حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

كيف بدأت الأندية الخاصة في المغرب؟ دبلوماسيون وأثرياء أسسوها قبل قرن ونصف

يونس جنوحي

بداية الأندية الخاصة في المغرب حركها «الفراغ»، الذي كان يحس به أعضاء البعثات الدبلوماسية الأجنبية في المغرب، في عهد السلطان المولى الحسن الأول.. فقد كان المغرب يستقبل وفودا أجنبية منذ القدم، وأصبح الأمر نظاميا مع المولى محمد الرابع، حيث بدأت طنجة الدولية تأخذ طابعها الدبلوماسي الأجنبي.. لكن مع المولى الحسن الأول الذي وصل إلى الحكم سنة 1873، أصبح مقام البعثات الأجنبية -البريطانية والأمريكية، ثم الفرنسية والإيطالية على وجه الخصوص- نظاميا.

هؤلاء الأجانب كانت لديهم الحاجة إلى الترفيه وممارسة الرياضات والهوايات، وكان التحدي الأول أمامهم، توفير فضاء لممارسة هذه الأنشطة الرياضية الجديدة على المغرب. وهكذا بدأت أندية للقوارب الشراعية واليخوت، وأخرى لكرة القدم والتزلج والغولف والتنس، بعضها ساهم أعيان مغاربة في إطلاقها، وأخرى هندسها أجانب لخلق مجتمع أجنبي «مخملي» مغلق، قبل أن يظفر المغاربة بدورهم بشرف ممارسة هذه الرياضات.

 

 

«القنص» و«الطيران».. أقدم النوادي في «بلاد المغرب»

عندما جاء الأجانب إلى المغرب في إطار الوفود الدبلوماسية التي طلبت الاعتماد لفتح قنصليات، منذ عهد المولى الحسن الأول سنة 1873، كان «الفراغ» العدو الأول لهؤلاء الدبلوماسيين، سواء أثناء مقامهم في مدينة فاس، في انتظار استقبالات السلطان الرسمية في القصر الملكي، أو في طنجة الدولية، حيث كان القناصلة يتخذون قنصليات بلدانهم لتدبير شؤون رعايا الدول التي يمثلونها لدى المغرب، وهكذا برزت الحاجة إلى تأسيس أندية رياضية.

انبهر المبعوثون الأجانب عندما اكتشفوا أن المغاربة يمارسون رياضة القنص، وتحظى في أوساط أعيانهم وفلاحيهم أيضا بشعبية كبيرة. السلطان نفسه، كان ممارسا لهواية القنص، وينظم جولات يحضرها وزراؤه وضيوفه.

أشهر قنصل بريطاني عاش في المغرب، هو السيد «درموند هاي». وهذا الأخير مثل بلاده لدى السلطان المولى الحسن الأول، وقضى في المغرب ثلاثين سنة، تعرف خلالها على المغاربة عن قرب. وتعرف على قدرات المغاربة في رياضة القنص، رغم أن البلاد في عهد المولى الحسن الأول لم تكن تتوفر على أي ناد لاحتواء هذه الرياضة، أو تطويرها.. لكنها كانت الرياضة المغربية المفضلة، بل وأصبحت أيضا رياضة ملكية منذ 1672 مع المولى إسماعيل..

أسس البريطانيون أثناء فترة «درموند هاي» أول ناد للقنص في المغرب، وجلبوا المعدات البريطانية المتطورة، لكنهم اكتشفوا أنهم لا يزالون في حاجة إلى «الحياحة» المغاربة، لصيد «الخنزير البري» نواحي طنجة، خصوصا في منطقة «هوارة»، ونواحي وادي «تاهضارت». ويشهد عدد من الأجانب، بينهم الصحافي «والتر هاريس»، مراسل «التايمز» البريطانية في المغرب، أنه سنة 1892 كان هناك ناد للقنص في طنجة، أطلقه بريطاني كان يملك فندق «كونتينونتال» الشهير. وضع هذا الأخير برنامج قنص لصالح السياح والمقيمين الأجانب في طنجة الدولية، واستثمر في كراء معدات القنص، من خيول وخيام وبنادق ومعدات مثل الألبسة الشتوية والواقيات، ونظم جولات صيد في المحيط الغابوي لطنجة الدولية، وكان هذا الفندق يوظف شبانا محليين لمرافقة الأجانب أثناء جولات القنص البري، أو ما يعرفون في المغرب بـ«الحياحة».. وكان هذا النادي الأول من نوعه في المغرب، ويرجح أن يكون قد تأسس فعليا قبل 1892.

أما في ما يخص الطيران، فقد أكدت الكاتبة والمغامرة البريطانية «آميليا بيريير»، التي أصدرت كتابها «A winter in Morocco» سنة 1873، وجود ناد للطيران في طنجة خلال ذلك التاريخ.

إذ كانت الرحلات تُنظم ما بين لندن وطنجة، باستعمال الطائرات الصغيرة، ويسهر النادي على تنظيم استقبال لتلك الطائرات، التي تقل عادة أثرياء بريطانيين يمتلكون الطائرات الصغيرة. وتمر رحلتهم عبر أوروبا، حيث يتوقفون للتزود بالوقود، قبل أن يواصلوا رحلتهم صوب طنجة الدولية، ويجدوا في استقبالهم حفلا خاصا يقيمه النادي دوريا -مرة في الشهر- وكانت الرحلة مسابقة يتوج فيها الفائزون، ويقدم النادي خدمات صيانة الطائرات وتجهيزها لرحلة العودة إلى بريطانيا. ويدفع المنخرطون رسوم انخراط سنوية لتمويل هذا النشاط، الذي كان يحظى بمتابعة كبيرة. إذ كان فضاء الغابة الدبلوماسية، يستعمل مُدرجا لهبوط الطائرات الخفيفة -طائرات من الصنف الصغير المخصص لاثنين فقط من الركاب- ويحتشد سكان طنجة من مختلف الأعمار والفئات، لمتابعة عملية هبوط الطائرات تواليا فوق العشب.

 

«ليسي بويميرو».. المؤسسة التي عوضت الأندية سنة 1934

هي مؤسسة تعليمية ثانوية منسية، كان الفرنسيون قد أقاموها في مدينة مكناس، خلال عشرينيات القرن الماضي، وتمنح شهادة البكالوريا للخريجين من أبناء الموظفين والمواطنين الفرنسيين المُعمرين المقيمين في المغرب.

وكان لها دور كبير في صناعة مظاهر الحياة المغربية العصرية. كان يُوجه إليها النجباء المغاربة، بغض النظر عن خلفيتهم العائلية أو وضعهم الاجتماعي، شريطة أن يكونوا قد حصلوا على شهادة ابتدائية من مدرسة فرنسية في المغرب..  وهذا الشرط الأخير كان يتوفر في خريجي «المدرسة البربرية الفرنسية» الشهيرة في أزرو، والتي تحول اسمها لاحقا إلى «كوليج أزرو». فقد كان الحاصلون على الشهادة الابتدائية من هذه المؤسسة، مخولين للالتحاق بدون مشاكل، بثانوية «بويميرو» الفرنسية في مدينة مكناس، حيث يدرسون المرحلة الثانوية ويستعدون للحصول على شهادة البكالوريا.

وبحكم أن هؤلاء التلاميذ، قد تعرفوا خلال سنوات دراستهم الابتدائية على الثقافة الفرنسية، فقد كانوا على دراية بأهمية الرياضات وشعبيتها بين الفرنسيين، وكان بعضهم بارعين فيها، بل ومرشحين للاحتراف، خصوصا في رياضة التنس، بل كانوا أيضا بارعين في رياضة «التزلج على الجليد»، كما سوف نرى في هذا الملف.

لم يكن ممكنا للمغاربة ممارسة رياضة مماثلة، بحكم غياب أي ناد لهذه الرياضة في المغرب. وحتى إن وُجد ناد خاص بها، فلن يكون دخوله مسموحا للتلاميذ.. فظاهرة الأندية في المغرب مع بداية القرن العشرين، كانت منتشرة فعلا، لكن في إطار محدود، وتقتصر العضوية فيها على الأثرياء والقناصلة وكبار الشخصيات.

بالعودة إلى «ليسي بويميرو»، فإن فريق كرة القدم التابع للمؤسسة سنة 1934، عرف تأسيس فريق متألق ضم لاعبين مغاربة، كانوا يتابعون دراستهم للحصول على شهادة البكالوريا الفرنسية، وحققوا نتائج مبهرة وتفوقوا على فرق فرنسية تتكون من تلاميذ احترفوا لعبة كرة القدم طيلة فترة الدراسة في المدارس الفرنسية بالمغرب.

بالمقابل، كانت هناك أندية فرنسية وإسبانية احترافية في كرة القدم، أسسها معمرون أجانب في المغرب، وضمت لاعبين محترفين جاؤوا من أوروبا لممارسة الكرة في المغرب، ونافسهم المغاربة في هذه اللعبة، منذ عشرينيات القرن الماضي، إلى أن بدأ المغرب يعرف إنشاء فرق مغربية.

كانت المؤسسة الثانوية في مكناس، وراء إطلاق منافسات قوية في لعبة «الكرة الحديدية»، رغم أنه لم يكن هناك أي ناد احترافي لهذه الرياضة في المدينة، لكن المؤسسة سدت الفراغ، وأطلقت منافسات شارك فيها التلاميذ، بينهم مغاربة بطبيعة الحال.. هذا الجيل الأول من المغاربة الذين مارسوا رياضات «النخبة»، رغم عدم وجود أندية مغربية، وُجهوا بعد البكالوريا إلى الجيش الفرنسي، ومنهم من عادوا إلى المغرب والتحقوا بالإدارة الفرنسية، وكانوا موضع انتقاد من طرف الوطنيين المغاربة.

بسبب ندرة الأرشيف، يبقى من الصعب تتبع مآل مبادرات من هذا النوع، فباستثناء ما كانت تنشره الصحافة الفرنسية الصادرة في المغرب بخصوص هذه الأنشطة، يبقى تعقب مصير المؤسسات والأندية الأولى التي أنشئت في المغرب، أمرا شبه مستحيل.

 

نادي اليخوت.. هواية صارت رياضة منظمة منذ 1925 بطنجة الدولية

عندما تأسس نادي اليخوت الملكي، والذي كان يوصف في الصحافة الدولية بـ«الأسطوري»، في طنجة سنة 1925، لم يكن تأسيسه انطلاقة فعلية لرياضة اليخوت.. فقد سبق لشخصيات أجنبية أن رعت ما يشبه «ناديا» صغيرا لتنظيم مسابقات بالقوارب الشراعية، ثم باليخوت.. وطبعا كان ممارسو هذه الرياضة في المغرب من أثرياء بريطانيا وفرنسا وإسبانيا، وإيطاليا بدرجة أقل.. أما الألمان، فلم يكونوا يمارسون هذه الرياضة مع البريطانيين، وفضلوا الابتعاد وخلق «مجتمع» مصغر خاص بهم في طنجة الدولية.

وما يؤكد أن سباق اليخوت، أو جولات اليخوت، كانت فعليا تنظم في طنجة الدولية قبل سنة 1925، ما كتبه القنصل الأمريكي في طنجة الدولية سنة 1907، السيد جورج إدموند هولت، والذي كتب مذكراته سنة 1914، وأصدرها في نيويورك بعنوان: «Morocco the Piquant»، ناقلا مشاهد اعتبرها «صادمة» و«غريبة» للقارئ الأمريكي، بخصوص تجربته المغربية.

يقول هذا القنصل في مذكراته، مؤكدا وجود أنشطة سباقات أو جولات باليخوت في محيط مدينة طنجة الدولية، ما بين 1907 و1909:

«سبق لي أن أبحرتُ على طول الساحل في واحدة من المناسبات السابقة، ورأيتُ بقايا يخت إنجليزي صغير فوق الصخور. كان اليخت قد غرق، بسبب كثافة الضباب.

لم يتبق من القارب أي شيء، سوى الهيكل. أما تجهيزاته الداخلية، المحرك، والمراوح، قُمرة القيادة، وكل ما يجعل من اليخت يختا، فقد تم تحميله بعيدا على أكتاف القراصنة من سكان الأنجرة.

وعندما انفصل الهيكل عن اليخت وانجرف إلى الشاطئ، انضم بدوره إلى حيث نُقلت المُعدات.

في حالة هذا اليخت، تمكن الطاقم والمالك من الهروب على متن قوارب صغيرة، ووصلوا على متنها إلى طنجة.

لكن في بعض الأحيان، لا يحالف الحظ دائما، طاقم إحدى السفن الشراعية الصغيرة، أو قوارب الصيد.

لم يمض وقت طويل، على عملية نهب اليخت الإنجليزي، حتى اصطدمت سفينة شراعية إسبانية مع الصخور، وكان على متنها أربعة رجال. لم تكن السفينة كبيرة الحجم، وكان من الممكن لطاقمها أن ينقذوها، لولا أنهم لم يتعرضوا للمضايقات قبل الاصطدام. بمجرد أن لمحت مجموعة من المغاربة تلك السفينة من اليابسة، حتى بادروا إلى إطلاق النار عليها ببنادقهم، وكان الإسبان على متنها. وقبل أن يتمكن البحارة الأربعة من مغادرة السفينة والخروج من نطاق إطلاق النار، قُتل رجل منهم، وأصيب اثنان آخران بجروح خطيرة».

تأسيس نادي اليخوت الملكي، بحضور دبلوماسيين من جنسيات مختلفة سنة 1925، لم يكن يعني نهاية الحوادث البحرية المؤسفة. إذ رغم نهاية عهد سطوة القبائل على السواحل في منطقة الشمال، إلا أن الصحافة الدولية سجلت في نهاية عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وحتى خلال فترة الحرب العالمية الثانية ما بين 1939 و1944، حوادث اصطدام بين اليخوت والقوارب الشراعية، وحوادث أخرى سببها كثافة الضباب والاصطدام بالصخور، راح ضحيتها «مغامرون» من مختلف الجنسيات، يجمع بينهم الانتماء لنادي اليخوت في طنجة. فقد كان يشترط في ملاك اليخوت التوفر على عضوية النادي، للسماح لهم بالرسو في مرسى طنجة، والإبحار منها أيضا.

 

 

نادي التنس المنسي.. أسسه وزير مغربي سابق قبل 125 سنة

«المهدي المنبهي يلعب التنس بشكل ممتاز، وفي منزله الفخم في طنجة، يوجد ملعب تتردد عليه بانتظام نخبة أفراد المجتمع الطنجوي – وأحيانا يتردد عليه أشخاص آخرون.

حفلات الشاي التي يقيمها في منزله في فترة ما بعد الظهر، سبب لا يُستهان به لحصد الإعجاب – وعلى الرغم من أن هذا الفارس الذي يمثل كلا من القديس مايكل، والقديس جورج، تجري في عروقه ذرات من دم العِرق الأسود، إلا أنه من الأمور المعتادة بين الدبلوماسيين أن يتملقوا للمنبهي ويتقربوا منه. جميعهم، وهم ثلاثون!».

الكلام هنا للقنصل الأمريكي «جورج إدموند هولت»، والذي كان شاهدا على سهرات الشخصيات الأجنبية في المغرب، ما بين 1907 و1909.. ويؤكد فعلا وجود ملعب للتنس في مدينة طنجة منذ تلك التاريخ، تعود ملكيته إلى الوزير السابق المهدي المنبهي، الذي شغل منصب وزير الحرب في أولى حكومات المولى عبد العزيز، الذي حكم المغرب ما بين سنتي 1894 و1908.

هذا الوزير الذي هرب من العاصمة فاس، خوفا على حياته، بعد إقالته من الوزارة ما بين 1901 و1903، استقر في طنجة، واستغل صداقته عندما كان وزيرا مع دبلوماسيي بريطانيا في المغرب، ليستقر في طنجة الدولية، ويجعل قصره هناك «ناديا» مفتوحا في وجه الشخصيات الأجنبية، خصوصا الإنجليز الذين كان يفضلهم كثيرا على الفرنسيين.

تقول بعض المصادر الدولية إن أول ناد للتنس في المغرب تأسس في مدينة وجدة سنة 1907، من طرف شخصيات فرنسية كانت تقيم في الجزائر، وانتقلوا بهدوء إلى وجدة، باعتبارها مدينة حدودية، وقرروا إنشاء ملعب لممارسة لعبة التنس. ثم تأسس ناد في الدار البيضاء خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وبرزت نواد صغيرة لممارسة رياضة التنس في مدن أخرى، مثل نادي الجديدة الذي تأسس سنة 1927.

تقول بعض «الشائعات» إن بعض أثرياء المغرب، سيما في مدينة فاس، ثم في الدار البيضاء، بنوا ملاعب للتنس، لإثارة إعجاب ضيوفهم الأجانب من الفرنسيين.. لكن الحقيقة أن الوزير المهدي المنبهي، بشهادة دبلوماسيين أجانب وصحافيين أشهرهم «والتر هاريس»، مراسل «التايمز»، أكدوا فعلا أن المهدي المنبهي عندما «تقاعد» في طنجة الدولية، أنشأ ملعبا للتنس، ووضعه رهن إشارة ضيوفه الدبلوماسيين والموظفين الأجانب في طنجة الدولية، خصوصا أفراد البعثة القنصلية البريطانية في المدينة. وقد استعان بأصدقائه الإنجليز لإقامة الملعب، وخصص مساحة شاسعة من أملاكه في الغابة الدبلوماسية، لكي يقام ملعب التنس فوقها.. وهكذا فإن هذا النادي الذي أسسه الوزير المهدي المنبهي، يمكن اعتباره أول ناد لممارسة لعبة التنس في المغرب.

كما أن الوزير بادر إلى إنشاء ملعب للغولف، يمكن اعتباره الأول من نوعه في إفريقيا. لكن الباشا الكلاوي في مراكش، انتزع منه شرف إنعاش لعبة الغولف في المغرب، وأصبح ملعب «الكلاوي» في مراكش حديث الشخصيات الأجنبية ما بين ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.

رياضتا الغولف والتنس كانتا «توأما» يترجم مقدار الثروة والنفوذ. وبما أن نجم المهدي المنبهي قد انطفأ بعد 1912، عندما تأكد له أن البريطانيين خسروا فعلا معركة الظفر باستعمار المغرب، تحول إلى شخص منعزل في الظل، وبرز نجم عائلة «كلاوة» في مراكش، باعتبار الأخ الأكبر المدني الكلاوي أبرز حليف للجيش الفرنسي في الأطلس، وصهر السلطان المولى عبد الحفيظ. لكن المكانة السياسية لكلاوة لم تنتعش، إلا بعد سنة 1918 مع التهامي الكلاوي، عندما خلف أخاه المتوفي على رأس العائلة. وعندها فقط، فطن الباشا الشاب إلى أن أقصر الطرق لتوطيد العلاقات مع الفرنسيين، مشاركتهم أجواء الترويح عن أنفسهم، فقرر إنشاء ملعب للغولف، ونافسهم في الأناقة واللباس واقتناء التحف والآلات الموسيقية، واستضافة مشاهير المسرح والسينما.. فقد وجه دعوة إلى «شارلي شابلان»، عندما كان نجم الشاشة الأول في العالم، وأبهره بجولة في ملعب الغولف الخاص به في مراكش.

 

 

الباشا الكلاوي أول من امتلك ملعبا لـ«الكولف» وأبهر به ضيوفه المشاهير

الرائج أن أول ملعب للغولف في المغرب، كان قد تأسس على يد بريطانيين في طنجة الدولية سنة 1914، بمساعدة من الوزير المهدي المنبهي كما أسلفنا الذكر، إلا أن أول ملعب للغولف في المغرب، بالمعايير الدولية، كان في ملكية الباشا الكلاوي..

هذا الأخير، أنشأ ملعبه الخاص برياضة الغولف، بعد أن بدأ يستضيف في قصره مسؤولين وأثرياء فرنسيين. وهؤلاء كانوا يمارسون رياضة الغولف في فرنسا، فقرر الباشا – بعد أول زيارة له إلى فرنسا بداية الثلاثينيات من القرن الماضي- أن يُبهرهم ويصنع لنفسه ملعبا خاصا بممارسة رياضة الغولف، بالمعايير الفرنسية.

أحد الأجانب الذين أكدوا افتتان الباشا الكلاوي بالثقافة الفرنسية وإلمامه بقواعد لعبة الغولف، بل ومعرفته أيضا بنجوم اللعبة في فرنسا، هو الكاتب البريطاني برنارد نيومان. فقد كتب هذا الأخير عن رحلته إلى المغرب سنة 1952، عندما التقى بالابن الأكبر للباشا، عبد الصادق الكلاوي، وتعرف من خلاله على الباشا عن قرب. يقول بخصوص ثقافة الباشا وتعلمه اللغة الفرنسية، وانبهار ضيوفه عندما يعلمون أنه يمارس لعبة الغولف و«يتذوق» الفنون الأوروبية:

«في إحدى المناسبات كانت هناك سيدة زائرة، لم تكن تعرف أنه يفهم اللغة الفرنسية. قالت لأحد المرافقين:

-«يا لها من حسرة، أن ترى خاتما جميلا كهذا، في أصبع قرد عجوز».

لم ينطق الكلاوي بكلمة، إلى أن كانت السيدة بصدد المغادرة، ثم نزع الخاتم من أصبعه، وقال:

-«سيدتي، اسمحي لقرد عجوز أن يُهديك خاتما جميلا».

صارت «القرد العجوز» التعبير المفضل عند خصومه، لكنهم كانوا ينطقونها بنبرة خشية أو خوف.

بعض هؤلاء الخصوم كانوا ليندهشوا عند رؤية الكلاوي الذي التقيتُه، وهو يبدو فرحا ومنشرحا عندما يمازحني أو أمازحه. أو وهو يواسيني برقة عندما أخبرته أن لدي ثلاث بنات وليس لدي أبناء ذكور. أو عند مناقشة شخصيات لعبة الغولف. لقد أنشأ ملعب الغولف الخاص به بالقرب من مراكش. أو عندما نتناظر حول الجوانب الفكرية الخاصة بكل من باريس ولندن».

لكن هل يمكن القول إن الباشا الكلاوي كان أول من أسس ناديا للغولف في المغرب؟ هناك إشارات في الأرشيف الفرنسي المتعلق بالحماية تؤكد أن أولى إشارات تنظيم هذه الرياضة في المغرب حدثت في الدار البيضاء خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وليس في مراكش ولا في طنجة الدولية. وهذا يعني أن الدار البيضاء أثناء الحماية انفردت باستضافة بطولات منظمة في رياضة الغولف، استقطبت مشاهير اللعبة في أوروبا، لكي يجروا منافسات في قلب «كازا بلانكا»، قبل تسعين سنة من اليوم.

 

نادي التزلج.. تجربة «أقبرت» في أزرو خلال العشرينيات

عندما تأسست «كوليج» أزرو سنة 1927، كان الهدف منها توجيه أبناء منطقة الأطلس نحو تعليم فرنسي عصري، وتخرجت منها أفواج من الأطر المغربية التي وُجهت نحو الجيش والإدارة الفرنسية في المغرب. وأبرز من درسوا في هذه المدرسة الثانوية شخصيات مثل الجنرال أوفقير، والكولونيل المذبوح، والمحجوبي أحرضان، والكولونيل اعبابو، وغيرهم من الشخصيات المغربية التي لعبت دورا كبيرا في المشهد السياسي المغربي خلال السنوات الأولى للاستقلال.

المشترك بين هؤلاء جميعا، أنهم لم يكونوا يتقنون اللغة العربية، بعد أن استفادوا من تعليم فرنسي عصري.

خلف أسوار كوليج «أزرو» استفاد أبناء المغاربة -أغلبهم كانوا من أبناء الأعيان الموالين لفرنسا وتخرجوا ليشتغلوا مترجمين في مكتب الحاكم، أو المراقب العسكري الفرنسي، حسب المناطق- من تعليم عصري، ولُقنوا قواعد الحياة الفرنسية، بدءا من عادات الأكل والشرب وصولا إلى الهوايات.

وهكذا تأسس أول ناد للتزلج، خلال فصل الشتاء. إذ كانت المؤسسة التي يشرف عليها الفرنسيون تنظم فعليا منافسات احترافية في التزلج في محيط مدينة إفران، ويتم إنشاء ساحة لممارسة اللعبة، ويتنافس أبناء الفرنسيين مع تلاميذ المؤسسة، من أبناء المغاربة، للفوز بلقب السنة في رياضة التزلج.

كانت المؤسسة تتكلف بتوفير معدات التزلج، وكان أستاذ التربية البدنية، يشرف على تدريب المتبارين وتلقينهم أصول اللعبة، وتجهيزهم للمنافسات.

وعندما يحل وقت المباريات، يُنقل التلاميذ إلى المنطقة الثلجية التي يتم اختيارها وتجهيزها بعناية نواحي أزرو، ويعد مخيم لإيوائهم طيلة أيام المنافسات، ويُجبرون على الالتزام بنظام تغذية صارم، وتبدأ المنافسات في لعبة التزلج، بإقامة مسابقات للتزلج على طول مضمار ثلجي، ثم التزلج فوق حلبة أمام أنظار لجنة تحكيم مختصة لاختيار أمهر المتزلجين.

في ثلاثينيات القرن الماضي عرفت «كوليج أزرو» فترة ذهبية في إعداد تلاميذ تحولوا إلى أبطال مغاربة في هذه الرياضة، لكنهم بعد التخرج انتهوا في الجيش النظامي الفرنسي، وشاركوا في الحرب العالمية الثانية.

يشير الأرشيف الفرنسي إلى أن أبناء المغاربة تألقوا في هذه الرياضة، لكن المراقب العسكري كان صارما في اختيار الأبطال، بحكم أنه كان يحضر شخصيا في المباريات النهائية، ويتابع عن كثب أطوار المنافسات.. وكغيره من الفرنسيين الرسميين المتعصبين، فقد كان يتضايق عندما يعلم أن أبناء المغاربة قد تفوقوا على أبناء الفرنسيين في هذه الرياضة.

آخر موسم لمنافسات التزلج في أزرو، نُظم سنة 1952، واهتمت به الصحافة الفرنسية الصادرة في المغرب، حيث كانت الصحف تتابع يوميات المنافسات أولا بأول.. ثم خبا ألق هذه الرياضة بعد ذلك، ولا بد أن الأحداث السياسية التي عرفها المغرب قد لعبت دورا كبيرا في «تجميد» أنشطة كثيرة، من بينها هذه المنافسات التي كانت دائما تخلق حزازات بين الأسر الفرنسية والحشود المغربية، التي لم تكن تملك سوى أن تدعم أبناء البلد، في المنافسات الرياضية.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى