حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأي

محنة شيشا

حسن البصري

يتنقل اللاعب الدولي السابق العربي شيشا بين دروب سلا عبر كرسي متحرك، بعد أن فقد قدرة التحرك. في حركاته وسكناته يلعن الكرة المحشوة بالهواء الفاسد التي حولته من نجم إلى اسم ممنوع من الصرف.
في بيته أثاث مبعثر، وأسمال رثة وأوان صدئة، بينما رسمت الرطوبة على الحيطان لوحة القهر. في هذا المكان المقفر يعيش الرجل، الذي صنع يوما فرحة الفرنسيين والمغاربة، فأصبح اليوم فرجة في مواقع التواصل الاجتماعي.
شيشا لا يحتاج للأمانة زينة الحياة الدنيا، فله أبناء من زواج مختلط يعيشون الرفاه في فرنسا، وله تقاعد مريح من الحكومة الفرنسية وله «مأذونية» يقتات منها عند الحاجة، وله من مؤسسة محمد السادس للأبطال الرياضيين أكثر من التفاتة، حين اشتد به المرض ورفضت ساقاه تحمل لاعب تنبعث منه شرارة الغضب ضد كل كائن رياضي. شيشا أحوج، من أي وقت مضى، للرعاية النفسية، إلى سماع تصفيقات حتى ولو في استوديو تحليلي.
في إحدى المباريات الاستعراضية التي شارك فيها لاعبون دوليون سابقون، لاحظ المدرب عبد الله السطاتي تقاسيم الحزن على وجه صديقه شيشا، فاقترب منه وناوله مبلغا ماليا وهو يهمس في أذنيه: «استعن بهذا المبلغ على عاديات الزمن». لكن العربي انتفض بشكل هستيري ولعن الرياضة والرياضيين وسحب من حقيبته وثائق تثبت وجوده في منطقة الستر والعفاف والغنى عن الناس، قبل أن يتدخل لاعبون سابقون ويعيدوا الأوراق الزرقاء إلى صاحبها الذي كان غارقا في دوامة الخجل.
شيشا، الذي احترف في باريس ومارسيليا، ودرب أحد عشر فريقا في المغرب، يحتاج لمن ينتشله من وضعيته ويرد له ما تبقى من اعتبار معنوي، وينهي حالة الفوضى التي يعيشها في مسكن لا يتوفر على الحد الأدنى من شروط الكرامة.
شيشا آخر انتهى به المطاف في دار الخير لتيط مليل، ضواحي الدار البيضاء، فقد قدر له أن يصنع فرحة الوداديين والعساكر، ويقضي وقته المستقطع من الحياة حارسا للسيارات في ميناء الدار البيضاء، ويختم المسار بإقامة في دار المسنين، هناك مات وهو يتأبط صورا بالأبيض والأسود فقدت ملامحها حتى استعصى عليه إثبات وجوده بين اللاعبين.
وفي أروقة دار الرعاية الاجتماعية للمسنين بأكادير، عاش شيشا هواري، ظل يتجول عبر عربة مخصصة لذلك، لعدم قدرته على المشي، ويتذكر أيام الكرة في سوس، متمسكا بعشقه للون الأصفر على رغم أنه بلغ من الكبر عتيا. ولأن الخرف يزوره كل يوم مرة، فإنه لا يتردد في الحديث عن أهداف سجلها للمنتخب المغربي في مونديال لم يشارك فيه المغاربة أصلا.
في حجرة رمادية الطلاء، وعلى سرير حديدي يعزف أنغاما مع كل حركة، يقضي الرجل ما تبقى له في عداد الزمن من أيام، في تقليب أوراق التاريخ والحديث عن ملاحم كروية وعن مراوغاته وتسديداته، ومواقفه وإصراره على مقارعة الجميع، حتى يخال للمتحلقين حوله أنهم أمام الكابتن ماجد وقد اعتزل.
هكذا يعيش شيشا حيث ينقل بين الحين والآخر لمحات من حياته السابقة، ويتعرض لشتى قضايا نهاية العمر، بل وقد تنتابه نوبة فوبيا فيكشف عن وصيته وتصوره لجنازته وحفل بيع قميصه في المزاد العلني.
عاش اللاعب الدولي السابق في لعبة «الريكبي» محمد مرحوم أوضاعا أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها مأساوية، إذ انتهى به المطاف، بعد سنوات من المجد الرياضي وحصد الألقاب، ممددا فوق أحد أَسِرة دار المسنين عين الشق بمدينة الدار البيضاء. لكن، بفضل عزيمة زميل إذاعي، انتفض مجتمع الكرة ضد الوضع، وانتشل مرحوم من فضاء المعوزين وأعاده إلى عالم الكرة كإداري في الجامعة.
شيشا الوحيد الذي هرب من القهر، هو شيشا الوداد والمنتخب، الذي حكم عليه بالإعدام الكروي لمجرد تضييع ضربة جزاء في مباراة دولية، تمكن من الاحتراف في سويسرا.. هناك ضبط ساعته على حلم آخر فنجا من السكتة الكروية.
لا أحد من اللاعبين السابقين اختار طوعا فتح النوافذ ليتنفس الجيل الحالي، لا أحد تجرأ على كتابة سيرته الذاتية إلا من رحم ربي، فالسيرة تحكى في المقاهي وفي المواكب الجنائزية وحفلات التأبين.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى