حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف


الرئيسيةتقاريرحوار

مقومات الدرس الفلسفي



على الرغم من كل أشكال التضييق التي تعرضت لها الفلسفة والفكر والإبداع، برهن الباحثون والمشتغلون بالفكر والكتاب من المغاربة على اقتدار لافت في ترويض مفاهيم التاريخ والسياسة والفلسفة، بهدف مواجهة إشكاليات تاريخية، ومعرفية وسياسية، وأنتجوا مُصنفات تخطَّت حدود المغرب لتصبح مراجع مطلوبة في ما ينتج باللغة العربية. لقد دشن محمد عزيز الحبابي هذا الحضور واتخذ مسارات مغايرة مع عبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الكبير الخطيبي، وفاطمة المرنيسي، وعلي أومليل والجيل المخضرم من الفلاسفة المغاربة الذين تتلمذوا على يد هؤلاء، والذين يحتلون موقعًا مرجعيًا في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، ومنهم عبد السلام بنعبد العالي، ومحمد سبيلا وسالم يفوت وغيرهم، إلى عبد الإله بلقزيز وسواه من الأسماء الشابة التي ما تزال تجتهد للإعلاء من قيم العمل، والمبادرة، والمعرفة، والعقل والجمال.. بل إن المشتغلين بالفلسفة أثْروا المشهد الثقافي المغربي، وكيَّفوا العديد من قضاياه السياسية، والتاريخية والمعرفية بتدخلاتهم، وكتاباتهم ومؤلفاتهم.

لكن السؤال الكبير، اليوم، هل الأفكار الفلسفية، كما يتم توصيلها إلى الطلبة، تستجيب لمقومات الدرْس الفلسفي؟ أم أن نسبة لا بأس بها ممن يمارسون عملية التوصيل والتدريس يقومون بما يضاد مقتضيات السؤال، ويلتزمون بشروط تعلم التفلسف، سواء في الثانوي أو في شعب الفلسفة بكليات الآداب؟

قد يظهر على هذين السؤالين نوع من الإثارة والرغبة في خلق الجدل، باعتبار أن مبرر طرحهما مرده إلى ما يُلاحظ في ثانويات المغرب من انحرافات وتشوُّهات تُمارَس على الدرس الفلسفي، وما يظهر في شعب الفلسفة في الكليات من تراخٍ، والكذب على الذات، وانتشار لمظاهر الغش، والمجاملة، والريع بكل أشكاله، وانسحاب الأساتذة المُمَيزين، وسيطرة الاهتمامات التراثية وادعاءات التخصص في العلوم. هذه حقول مطلوبة من دون شك، لكن ليس على حساب التكوينات الأساسية في الفلسفة والاحتكاك بنصوصها المرجعية، وتعزيز ذلك بكل الاهتمامات الأخرى المعروفة والجديدة التي على الطالب الاطلاع عليها، واكتشاف آفاقها واكتساب أفكارها.

وإذا كنا، بالرغم من ذلك، ما نزال نعاين وجود أفراد أو بؤر قليلة، هنا وهناك، تستمر في الالتزام بمقومات الدرس الفلسفي والبحث في تاريخ الأفكار الفلسفية في المغرب، وهي موجودة لحسن الحظ، فإن مؤشرات عديدة، مُقلقة للغاية وبشهادة أغلبية الأساتذة والمهتمين النزهاء، تؤكد تراجعا كبيرا لجودة الدرس الفلسفي، في الثانوي كما في الجامعي، وانحرافا مثيرا عن أساسياته ومقاصده، ما يهدد هذه المادة بالتسطيح، والتشويه والانحراف عن أهدافها البيداغوجية والمعرفية التي تميزها عن غيرها من المواد.

أما على الصعيد الثقافي العام، فإنه من المعلوم أن دستور 2011 في المغرب تضمن العديد من الصيغ التي تُحيل على الثقافة (ذكرت لفظة الثقافة أكثر من عشرين مرة في نص الدستور لأول مرة)، وأن تتكلف السلطات العمومية بدعم «الإبداع الثقافي والفني»، إلى غير ذلك من الإحالات على «التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية». ولا شك أن الحديث عن الثقافة، في الدستور، خضع لصياغة معيارية كان يتوقع منها انتهاج سياسات عمومية، سواء على صعيد المسؤولية الحكومية أو الجماعات المحلية، تضع في حسبانها الأهمية الكبرى التي منحها الدستور للثقافة حتى تكون في قلب كل السياسات والمخططات.

لكن المعطيات الموضوعية، التي تحصل فيها هذه التطورات، تُبين أن ثمة تفاوتات كبرى بين الإقرارات المعيارية، والبرامج التي توضع تحت عنوان الثقافة التي تُسطَّر وتُنفذ، جزئيا أو كليا، وبين الأصداء التي تنجم عنها في التكوينات، والأذواق، والسلوكات والعلاقات. ذلك أن أكبر المشاتل، التي من المفترض أن تكون حاضنة للثقافة والتربية عليها، وهي المدرسة، تعاني من نقائص مَهُولة على مستوى المضامين الثقافية والتربية الجمالية التي من المفترض ضخها في البرامج والمناهج، ناهيك عن أن الإعلام العمومي، الذي من المفروض أن يعزز الدور الثقافي للمدرسة، وبالرغم من وجود بعض البرامج ذات الطبيعة الإخبارية والتوصيلية، لم يرق إلى ما هو مطلوب دستوريا.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى