حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

مشاكل التلفزيون ونجاحاته قبل 63 عاما

ذكريات من زمن بدايات التلفزة المغربية

يونس جنوحي

 

مشاكل التلفزة المغربية تتجدد في كل موسم رمضاني. بين استنكار للإنتاجات وإثارة لمشاكل الإنتاج التلفزي، و«عالم» الإنتاج الموغل في التعقيدات.. يرقد تاريخ كامل من مسار التلفزة المغربية وحضورها في الحياة العامة.

عيد العرش لسنة 1962، والذي تزامن مع يوم 3 مارس، كان أول ذكرى يتم إحياؤها في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.. ولاحقا ارتبط الثالث من مارس في ذاكرة المغاربة بعيد العرش، دون اهتمام بأن المناسبة كانت ميلادا للتلفزة المغربية أيضا. إذ إن أول بث تلفزي، أطلق في عيد العرش الأول الذي احتفى فيه المغاربة بجلوس الحسن الثاني على العرش..

منذ تلك اللحظة التاريخية الفارقة، والبث التلفزي متواصل، لكنه مر بكثير من فترات التشويش، والوضوح أيضا!

 

+++++++++++++++++++++++++++++++

 

 

هل يوجد لدينا أرشيف للتلفزة؟

أولى نشرات الأخبار، وأولى المسرحيات والمسلسلات والتمثيليات المغربية التي جرى نقلها من الإذاعة، بعد أن أدمنها المغاربة صوتا، لا توجد نسخ منها، باعتراف قدماء التلفزيون وشهود المرحلة.. من يتحمل مسؤولية ضياع هذا الأرشيف؟

هناك مسألة تقنية لا يجب إغفالها، تتمثل في أن أشهر ما أنتجته التلفزة المغربية عند انطلاقها في مارس 1962، صورت وبثت على المباشر، ولم يتم تسجيلها نهائيا. والسبب لم يكن التقصير أو الإهمال، وإنما كان يتعلق بإكراه تقني.

لم يكن التقنيون المغاربة الأوائل قادرين على تسجيل ما يتم بثه والاحتفاظ به في خزانة الأرشيف، وهذا ما يفسر «تبخر» إنتاجات مغربية، رغم ارتباطها بإطلاق التلفزة المغربية.

لا توجد معطيات كافية بخصوص أول الإنتاجات التي تم تسجيلها في السنة الأولى لإطلاق التلفزة المغربية. لكن المؤكد أن الملك الراحل الحسن الثاني كان أول من طلب أن يتم مده بتسجيل لبعض الإنتاجات الأولى للتلفزة المغربية، ثم بعد ذلك طلب مسؤولون آخرون الحصول على نسخ من برامج وحلقات تلفزية.

حتى أن المدير السابق للإذاعة المغربية، عبد الرحمن عاشور، الذي أصدر مذكراته فترة قصيرة قبل وفاته في فبراير سنة 2019، تطرق في مذكراته «رجل سلطة في الإذاعة» إلى مسألة طلبات المسؤولين الحصول على تسجيلات لبرامج وسهرات بعينها، بُثت على أمواج الإذاعة والتلفزيون المغربي.

وكان هؤلاء المسؤولون، بحسب عاشور، يتبارون في ما بينهم للحصول على هذه التسجيلات التي بثت على التلفاز.. وهو ما يكشف ما كان يدور في الخفاء بين المسؤولين حول أرشيف التلفزة المغربية.

المديرون السابقون يتحملون مسؤولية عدم رعاية أرشيف التلفزة المغربية، فقد تأكد ضياع نسخ وحيدة من برامج ووصلات ارتبطت بالذاكرة الجماعية سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، بسبب عدم الاهتمام بأرشيف التلفزة.

ورغم أن فرنسا سلمت المغرب في أيام وزير الداخلية القوي، إدريس البصري، أرشيفا تلفزيا مهما يتعلق بالمغرب، إلا أن التلفزيون المغربي ظل عاجزا عن استرجاع أرشيف مهم يتعلق بالذاكرة الجماعية للمغاربة، عندما كان الفرنسيون يشرفون على الإذاعة. وتكرر الأمر نفسه مع التلفزيون.. فعندما كان الفرنسيون يجهزون لمشروع تلفزة مغربية خلال فترة الحماية، صوروا فعلا أرشيفا مهما من الإنتاجات البصرية الإخبارية، وظلت تعتبر النواة الأولى للإنتاج التلفزي المغربي، رغم أن القناة التلفزية لم تر النور فعليا، ويتعلق الأمر بقناة «تيلما»..

من هذه المحطة بدأت معضلة الأرشيف المغربي. فرغم تسليم فرنسا لجزء من الأرشيف أيام إشراف إدريس البصري على وزارة الإعلام إلى جانب الداخلية، إلا أن الخصاص بقي مهولا، ويسائل المسؤولين السابقين عن التلفزيون المغربي.

يوجد لدينا أرشيف مهم عن إنتاجات التلفزة المغربية، لكن حيزا منه تعرض للتلف، بسبب عدم الصيانة.

الاحتفاظ بالأرشيف يستدعي توفر شروط تقنية صارمة، وهو ما لم يكن من أولويات عدد من المسؤولين عن الأرشيف، ولذلك ضاعت إنتاجات صنعها جنود خفاء حقيقيون، بنوا سمعة التلفزة المغربية في سنواتها الأولى.

 

«حملات» بالأبيض والأسود

قبل التطرق إلى قصة انطلاق التلفزة المغربية وكواليسها، نسلط الضوء أولا على حضور التلفزيون منذ إطلاقه يوم 3 مارس 1962، في الحياة العامة المغربية، وارتباطه بأحداث سياسية، وأمنية أيضا.

سبق أن فتحنا في «الأخبار» كواليس تأسيس التلفزيون في سلسلة حلقات في أبريل 2022، وفصلنا في مسألة ارتباط التلفزيون بعدد من الأحداث.

في سنة 1964، كان التلفزيون حاضرا بقوة في أول حملة أمنية قادتها الدولة لإلقاء القبض على من اعتبرتهم عناصر خطيرة على الأمن العام.

نشرات الأخبار المسائية التي كان يجتمع حولها المغاربة داخل كل بيت يتوفر على جهاز تلفزيون وقتها، كانت منصة لعرض «تحذيرات» على لسان المذيع من استوديو عين الشق بالدار البيضاء، المخصص للنشرات الإخبارية. هذه التحذيرات كانت تتناول قضية عُرفت وقتها بقضية «شيخ العرب ومن معه».

يتعلق الأمر بأكوليز، وهو أحد أعضاء المقاومة المنحدرين من الجنوب، حيث جاء إلى الدار البيضاء خلال أحداث المواجهات بين الخلايا السرية للمقاومة وبين البوليس الفرنسي، إذ كان مبحوثا عنه في الجنوب بتهمة الاعتداء على موظف فرنسي وعون سلطة مغربي. لكن بعد 1956، أصبح شيخ العرب من العناصر «المخربة» التي شكلت الجناح المتشدد داخل صفوف جيش التحرير، حيث كان من الرافضين لعملية إدماج المقاومين في الجيش الملكي.

تم تعميم مذكرات البحث عن المطلوبين، «شيخ العرب ومن معه»، والتي عرفت في الأرشيف الأمني بـ«خلية شيخ العرب»، حيث حذر بلاغ بُث في التلفزيون الرسمي من المجموعة واعتبرها عصابة إجرامية خطيرة.

تفيد بعض المصادر بأن مكافأة مغرية رصدت لمن يقدم معلومات عن مكان اختباء شيخ العرب ومن معه.

وهذه الدعاية التلفزية ساهمت في الوصول إلى شيخ العرب، الذي نجح في البقاء بعيدا عن أعين الأمن لسنوات، إلى أن استُعمل التلفزيون لـ«إسقاط» خليته.

فقد وصلت الدعاية إلى أحد المرافقين لشيخ العرب، واستسلم لإغراء المكافأة المالية التي شاع أنها مخصصة لمن يدل على مخبئه، وهكذا تم تحديد مكانه وإسقاط تنظيمه.

كان استغلال التلفزيون خلال عملية تعميم البحث عن المطلوبين، موضوع استنكار من الاتحاديين الذين كانوا بدورهم يعانون من تقوي الدور الأمني للدليمي، وهو ما تُرجم على أرض الواقع في جلسات البرلمان لسنة 1964، سيما وأن بين البرلمانيين الاتحاديين من مروا بتجربة الاعتقال في يوليوز 1963، وهو ما جعل مداخلاتهم في البرلمان تكون نارية، وطبعا كان التلفزيون يوثق لها بالصوت والصورة.

كان تعميم التلفزيون في بعض المقاهي، بإشراف من وزارة الداخلية، عاملا مهما لتقوية شعبية حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، خصوصا في المدن.

 

 

 

 

 

+++++++++++++++++++++++++++++++++

عيد العرش سنة 1962.. اليوم الذي وُلدت فيه التلفزة المغربية

الثالث من مارس، ذكرى عيد العرش أيام الملك الراحل الحسن الثاني.. المناسبة، وبكل ما كان يرافقها من احتفالات في الإدارات والمدارس، كانت موعدا لإطلاق التلفزة المغربية. كان الإعداد قد استغرق أشهرا تابع خلالها الملك الراحل بنفسه كل التفاصيل التقنية والإدارية. وكانت التقارير تُرفع له دوريا بخصوص سير العمل، والعراقيل التي تصادف التقنيين المكلفين بالمشروع، وبينهم مهندسون فرنسيون جيء بهم خصيصا للوقوف على الإعدادات التقنية لإطلاق البث.

كانت تعليمات الملك الراحل الحسن الثاني واضحة: يجب أن لا يُسجل أي خصاص في المعدات التقنية، خصوصا في ما يتعلق بالكاميرات والإرسال. وكان الملك الراحل قد توصل بشروحات لطريقة عمل البث التلفزيوني، وأعطى التعليمات إلى العمال في الأقاليم لكي يشرفوا بأنفسهم على أشغال رفع اللاقطات الهوائية، لإيصال بث التلفزة المغربية إلى كل أرجاء البلاد.

ورغم أن الفرنسيين حازوا ثقة الملك الراحل الحسن الثاني في ما يتعلق بالجانب التقني، نظرا إلى خبرتهم وتجربتهم مع التلفزيون والبث الحي، إلا أن أعينا أخرى كانت تراقب مشروع التلفزيون المغربي، ويتعلق الأمر بالاتحاد السوفياتي، والولايات المتحدة الأمريكية.

لكن قبل الخوض في أي من هذه التفاصيل، تجدر الإشارة إلى أن التقنيين المغاربة والفرنسيين، استفادوا من دراسة سابقة، أعيد إخراجها من الأرشيف، ويتعلق الأمر بدراسة إطلاق تلفزة «تيلما» التي أشرفت عليها الإدارة الفرنسية قبل 1956، العام الذي استقل فيه المغرب عن فرنسا.

«تيلما» التي لم تر النور، لم تكن مجرد فكرة فرنسية، بل كانت مشروعا جادا، كاد أن يتحقق، وخصصت له الإدارة الفرنسية في المغرب تمويلا مهما، وأعدت بشأنه دراسات، كانت صالحة لتحديات 1963.

استعان التقنيون والخبراء بالدراسة السابقة، وعرضوا خطوطها العريضة على الملك الراحل الحسن الثاني، الذي أبدى على الفور موافقته على الاستعانة بها لإنهاء الإعدادات التقنية، وتحديد الأماكن التي تنصب فيها اللاقطات الهوائية.

ومع اقتراب مناسبة عيد العرش لسنة 1962، الذكرى الأولى لجلوس الملك الراحل الحسن الثاني على العرش، كانت ملامح التلفزة المغربية قد بدأت تتضح.

تقول بعض الروايات إن الملك الراحل كان يتردد بنفسه على البناية الأولى التي خصصت للتلفزة المغربية ويتفقد سير الأشغال، لكن لا يوجد أي تأكيد على هذه الروايات من قبل من كانوا فاعلين وفي قلب المشروع، أمثال الإعلامي الراحل محمد بنددوش، واحرازم غالي، أحد أوائل المسؤولين عن الإدارة التقنية للتلفزة المغربية.

لكن ما أكده ابن هذا الأخير، الأكاديمي إدريس غالي، في كتابه «n père, le Maroc, et Moi»، الصادر سنة 2019 في فرنسا، أن الملك الراحل كان قد طلب تقريرا مفصلا عن كل الجوانب المتعلقة بمشروع التلفزة المغربية، أسابيع قبل إطلاقها، وكان يثق في الأطر المغربية أكثر من ثقته في الفرنسيين الذين تم جلبهم لإطلاق التلفزة المغربية.

كان هذا التقرير واضحا: إطلاق التلفزة ممكن، لكن صعوبات تقنية كبرى تواجه المشروع.

لم يكن الملك يأخذ بأسباب تبرير فشل المشاريع، لذلك لم يتم إقبار المشروع أو تأجيله، وأطلقت التلفزة المغربية تزامنا مع ذكرى عيد العرش، ورأى المغاربة لأول مرة الملك الراحل الحسن الثاني في الذكرى الأولى لاحتفاله بجلوسه على العرش، صوتا وصورة!

ما هي إذن المشاكل التي تحدث عنها التقرير؟ وكيف تم تدبير الساعات الأخيرة التي سبقت إطلاق التلفزة؟

 

قصة تقرير رفع إلى الملك مشاكل التلفزة المغربية قبل بدء البث!

مع بداية سنة 1962، والمغرب وقتها يعيش على إيقاع سنة عصيبة من الناحية السياسية، وانتقال السلطة إلى الملك الشاب الذي أحدث تغييرات كبرى في الإدارة، كان تحدي إطلاق التلفزة المغربية يشغل بال الملك الراحل.

كيف جاءت فكرة التلفزة المغربية؟

كان التلفزيون يشغل العالم كله مع بداية الستينيات، وكان الملك الراحل يرغب في أن يكون للمغرب تلفزيونه الخاص، خصوصا وأن رؤساء الدول الكبرى كانوا يحرصون على أن تُنقل أنشطتهم الرسمية على شاشات التلفزة.

جاء في إحدى الروايات التي تناقلها المسؤولون الأوائل على التلفزيون، أن فكرة إطلاق التلفزة المغربية كانت عندما عاد الملك الراحل الحسن الثاني من أولى زياراته إلى فرنسا.. إذ إن الاستقبال الرسمي الذي أقيم على شرف الملك الحسن الثاني نُقل على التلفزيون الفرنسي، وكانت والدة الملك الراحل تتابع المراسيم على شاشة التلفزيون في غرفتها بالفندق.. وهكذا ترسخت فكرة إنشاء تلفزة مغربية، لكي يتمكن المغاربة أجمعين من متابعة أنشطة الملك داخل المغرب.

لكن هذه الرواية التاريخية تفتقر إلى الدقة، لكنها تعكس أيضا جانبا كان يؤمن به الملك الراحل، وهو قوة الصورة وقوة الإعلام بشكل عام. وبحكم انفتاح الملك الراحل الحسن الثاني على التلفزيون الفرنسي وهو لا يزال وليا للعهد، فقد كان يدرك أن مشروع التلفزة المغربية لا يمكن أن يؤجل.

في منتصف يناير 1962، كان المحيطون بالملك الراحل الحسن الثاني يضعون توقعات وأفكار للاحتفال بالذكرى الأولى لعيد العرش في العهد الجديد، بينما كان الملك يتابع مشروع التلفزة المغربية، وكان وقتها المهندسون الفرنسيون مشغولين بالإعدادات التقنية الأولى لوضع أول استوديو للتلفزة المغربية، في زاوية من مسرح الرباط.

التقرير الذي أعده الخبراء الفرنسيون، والمسؤولون المحليون الذين كلفهم الملك بتتبع المشروع، وعلى رأسهم الوزير والمستشار أحمد رضا اكديرة، رفعوا إليه المشاكل التي تواجههم.

وهذه المشاكل تتلخص في استحالة إقامة استوديو للتلفزة المغربية في نفس البناية التي توجد بها الإذاعة. واستحالة استغلال مرافق لا تتسع للمعدات من كاميرات وطاولات لمعالجة الصوت والصورة. وهكذا وافق الملك الراحل على استغلال مسرح الرباط، الذي يرتبط في ذاكرة الرباطيين بمحطات وطنية تاريخية.

من النقاط المثيرة التي تضمنها هذا التقرير، الذي يمكن اعتباره الأول من نوعه بخصوص التلفزيون المغربي، مشاكل تعامل التقنيين مع مسؤولي الإدارة الترابية في الأقاليم. إذ إن العمال كان لديهم تخوف من تنفيذ طلبات المسؤولين الفرنسيين، بخصوص الأراضي التي تقرر أن يقام فوقها أساس اللاقطات الهوائية.. وهو ما جعل المهندسين الفرنسيين يشتكون في التقرير إلى الملك، وطلبوا أن يتم التعامل معهم بمرونة من طرف السلطات في الأقاليم.

وهؤلاء المهندسون الفرنسيون أخبروا الملك صراحة أنهم يتخوفون من أن يتأخر المشروع لأشهر أخرى، في حال ما وضعت أمامهم عراقيل إدارية بخصوص الأماكن التي تم اختيارها، وفق الدراسات الدقيقة، لإنشاء اللاقطات الهوائية لنقل الصوت والصورة. وأن أي تغيير في أماكنها، على مستوى الأقاليم، قد يُفشل المشروع.

اقترح التقرير حلا أوليا، وهو أن يتم الاقتصار في البث، خلال الأشهر الأولى لإطلاق التلفزة المغربية، على محيط الرباط والدار البيضاء، وجاء فيه أيضا أن محيط 300 كيلومتر من الرباط، لن يكون تأمينه صعبا، لكن الوصول إلى بقية الأقاليم قد يرفع التحدي أمام التقنيين.

لكن جواب الملك الراحل كان حاسما: يجب تسريع الأشغال وإذابة كل العراقيل الإدارية المتعلقة بترتيبات وإجراءات رفع اللاقطات الهوائية، لكي تصل التلفزة المغربية فور إطلاقها إلى أبعد نقطة ممكنة.

أهم ما تضمنه التقرير، مشكل انتشار أجهزة التلفاز في المغرب. فمن جهة، لم تكن هناك شركة مكلفة باستيراد أجهزة التلفزيون إلى المغرب، ولم يكن اقتناؤها في متناول كل المغاربة، وهو ما يعارض تصور الملك الذي كان يرغب في أن يتمكن كل مغربي، أين ما كان، من مشاهدة التلفاز.

لكن الملك الراحل فاجأ الفرنسيين والمغاربة، ببساطة لأنه كان يملك الحل!

 

 

أعين أجنبية راقبت تلفزيون المغاربة وأرادت «اختطافه»..

ما إن أعلن عن إطلاق التلفزة المغربية، حتى أثبت الملك الراحل الحسن الثاني للمحيطين به أن تصوره كان قابلا للتطبيق، رغم تحذيرات المهندسين الفرنسيين وتخوفهم. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الأعين الأجنبية تراقب هذه «السلطة الجديدة» التي دُشنت في المغرب، مع الذكرى الأولى لجلوس الملك الراحل الحسن الثاني على العرش.

أعطى الملك الراحل توجيها لوزارة الداخلية، لاقتناء أجهزة التلفزيون وتوزيعها على الأقاليم، لكي تتمكن الحشود من متابعة أول بث تلفزي. بينما كان الأعيان سباقين لاقتناء أجهزة التلفزيون لمنازلهم، وبدؤوا في التقاط بث التلفزة المغربية.

ومع نهاية 1962، عرفت البلاد أحد أهم الأحداث في الحياة السياسية المغربية، وهو الاستفتاء على أول دستور للمملكة، في شهر دجنبر. كان التلفزيون المغربي قد انتشر على نطاق أوسع، ومضى على إطلاقه حوالي تسعة أشهر. خلال حملة الاستفتاء والتعريف بمسودة الدستور، أعطى الملك الراحل الحسن الثاني مرة أخرى تعليماته إلى وزارة الداخلية لاقتناء أجهزة تلفاز، توزع على العمالات لكي يدبرها العمال بمعرفتهم، ويمكنوا المغاربة من متابعة نشرات الأخبار، والوصلات الدعائية، ووزعت أجهزة إضافية تزامنا مع الانتخابات البرلمانية والجماعية سنة بعد ذلك، أي في 1963.

ومع ازدياد أهمية التلفزيون في هذه السنة، بدأ الأمريكيون يتوجسون من احتمال وجود تدخل سوفياتي لدى المغرب لتمويل مشروع التلفزيون.

ولم يكن تخوف الأمريكيين نابعا من فراغ، فقد توصلوا بتقرير يكشف مساع سوفياتية لتوفير خدمات للمغاربة، بخصوص تجهيزات النقل المباشر والتجهيزات التقنية من معدات للتصوير والتسجيل. ولم ينتظر الأمريكيون لكي يتأكدوا من المعلومات الاستخباراتية التي بحوزتهم، بل مروا إلى رد الفعل بشكل مباشر، وتواصلوا مع أحد أقرب الوزراء إلى الملك الراحل الحسن الثاني، وهو مدير ديوانه السابق -عندما كان وليا للعهد- أحمد رضا اكديرة. وهذا الأخير، بحسب ما تنص عليه مراسلات «CIA»، نفى بالقطع للأمريكيين أن يكون السوفيات قد اقترحوا على المغرب أي مساعدة بخصوص التلفزيون.

أبدى الأمريكيون استعدادهم لمساعدة المغرب لتقوية مشروع التلفزة المغربية، لكي يقطعوا الطريق على السوفيات.

فقد كان الاتحاد السوفياتي قد قدم خدمات تقنية لكل من الجزائر وسوريا في منتصف ستينيات القرن الماضي بخصوص مشاريع البث والكاميرات، بل وحتى توفير سيارات معدات النقل المباشر، ووضعوا خبرة المهندسين السوفيات رهن إشارتهما. وتخوف الأمريكيون من أن وجود عرض سوفياتي للمغرب بهذا الشأن، خصوصا وأن المغرب وقتها لم يجدد اتفاقا عسكريا للتزود بالطائرات السوفياتية التي استعملها الطيران المغربي ما بين 1956 و1960، ووقع مع الأمريكيين اتفاقا آخر. وتوقع الامريكيون أن يرد السوفيات على حرمانهم من تجديد الاتفاق العسكري مع الرباط، بوضع اليد على مشروع التلفزيون.

لكن أكثر ما كان يتخوف منه الأمريكيون، أن يعرض السوفيات على المغرب تكوين الأطر في روسيا، على يد المهندسين الروس، وهو ما يعني تلقينهم أفكار المعسكر الروسي في عز الحرب الباردة.. وهو ما لم تكن تتساهل معه الولايات المتحدة في ذلك الوقت.

لكن في النهاية، لم يقدم الروس أي مساعدة من هذا النوع إلى المغرب. وبقي المهندسون الفرنسيون يحتفظون بصدارة التعاون التقني مع المغرب بخصوص مشروع التلفزة المغربية.

 

 

المنسيون.. الجيل الأول من كفاءات التلفزة المغربية

إيمان الملك الراحل الحسن الثاني بأهمية التلفزيون في الحياة العامة، وأهميته للسلطة أيضا، جعلته يولي عناية قصوى لاختيار الأسماء التي تدير التلفزيون المغربي.

فقد كان منصب مدير التلفزيون، يعني الاتصال الدائم بالملك الراحل الحسن الثاني الذي أشرف بنفسه على إطلاق التلفزة وتتبع كواليس اشتغالها وحتى مشاريع البث الأولى الموجهة إلى المغاربة، والإخراج وطريقة نقل الخطب الملكية. لكن ما يهم هنا، هم الأطر والتقنيون الأوائل الذين تكلفوا بتنزيل التعليمات الملكية على أرض الواقع.

كانت التلفزة المغربية تتوفر على أطر راكموا خبرة في الإذاعة المغربية منذ 1956. وهذا الجيل تكونوا على يد الخبراء والمهندسين الفرنسيين، ومنهم من استفادوا من تكوين معمق في فرنسا.

ومع إطلاق التلفزة، كان لا بد لهذه الكفاءات أن تستفيد من تكوين في البث التلفزي.

إذ كان الملك الراحل الحسن الثاني مقتنعا أن التلفزيون المغربي يجب أن يبقى مغربيا خالصا، وليس مصلحة يسيرها المهندسون الفرنسيون.

بل إن الملك الراحل أرسل أطرا مغربية من الإذاعة لكي يتلقوا تكوينا مكثفا في فرنسا قبل مارس 1962، لكي يشرفوا على إطلاق التلفزة المغربية. وجرى استدعاؤهم إلى المغرب، قبل حتى أن يُنهوا التكوين لإطلاق التلفزيون. وأول هؤلاء محمد بناني، الذي دخل التاريخ، باعتباره أول صوت مغربي يتم إدماجه مع الصورة، وأنجز أول فقرة تلفزيونية قصيرة موجهة للبث. ونجح محمد بناني في المهمة، وتعرف المغاربة بفضله على أولى فقرات البث.

وبحكم أن ساعات البث كانت محدودة جدا عند إطلاق التلفزة المغربية، فإن التحدي الأكبر أمام الأطر المغربية لم يكن إنتاج محتوى بصري لملء ساعات البث، وإنما التغلب على المشاكل التقنية، لجعل البث التلفزي ممكنا.

أحد هؤلاء الذين أطلقوا تجربة التلفزة المغربية، هو المخرج الذي رحل العام الماضي فقط، أحمد عمار. هذا الأخير، اعتبره قدماء التلفزة المغربية أول مخرج يشتغل في تجربة التلفزيون المغربي، حيث اشتغل رفقة أسماء من مؤسسي العمل التقني أمثال الراحل عبد الله شقرون.

أحمد عمار كان أبرز اسم عُول عليه لإطلاق تجربة التلفزة المغربية، من الناحية التقنية، خصوصا الإخراج، بحكم أن تكوينه التقني الذي تلقاه في فرنسا خلال سنوات الخمسينيات، أي قبل إطلاق التلفزة المغربية بأزيد من خمس سنوات، مكنه من التخصص في مجال الإخراج، ليصبح أبرز الأسماء المؤهلة تقنيا وأكاديميا للاشتغال في بناية مسرح محمد الخامس بالرباط.

الأستوديو كان ضيقا جدا، بالكاد يتسع للمعدات التقنية، ورغم ذلك فقد كانت الرؤية الإخراجية لديه موفقة.

وبما أن صفقة اقتناء معدات التلفزة المغربية، جُلبت من إيطاليا، فقد كان أحمد عمار أول تقني مغربي يتم إرساله إلى مقر القناة الإيطالية الشهيرة، التي باعت المعدات التقنية للمغرب، لكي يتلقى تكوينا في التعامل معها وإنتاج محتوى سمعي بصري.

كان أحمد عمار وراء إخراج أول خطاب للملك الحسن الثاني في 3 مارس 1962، ليدخل التاريخ، رغم أن الجيل الذي ينتمي إليه، نُسي وكأنه لم يقف وراء مشروع إطلاق تلفزة المغاربة في نسختها الأولى.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى