي، ودفع الحلفاء إلى تحمل مسؤوليات أكبر.

غير أن هذا التحول يطرح في المقابل تحديات جديدة، إذ إن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية يجعل الحلف أكثر حساسية أمام الهجمات السيبرانية ومحاولات اختراق البنية التحتية التقنية، وهو ما يدفع الناتو إلى الاستثمار بصورة أكبر في الأمن السيبراني والتقنيات الدفاعية الحديثة.

وفي هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح داخل الحلف يدور حول عضوية الدول من عدمها، بل حول مدى قدرتها على الاندماج بسرعة داخل هذه المنظومة الجديدة، والالتزام بالمعايير التقنية والعسكرية التي ستحدد شكل الناتو خلال السنوات المقبلة.

من يقود الحلف إذا تراجعت واشنطن؟

أحد أبرز الأسئلة التي فرضت نفسها على نقاشات القمة يتعلق بمستقبل القيادة داخل الحلف، في حال واصلت الولايات المتحدة تقليص انخراطها العسكري المباشر في أوروبا. فقد أعادت تصريحات ترامب بشأن ضرورة أن تتولى الدول الأوروبية الدفاع عن نفسها فتح النقاش حول الجهة التي يمكن أن تقود الناتو، إذا تغير الدور الأمريكي مستقبلا.

وتتجه الأنظار إلى القوى الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها ألمانيا التي تمتلك أكبر اقتصاد في القارة، وفرنسا وبريطانيا اللتان تتمتعان بقدرات نووية وخبرة عسكرية واسعة، إضافة إلى بولندا التي عززت مكانتها الدفاعية خلال السنوات الأخيرة، بفضل استثماراتها العسكرية الكبيرة وموقعها الجغرافي القريب من روسيا.

وفي المقابل، يبرز الدور التركي باعتباره أحد أهم عناصر التوازن داخل الحلف، ليس فقط بسبب امتلاك أنقرة ثاني أكبر جيش في الناتو، وإنما أيضا بفضل موقعها الجغرافي الذي يربط أوروبا بالشرق الأوسط والبحر الأسود، إلى جانب قدراتها المتنامية في مجالات النقل العسكري والدعم اللوجستي والصناعات الدفاعية.

ورغم استمرار الجدل حول مستقبل القيادة داخل الحلف، فإن معظم التقديرات تشير إلى أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن الناتو بصورة كاملة، وإنما ستسعى إلى إعادة توزيع المسؤوليات وتقاسم الأعباء مع الحلفاء الأوروبيين، بما يخفف الكلفة المالية والسياسية عن واشنطن، دون المساس بالدور الاستراتيجي الذي يمثله الحلف في النظام الأمني الغربي.

ملفات شائكة تفرض نفسها على جدول أعمال القمة

رغم أن قضية الإنفاق الدفاعي تتصدر جدول الأعمال الرسمي، فإن قادة الحلف يناقشون خلال قمة أنقرة مجموعة من الملفات المعقدة، التي تعكس حجم التحولات التي يشهدها النظام الدولي. ويأتي في مقدمة هذه الملفات مستقبل الحرب في أوكرانيا، والتوتر المتصاعد في الشرق الأوسط، وأمن الطاقة، وحرية الملاحة البحرية، إضافة إلى مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.

وتحظى الحرب الروسية الأوكرانية باهتمام خاص، إذ يسعى الحلف إلى الحفاظ على مستوى الدعم العسكري لكييف، في وقت تدخل فيه الحرب عامها الخامس. ومن المنتظر أن يؤكد القادة استمرار تقديم المساعدات العسكرية والتدريب والدعم اللوجستي، مع الإبقاء على مستويات التمويل التي أُقرت خلال العام السابق، بينما يتحمل الأوروبيون الجزء الأكبر من هذه الالتزامات، في ظل تقليص الإدارة الأمريكية لمساهمتها المباشرة.

ويشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في جانب من اجتماعات القمة، في محاولة للحصول على تعهدات جديدة بتعزيز أنظمة الدفاع الجوي، وتوفير مزيد من الأسلحة والذخائر، إلى جانب حشد دعم سياسي يضمن استمرار الضغط على موسكو. كما يُنتظر أن يستغل لقاءاته الثنائية مع عدد من القادة، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للدفع نحو تعزيز الموقف الغربي الداعم لكييف.

وفي موازاة الملف الأوكراني، يحظى الملف الإيراني بحضور بارز على طاولة القمة، خاصة بعد التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الماضية، وما رافقها من تداعيات على أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة. ويبحث قادة الحلف سبل التعامل مع التوتر في الخليج، مع التأكيد على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، والدعوة إلى احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز في العالم.

كما يناقش الحلف إمكان تعزيز التنسيق البحري لحماية خطوط الملاحة إذا استدعت التطورات ذلك، في ظل استعداد عدد من الدول الأوروبية للمساهمة في تأمين حركة السفن، مع إدراكها أن نجاح أي مهمة من هذا النوع يتطلب إمكانات بحرية ولوجستية كبيرة وتنسيقا واسعا بين أعضاء الحلف.

ويبرز كذلك ملف الصناعات الدفاعية باعتباره أحد أبرز محاور القمة، حيث ينعقد على هامش الاجتماعات منتدى متخصص يجمع كبار المصنعين وشركات التسليح وصناع القرار العسكري، بهدف تحويل الزيادات الكبيرة في الإنفاق الدفاعي إلى عقود إنتاج واستثمارات فعلية. ويتوقع أن يشهد المنتدى الإعلان عن صفقات تسليح بمليارات الدولارات، تشمل أنظمة دفاع جوي وصواريخ ومركبات عسكرية وتقنيات متقدمة، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية للحلف وتسريع تحديث ترسانته.

تركيا.. بين المكاسب الاقتصادية والطموحات الاستراتيجية

بالنسبة إلى أنقرة، لا تقتصر أهمية القمة على بعدها السياسي والعسكري، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وتنموية تسعى الحكومة التركية إلى استثمارها. فاستضافة آلاف المسؤولين والدبلوماسيين والخبراء والصحافيين من مختلف أنحاء العالم، تمنح العاصمة التركية فرصة لتعزيز حضورها كمدينة تستضيف الفعاليات الدولية الكبرى، إلى جانب تنشيط قطاعات الفنادق والسياحة والنقل والخدمات.

وتشير تقديرات مؤسسات اقتصادية تركية إلى أن القمة ستضخ مليارات الليرات في الاقتصاد المحلي، وهو ما يجعلها إحدى أكبر الفعاليات الدولية التي تستضيفها أنقرة، خلال السنوات الأخيرة. كما يأمل المسؤولون الأتراك في أن تتحول هذه الاستضافة إلى نقطة انطلاق لترسيخ مكانة العاصمة كمركز دائم للمؤتمرات والقمم الدولية.

وفي الجانب الدفاعي، ترى تركيا أن القمة تشكل منصة مثالية للترويج لصناعاتها العسكرية التي حققت تطورا ملحوظا، خلال السنوات الأخيرة. فالشركات التركية العاملة في مجالات الطائرات المسيّرة، والأنظمة الإلكترونية، والصواريخ، والأمن السيبراني، تسعى إلى توسيع حضورها داخل أسواق دول الناتو، مستفيدة من الاتجاه العام لزيادة الإنفاق العسكري ورفع وتيرة التسلح داخل الحلف.

وفي الوقت نفسه، يستغل الرئيس رجب طيب أردوغان لقاءاته الثنائية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من القادة الغربيين لطرح ملفات عالقة في العلاقات التركية الأمريكية، وفي مقدمتها مطالبة أنقرة بإزالة القيود المفروضة على التعاون الدفاعي، واستئناف مشاركتها في برنامج المقاتلة «إف-35»، إلى جانب بحث آفاق توسيع التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين.

قمة تحدد ملامح المرحلة المقبلة

تكشف قمة أنقرة أن حلف شمال الأطلسي يقف أمام مرحلة انتقالية تتجاوز مجرد زيادة الإنفاق العسكري، أو تحديث الترسانة الدفاعية. فالحلف يعمل على إعادة تعريف دوره في عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، بينما تتجه الولايات المتحدة إلى مطالبة شركائها بتحمل نصيب أكبر من مسؤوليات الأمن الجماعي، وتسعى أوروبا إلى إثبات قدرتها على الاضطلاع بهذا الدور، دون التفريط في الشراكة مع واشنطن.

وفي المقابل، تواصل تركيا استثمار موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية لتعزيز مكانتها داخل الحلف، مستفيدة من استضافتها للقمة، لإبراز دورها كحلقة وصل بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود.

ومع تعدد الملفات المطروحة، من الحرب في أوكرانيا، والتهديدات الروسية، والبرنامج النووي الإيراني، وأمن مضيق هرمز، وصولا إلى مستقبل القيادة داخل الناتو، تبدو قمة أنقرة أكثر من مجرد اجتماع سنوي. فهي تمثل اختبارا لقدرة الحلف على التكيف مع بيئة دولية أكثر تعقيدا، كما تشكل مؤشرا على شكل النظام الأمني الغربي خلال السنوات المقبلة، في ظل انتقال تدريجي من الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة إلى نموذج يقوم على تقاسم الأعباء، وتعزيز التكامل الدفاعي، وبناء قدرات أوروبية أكبر، مع الحفاظ على تماسك الحلف في مواجهة الأزمات والتحديات المتسارعة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى