محمد بن عبد الجليل.. محمد الخامس يرفض مقابلته والحسن الثاني يعرض عليه منصبا ويحذره
أولاد خدام الدولة.. أبناء لا يعيشون في جلابيب آبائهم

ليس عمر بن عبد الجليل مجرد سياسي مغربي، بل هو من زعماء الحركة الوطنية المغربية، ومن الموقعين على وثيقة الاستقلال. شغل منصب وزير الفلاحة في حكومة البكاي بن مبارك الثانية بين 1956 – 1958، ووزير التربية الوطنية سنة 1958 في حكومة أحمد بلافريج.
حسن البصري:
وقع عليه الاختيار لينضم إلى أبناء النخبة الذين شملتهم لائحة المستفيدين من التدريس في الخارج، لم يكن الوحيد، بل شارك إلى جانب عمر بنعبد الجليل أخوه محمد، ومعهم طلبة آخرون مثل الزعيم محمد بلحسن الوزاني، في إطار بعثة دراسية إلى فرنسا، قصد استكمال مشوار المعرفة العالي.
كان من دعاة التكتل السياسي، وفي 9 يناير 1937 وجه عمر بن عبد الجليل رسالة، باسم كتلة العمل الوطني إلى عبد السلام بن جلون، الكاتب العام لحزب الإصلاح الوطني، أي بعد أقل من شهر من تأسيس الحزب، لتوحيد صفوف الحركة الوطنية في كل من منطقتي النفود الإسبانية والفرنسية، وفق أسس متفق عليها وهي: تحرير المغرب، الوحدة المغربية، سيادة السلطان على التراب المغربي، حماية العروبة والإسلام.
من المفارقات الغريبة في حياة عمر بن عبد الجليل، أن السلطات الفرنسية عرضت عليه سنة 1934 تولي منصب وكيل مدير عام للشؤون الفلاحية فرفض، ليصبح في ثاني حكومة مغربية وزيرا للفلاحة.
كان مفاوضا جيدا للحماية الفرنسية، ومرافعاته، باسم كتلة العمل الوطني، أثمرت عن العديد من المكاسب السياسية للمغرب، بل إنه رافق محمد بن الحسن الوزاني إلى برشلونة، حيث قادا مفاوضات مع السلطات الإسبانية ببرشلونة. ومن أجل مواقفه، تم نفيه إلى صحراء الرشيدية، رفقة أقطاب الكتلة.
بعد حصول المغرب على الاستقلال، شغل عمر بنعبد الجليل خطة وزير في الحكومتين الأولى والثانية. وتسبب الصراع داخل الحركة الوطنية، في تقديم الوزراء الاستقلاليين لاستقالتهم. وتكلف عمر بنعبد الجليل بتقديم رسالة الاستقالة إلى الملك محمد الخامس، والتي وقع عليها قياديو حزب الاستقلال.
اختراق ديني لعائلة بن عبد الجيل
لم يكن عمر يعتقد أن إصراره على جعل الإسلام أحد أبرز أسس صرح الكتلة الوطنية، سيتعرض للاختراق، وأن لقب «الحاج» الذي ارتبط به سيتعرض للخدش، بسبب مواقف وقرارات شقيقه الذي ولد في مدينة فاس، يوم 17 أبريل سنة 1904، وتردد على جامع القرويين.
ولم يكن يظن يوما أن شقيقه محمد، الذي عاش في كنفه وتعهده بالدراسة، سيغير جلده وعقيدته وولاءه، ربما هو أيضا لم يكن يعتقد أنه بعد حصوله على شهادة البكالوريا سنة 1925 ستنقلب حياته رأسا على عقب، وسيصبح أشهر راهب في الفاتيكان، كما لم يعتقد يوما أن رحيله إلى فرنسا، سيشكل نقطة تحول ليس في الجانب الدراسي، بل في الجانب العقائدي أيضا.
حين اعتنق محمد بن عبد الجليل القيادي الاستقلالي الديانة المسيحية، تحول اسمه من محمد بن عبد الجليل إلى جون محمد بن عبد الجليل، بل ونال صفة راهب كاثوليكي مغربي.
لكن كيف اعتنق ديانة المسيحيين؟ يبدو أن الإرهاصات الأولى للتنصير، بدأت من المغرب حين احتك بعدد كبير من الفرنسيين، في ثانوية ديكارت التي درس فيها. ومن أسباب تحوله الجذري التحاقه بالديار الفرنسية وهو شاب، وتأثير المراسلات التي كانت بينه وبين المستشرق لويس ماسينيون على ذهنه، ناهيك عن انشغال عمر راعي العائلة بالهم السياسي.
كانت نقطة التحول في حياة محمد هي علاقته بالمستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، الذي كان مدرسا في المغرب، فنشأت بين التلميذ ومعلمه علاقة إعجاب فاقت كل الحدود، خاصة حين ظل حوار الأديان حاضرا في جلساتهما خارج أسوار المؤسسة، وهي العلاقة التي زادت متانة حين انتقل محمد إلى باريس لاستكمال دراسته الجامعية سنة 1925، حيث انكب على دراسة الفلسفة.
لويس ماسينيون يفوق محمد سنا بحوالي عشرين عاما، وهو باحث كاثوليكي فرنسي متخصص في الإسلام، ورائد في التفاهم المتبادل بين الكاثوليك والمسلمين. وهو شخصية مؤثرة في القرن العشرين في ما يتعلق بعلاقة الكنيسة الكاثوليكية بالإسلام، لهذا لعب دورا في قبول الإسلام كعقيدة إبراهيمية بين الكاثوليك. شغل عدة مناصب مهمة كمستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال إفريقيا، وكان الراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر وفي المغرب لاحقا.
عائلة بن عبد الجليل تقيم حفل تأبين لابنها وهو حي
لم يشرب محمد بن عبد الجليل من كأس السياسة، بالرغم من الاجتماعات التي حضرها في بيت العائلة، لكنه يعد ظاهرة سوسيولوجية بكل المقاييس، فالفتى الذي نشأ في وسط عائلي محافظ ودرس في القرويين وسافر إلى الديار المقدسة رفقة عمر والعائلة، وحفظ القرآن الكريم منذ صغر سنه، سرعان ما غير جلده واستبدل المسيحية بدينه الإسلامي، التي اعتنقها وتسلق فيها سلم الوجاهة الدينية إلى أن حصل على لقب «كاردينال».
حسب رواية الباحث أحمد حموش، فإن الطالب المغربي اعتنق المسيحية واستبدل «جون» باسم محمد، وقطع علاقته بالمغرب، حينها قامت عائلته في المغرب بإقامة جنازة رمزية سنة 1927، إذ اعتبرته في حكم الموتى وأعلنت قطع علاقاتها به، وهو ما جعل عائلته تقيم عزاءه، رغم أنه على قيد الحياة.
خلال زيارة السلطان محمد الخامس إلى باريس سنة 1930، رفض ملتمسا باستقبال هذا الطالب المثير للجدل، بالرغم من تردد مجموعة من الطلبة على مقر إقامته، بل إن عمر القيادي الاستقلالي قام بمحاولات لإعادة «جون» إلى هويته المغربية، لكن دون جدوى.
في سنة 1958، كان للطالب النصراني لقاء خاص مع ولي العهد آنذاك الحسن الثاني، الذي سيصبح بعدها بثلاث سنوات ملكا للمغرب. هذا اللقاء لا يعرف حتى المقربون من «الأب» محمد بن عبد الجليل فحواه، لكن التكهنات كانت حول محاولة السلطات المغربية حثه على الرجوع إلى المغرب وإعلان توبته واعتناقه للإسلام، مقابل مناصب حكومية، لكن تيار العلاقات انتهى كما بدأ.
حين فشلت المحاولة، طلب ولي العهد من «جون» التوقف عن استدراج الطلبة المغاربة إلى الديانة المسيحية، والكف عن جهود استقطاب العرب المقيمين في فرنسا، مستغلا خصاصهم المالي وهشاشة عقيدة بعضهم.
«جون» محمد بن عبد الجليل يدفن في مقبرة النصارى
توغل «جون» في الحياة الدينية، وأصبحت له مكانة اعتبارية، بل وأصبح صديقا للمارشال ليوطي، حتى بلغ مركزه الكبير الذي حصل عليه في الفاتيكان.
ظل «الأب جون» محمد بن عبد الجليل لسنوات طويلة يعاني من مرض سرطان اللسان، وقد كان في كتاباته يشتكي لأصدقائه شدة الألم، ويكتب باللغة العربية: الحمد لله على كل حال.
خلف الرجل ضجة حتى بعد وفاته عام 1979، حين تقرر دفنه بمقابر النصارى بصفته «كاردينالا».





