حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةالملف السياسيسياسية

منصات المخزون والاحتياطات لمواجهة الأزمات 

5 مخاطر تهدد بوقوع كوارث طبيعية بالمغرب

تهدف منصات المخزون والاحتياطات الأولية، التي أشرف الملك محمد السادس، خلال الأسبوع الماضي بجماعة عامر (عمالة سلا)، على إطلاق أشغال إنجازها، إلى تيسير النشر السريع لعمليات الإغاثة في حال وقوع كوارث، وستمكن هذه المنصات، التي أمر الملك بإنجازها، غداة زلزال الحوز، من تطوير البنيات التحتية الوطنية للطوارئ، وتحسين المنظومة الشاملة للتدخل في حالة وقوع كوارث، وضمان سرعة أكبر في تقديم الإغاثة وإيصال المساعدة للمتضررين، وتعزيز قدرة المغرب على الصمود في مواجهة مختلف أنواع الكوارث (فيضانات، زلازل، انجراف التربة، مخاطر كيماوية، صناعية أو إشعاعية).

 

إعداد: محمد اليوبي- النعمان اليعلاوي

إحداث 12 منصة لمواجهة الكوارث باستثمار إجمالي بمبلغ 7 ملايير درهم

 

في خطاب ألقاه بمناسبة افتتاح أول دورة برلمانية في الولاية الحكومية الحالية، دعا الملك محمد السادس إلى إحداث منظومة وطنية متكاملة، تتعلق بالمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، لاسيما الغذائية والصحية والطاقية، والعمل على التحيين المستمر للحاجيات الوطنية، مؤكدا أن الولاية التشريعية الحالية تأتي في الوقت الذي يدشن فيه المغرب مرحلة جديدة تقتضي تضافر الجهود حول الأولويات الاستراتيجية، مشددا على ضرورة مواصلة المغرب لمسيرة التنمية، ومواجهة التحديات الخارجية.

كما حث على ضرورة تعزيز مكانة المغرب، والدفاع عن مصالحه العليا، لاسيما في ظرفية مشحونة بالعديد من التحديات والمخاطر والتهديدات، ولم يفت الملك التطرق إلى عودة قضايا السيادة للواجهة، والتسابق من أجل تحصينها، قائلا في هذا الصدد “وقد أبانت الأزمة الوبائية عن عودة قضايا السيادة للواجهة، والتسابق من أجل تحصينها، في مختلف أبعادها، الصحية والطاقية، والصناعية والغذائية، وغيرها، مع ما يواكب ذلك من تعصب من طرف البعض”، وأشار الملك إلى أنه “وإذا كان المغرب قد تمكن من تدبير حاجياته، وتزويد الأسواق بالمواد الأساسية، بكميات كافية، وبطريقة عادية، فإن العديد من الدول سجلت اختلالات كبيرة، في توفير هذه المواد وتوزيعها”.

ويوم الأربعاء الماضي، أشرف الملك محمد السادس، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، بجماعة عامر (عمالة سلا)، على إعطاء انطلاقة أشغال إحداث منصة المخزون والاحتياطات الأولية لجهة الرباط- سلا- القنيطرة، وهو تجسيد للنموذج المغربي في الصمود والنشر السريع لعمليات الإغاثة في حالة وقوع كوارث.

وبأمر من الملك، ستتوفر كل جهة من جهات المملكة على منصة كبرى للمخزون والاحتياطات الأولية (خيام، أغطية، أسرة، أدوية، ومواد غذائية …)، وذلك من أجل مواجهة الكوارث (فيضانات، زلازل، ومخاطر كيماوية، وصناعية أو إشعاعية) بشكل فوري.

وهكذا، سيتم إنجاز منصة المخزون والاحتياطات الأولية بجهة الرباط-سلا-القنيطرة على قطعة أرضية تبلغ مساحتها 20 هكتارا، وذلك في أجل 12 شهرا، بميزانية إجمالية تقدر بـ 287,5 مليون درهم. ويهم هذا المشروع على الخصوص إحداث أربعة مستودعات (5 آلاف متر مربع لكل منها)، وحظيرتين للمعدات الضخمة (2500 متر مربع لكل منهما)، ومهبط للطائرات المروحية ومواقف للسيارات.

وتشكل هذه المنصة الجهوية جزءا من برنامج شامل، تم تقديمه، بهذه المناسبة، لجلالة الملك، والذي يشمل إنجاز 12 منصة باستثمار إجمالي تبلغ قيمته 7 ملايير درهم، منها مليارا درهم للبناء، و5 مليارات درهم لاقتناء المواد والتجهيزات، وستحتضن هذه المنصات، التي ستعبئ وعاء عقاريا إجماليا تقدر مساحته بـ 240 هكتارا، 36 مستودعا، موزعة بحسب الكثافة الديمغرافية لكل جهة والمخاطر المحتملة.

وبالنسبة للجهات الست الدار البيضاء-سطات، والرباط سلا-القنيطرة، ومراكش-آسفي، وفاس-مكناس، وطنجة-تطوان-الحسيمة، وسوس-ماسة، فإن المنصات ستتكون من أربعة مستودعات، بمساحة إجمالية تبلغ 20 ألف متر مربع لكل منها. فيما ستحتوي المنصات الخاصة بالجهات الست الأخرى وهي: جهة الشرق، وبني ملال – خنيفرة، ودرعة – تافيلالت، وكلميم-واد نون، والعيون-الساقية الحمراء، والداخلة – واد الذهب، على مستودعين بمساحة إجمالية تبلغ 10 آلاف متر مربع لكل منها.

وتهدف المواد والتجهيزات التي سيتم تخزينها بهذه المنصات إلى تأمين استجابة سريعة لفائدة السكان المتضررين في حالة وقوع كارثة، وضمان تغطية عاجلة ومعقولة للاحتياجات في مجال الإنقاذ والمساعدة والتكفل، وفقا للرؤية الاستباقية للملك محمد السادس.

وفي هذا الصدد، ستغطي هذه المواد والتجهيزات، الموجهة للنشر الفوري بعد الوقوع المحتمل لكارثة طبيعية، الإيواء عبر توفير 200 ألف خيمة متعددة الخدمات والتجهيزات المتعلقة بها (أسرة التخييم، أسرة، وأغطية….)، وإطعام السكان المتضررين، من خلال مخابز ومطابخ متنقلة، وكذا وجبات جاهزة لفائدة الأسر المتضررة، وتغطية احتياجات السكان المتضررين من مياه الشرب والكهرباء من خلال توفير تجهيزات لتصفية المياه ومعالجة مياه الشرب، وإنتاج الطاقة الكهربائية باستخدام مولدات قابلة للقطر، وتطوير قدرات الإنقاذ والتدخل في حالة وقوع كوارث. ويتعلق الأمر، على وجه الخصوص، بإعداد مخزونات من التجهيزات اللازمة لمواجهة الفيضانات، والإنقاذ في حالات الزلازل والانهيارات الأرضية والأوحال، ومكافحة المخاطر الكيماوية، والصناعية أو الإشعاعية.

كما ستتكفل بالرعاية الصحية للسكان المتضررين، من خلال توفير في مرحلة أولى، 6 مستشفيات ميدانية يحتوي كل منها على 50 سريرا، و6 مستشفيات أخرى في مرحلة ثانية، تشتمل على وحدات العمليات الطارئة ووحدات الخدمة الطبية بمختلف التخصصات.

وسيتم استكمال هذه البنية التحتية الاستشفائية المتنقلة من خلال تثبيت مراكز طبية متقدمة في المواقع المتضررة، للفرز والإسعافات الأولية. كما يتعلق الأمر في هذا الإطار بوضع مخزونات الأدوية رهن إشارة الاحتياجات الفورية للأشخاص المتضررين. وستتولى تدبير تخزين المواد الغذائية والأدوية، فرق متخصصة وفق قواعد صارمة للغاية، بشكل يستجيب للمعايير المعمول بها في هذا المجال.

ويهدف إنشاء هذه المنصات إلى تطوير البنية التحتية الوطنية للطوارئ، وتحسين المنظومة الشاملة للتدخل في حالة الأزمات، وضمان سرعة أكبر في تقديم الإغاثة والمساعدة للمتضررين، وتعزيز قدرة المغرب على الصمود في مواجهة مختلف الأزمات.

وسيمكن البرنامج الشامل الخاص بإنشاء المنصات الجهوية للمخزون والاحتياجات الأولية أيضا من التوفر على مخزونات استراتيجية تسمح بالاستجابة لما يعادل ثلاثة أضعاف الحاجيات التي تمت تلبيتها على إثر زلزال الحوز، فضلا على تطوير منظومة وطنية لإنتاج التجهيزات والمواد اللازمة للإطلاق الفوري لعمليات الاغاثة في حالة وقوع الكوارث.

وقد تم تصميم هذه المنصات الجهوية، التي تم اختيار مواقعها وفقا لمعايير السلامة، على أساس تحليل معمق لاحتياجات كل جهة من جهات المملكة، أخذا بعين الاعتبار المخاطر التي تنطوي عليها، مدعوما بدراسة لأفضل الممارسات والمعايير الدولية في هذا المجال.

 

منصة المخزون والاحتياطات.. مشروع ملكي ببعد استراتيجي وطني

 

 

في خطاب ملكي هام خلال افتتاح الدورة البرلمانية، قبل ثلاث سنوات، أكد الملك محمد السادس على ضرورة تعزيز السيادة الوطنية في مختلف المجالات، خاصة في ظل الأزمات العالمية التي أظهرت هشاشة الأنظمة الاقتصادية العالمية أمام التحديات الكبرى، مثل الأوبئة والكوارث الطبيعية. وقال الملك إن «الأزمة الوبائية أبانت عن عودة قضايا السيادة إلى الواجهة»، مشيرا إلى أن المغرب نجح في تأمين احتياجاته من المواد الأساسية خلال الأزمة، بينما عانت العديد من الدول من اختلالات كبيرة في هذا المجال.

وفي هذا السياق، أطلق الملك محمد السادس مشروعا طموحا لإنشاء منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، بما يشمل المواد الغذائية والصحية والطاقة، في خطوة تهدف إلى ضمان الأمن الاستراتيجي للمملكة. هذا المشروع يأتي في وقت حساس، حيث أصبح من الضروري تحصين البلاد ضد أي صدمات مستقبلية، قد تؤثر على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.

وفي ظل عالم مليء بالتقلبات الاقتصادية والسياسية، سواء بسبب الأزمات الصحية أو الجيوسياسية، لم يعد مجرد تأمين السلع الأساسية أمرا كافيا. بل أصبح من الضروري أن تكون لدى الدول قدرة استباقية على مواجهة أي نقص في هذه المواد، خاصة تلك التي تتعلق بالصحة والطاقة والغذاء. بناء على ذلك، يهدف مشروع المخزون الاستراتيجي إلى إنشاء بنية تحتية قادرة على تخزين المواد الأساسية بشكل دوري، مما يضمن توفيرها بكميات كافية وفي أوقات الحاجة القصوى.

من خلال هذا المشروع، يسعى المغرب إلى إنشاء منظومة وطنية شاملة تهتم بتخزين المواد الغذائية والصحية والطاقة، بحيث يتم تأمين احتياجات البلاد في الأوقات العصيبة. وتتضمن المنظومة المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية وفقا لاحتياجات الدولة، بالإضافة إلى تحديث مستمر لهذه المخزونات بما يتماشى مع التقلبات في الاستهلاك المحلي.

أحد الأهداف الرئيسية لهذا المشروع، هو تعزيز السيادة الوطنية للمغرب في مختلف القطاعات. ففيما كان يتعين على العديد من الدول التوجه إلى الأسواق العالمية خلال الأزمة الوبائية لتلبية احتياجاتها الأساسية، نجح المغرب في تزويد أسواقه بالمواد الأساسية دون أي اختلالات ملحوظة، بفضل الجهود المبذولة في هذا الإطار. المشروع يهدف إلى بناء قدرة داخلية من خلال التخزين المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج، وهو ما يعد خطوة استراتيجية نحو الاكتفاء الذاتي في بعض المجالات الحيوية.

يعتبر هذا المشروع جزءا من توجه عام نحو تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، حيث يتم التعاون بين القطاعين العام والخاص، لضمان توفير المواد الأساسية في جميع الظروف. وسيشمل هذا التعاون إنشاء منشآت لتخزين هذه المواد في مختلف أنحاء المملكة، مما يعزز توزيعها بشكل متوازن بين المناطق ويوفر دعما للمواطنين في الحالات الطارئة.

تعتبر هذه المبادرة جزءا من الرؤية الشاملة للمملكة في التعامل مع التحولات المناخية والاقتصادية المستقبلية. ففي وقت يتزايد فيه حدوث الأزمات الصحية مثل جائحة كورونا، والأزمات البيئية مثل التغير المناخي، تصبح قدرة الدول على التكيف مع هذه الظروف أولوية استراتيجية. بفضل هذا المشروع، سيكون المغرب قادرا على الاستجابة السريعة لمختلف الأزمات المستقبلية.

من خلال إطلاق مشروع المخزون الاستراتيجي، يبعث المغرب رسالة قوية تؤكد التزامه بتعزيز السيادة الوطنية وتوفير الحماية لشعبه في كل الأوقات. المشروع يشكل خطوة مهمة نحو بناء دولة ذات قدرة استباقية في مواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية، ويعزز من أمن المواطن المغربي في ظل التغيرات العالمية السريعة.

الدردوري: إحداث المنصات يندرج ضمن رؤية ملكية استباقية

 

قال الوالي المنسق الوطني للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، محمد الدردوري، إن إحداث منصة المخزون والاحتياطات الأولية في كل جهة من جهات المملكة، بأمر من الملك محمد السادس، يندرج في إطار رؤية ملكية متبصرة واستباقية لضمان الجاهزية القصوى في مواجهة أي حالة طوارئ.

وأبرز الدردوري، في تصريح للصحافة، بمناسبة إشراف الملك محمد السادس، بجماعة عامر (عمالة سلا)، على إعطاء انطلاقة أشغال إحداث منصة المخزون والاحتياطات الأولية لجهة الرباط-سلا-القنيطرة، أن هذه الخطوة جاءت في سياق استخلاص الدروس من الكوارث التي شهدها المغرب، ولا سيما زلزال الحوز، حيث برزت أهمية التدبير المحكم وسرعة الاستجابة، وكذا ضرورة توفر المغرب على هذا النوع من التجهيزات في حالات الطوارئ، وأشار إلى أن هذه المنصات ستضم تجهيزات أساسية تمكن من التدخل السريع لإنقاذ الأرواح وحماية الممتلكات.

وسيمكن البرنامج الشامل الخاص بإنشاء المنصات الجهوية للمخزون والاحتياجات الأولية أيضا من التوفر على مخزونات استراتيجية تسمح بالاستجابة لما يعادل ثلاثة أضعاف الحاجيات التي تمت تلبيتها على إثر زلزال الحوز، فضلا على تطوير منظومة وطنية لإنتاج التجهيزات والمواد اللازمة للإطلاق الفوري لعمليات الإغاثة في حالة وقوع الكوارث.

وقد تم تصميم هذه المنصات الجهوية، التي تم اختيار مواقعها وفقا لمعايير السلامة، على أساس تحليل معمق لاحتياجات كل جهة من جهات المملكة، أخذا بعين الاعتبار المخاطر التي تنطوي عليها، مدعوما بدراسة لأفضل الممارسات والمعايير الدولية في هذا المجال.

التهراوي: المنصات ستعزز قدرة المنظومة الصحية على التدخل السريع في الطوارئ

 

 

أكد وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، أن المنصات الجهوية للمخزون والاحتياطات الأولية التي ستتوفر عليها الجهات ال12 بالمملكة، بأمر من الملك محمد السادس، ستساهم في تعزيز قدرة المنظومة الصحية على التدخل السريع في حالات الطوارئ، وذلك تنفيذا للتعليمات الملكية السامية.

وأوضح التهراوي، في تصريح للصحافة، بمناسبة، إشراف صاحب الملك محمد السادس، بجماعة عامر (عمالة سلا) على إعطاء انطلاقة أشغال إحداث منصة المخزون والاحتياطات الأولية لجهة الرباط- سلا- القنيطرة، أن هذه المنصات سيتم تزويدها بمعدات طبية وصحية متطورة، مما سيمكن من التدخل العاجل في وقت وجيز، والتكفل الفوري بالسكان المتضررين حسب درجة خطورة حالتهم، مع ضمان استمرارية تقديم الخدمات الصحية الأساسية خلال الساعات الأولى من وقوع كارثة محتملة.

وأشار التهراوي إلى أن هذه المنصات الجهوية ستضم، أيضا، تجهيزات متكاملة تشمل وحدات طبية متنقلة على مستوى كل جهة، إلى جانب مراكز طبية متقدمة، فضلا عن توفير الأدوية والمستلزمات الضرورية لمرحلتي التشخيص والاستشفاء.

وسيتم إنجاز المنصات الجهوية الـ12، من خلال تعبئة وعاء عقاري إجمالي تبلغ مساحته 240 هكتارا، لاحتضان 36 مستودعا، موزعة وفقا لمعايير الكثافة السكانية لكل جهة والمخاطر المحتملة، وتهدف المواد والتجهيزات التي سيتم تخزينها بهذه المنصات إلى ضمان، في حالة وقوع كارثة، استجابة سريعة لفائدة السكان المتضررين وتغطية عاجلة ومعقولة للاحتياجات في مجال الإنقاذ والمساعدة والتكفل، وفقا للرؤية الاستباقية للملك محمد السادس.

وفي هذا الصدد، ستغطي هذه المواد والتجهيزات، الموجهة للنشر الفوري بعد الوقوع المحتمل لكارثة طبيعية خدمات الإيواء، وإطعام السكان المتضررين، وتغطية احتياجاتهم من مياه الشرب والكهرباء، والتكفل برعايتهم الصحية، كما يتعلق الأمر، على وجه الخصوص، بتطوير قدرات الإنقاذ والتدخل في حالة وقوع كوارث، وإنشاء مخزونات التجهيزات اللازمة لمواجهة الفيضانات، والإنقاذ في حالات الزلازل والانهيارات الأرضية والطينية، ومكافحة المخاطر الكيماوية، الصناعية أو الإشعاعية.

منصة المخزون الاستراتيجي ترسيخ لنموذج الدولة الاجتماعية

 

في لحظة مفصلية تجسد التحول العميق في فلسفة الدولة المغربية تجاه الأزمات، أُعطيت الانطلاقة الرسمية للمنصة الجهوية للمخزون والاحتياطات الأولية بجماعة عامر بعمالة سلا، تحت إشراف الملك محمد السادس، في إطار تنزيل المشروع الوطني لتعميم هذه المنصات على 12 جهة، بكلفة إجمالية تناهز 7 مليارات درهم.

وهذا الحدث، الذي يحمل رمزية كبرى، لا يمثل مجرد إنجاز لوجستي أو بنية تحتية، بل هو حلقة من رؤية استراتيجية شاملة تضع الإنسان في قلب السياسات العمومية، وتؤكد على أن الدولة لم تعد تنتظر الأزمة كي تتحرك، بل تعمل على صناعة الجاهزية كخيار سيادي ومجتمعي.

لقد أظهرت تجارب السنوات الأخيرة، خاصة أزمة جائحة كورونا وزلزال الحوز، أن الدولة المغربية تبنت تدريجيًا نموذجًا جديدًا في إدارة الطوارئ، يقوم على الاستباق بدل الارتجال، والجاهزية بدل التفاعل المتأخر. فمن مستشفيات ميدانية متطورة خلال الجائحة، إلى سرعة الاستجابة لضحايا الزلزال، إلى إطلاق هذه المنصات متعددة الاختصاصات، يتضح أن المغرب يعيد هندسة علاقته بالأزمات على أسس حديثة ومستدامة.

المنصة التي تم تدشينها بسلا، لا تقتصر وظيفتها على تخزين المؤن والمعدات، بل تمثل مركزًا متعدد المهام، مجهزًا بمستشفيات متنقلة، ومولدات كهرباء، ومحطات تحلية وتصفية مياه، ووحدات بيئية وكيماوية للتدخل في حالات التلوث أو الأوبئة، ما يعكس توسيعًا لمفهوم الأمن إلى ما هو بيئي وصحي وإنساني.

هذا التحول يعكس تنزيل مشروع “الدولة الاجتماعية “، التي لا تكتفي بتقديم الخدمات، بل توفر الحماية الشاملة لمواطنيها، سواء في أوقات الرخاء أو في لحظات الشدة.

بجانب الطابع اللوجستي للمشروع، يظهر بوضوح توجّه الدولة نحو إرساء حكامة متعددة المستويات، حيث يتم تمكين كل جهة من آليات التدخل الخاصة بها، بناء على طبيعة المخاطر المحتملة وعدد السكان وتضاريس المنطقة.

هذا التوزيع يكرّس عدالة مجالية جديدة، تضمن ألا تبقى الاستجابة محصورة في المركز، بل تصبح ممكنة محليًا وجهويًا دون تأخير، بما يُقلّص زمن التدخل ويرفع من كفاءته.

أحد أبرز ملامح هذا المشروع هو الروح التشاركية التي تجمع بين وزارات وقطاعات مختلفة (الداخلية، الصحة، التجهيز، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية)، وبتنسيق مع مصالح القوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية، مما يؤشر إلى أن الدولة لم تعد تُدير الأزمات بشكل متشظٍّ، بل تسعى إلى بناء منظومة وطنية موحدة، حيث تتكامل الأدوار ولا تتقاطع.

هذه المقاربة تؤسس لنموذج حَكامة جديد، يمكن أن يُعتمد ليس فقط في الطوارئ، بل أيضًا في باقي القطاعات الاجتماعية الحيوية، كما أن مشروع المنصات الجهوية يتجاوز نطاق التدخل السريع، ليحمل أبعادًا سيادية واضحة. فاعتماد المغرب على تجهيزات منتجة محليًا، والرهان على موارد وطنية بشرية وتقنية، يقلص من التبعية للأسواق الخارجية، ويمنح الدولة قدرة أكبر على التحكم في وسائل تدخلها أثناء الأزمات، دون انتظار المساعدات أو الأسواق الدولية.

في زمن يعيد فيه العالم تقييم مفاهيم الأمن والسيادة بعد الصدمات الجيوسياسية والصحية، يبعث المغرب برسالة قوية: السيادة تبدأ من القدرة على حماية المواطن، قبل كل شيء، يحرص المشروع على تجاوز المفهوم التقليدي للإغاثة، ليكرّس حق المواطن في العيش الكريم حتى خلال الكارثة. فالخيام ليست مؤقتة ومهترئة، بل مصممة لحماية العائلات من البرد والحر، والمراكز الطبية ليست إسعافات أولية فقط، بل تشمل تخصصات دقيقة قادرة على التدخل في جميع الحالات.

وتؤكد معطيات رسمية أن المنصات الجهوية ستتضمن مخزونًا كافيًا لتغطية ثلاث أضعاف حاجيات السكان في لحظة الأزمة، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ تدبير الطوارئ بالمغرب، كما لا يخفى أن المغرب، من خلال هذا المشروع، بصدد تقديم نموذج جديد في العالمين العربي والإفريقي، يُمكن أن يُحتذى به. فقد انتقل من مرحلة التلقي إلى مرحلة التصدير، كما أظهرت مساهماته في دعم عدد من الدول الإفريقية خلال أزمة كورونا، سواء بالمساعدات الطبية أو بنقل التجربة التنظيمية.

في النهاية، لا يمكن فصل مشروع المنصات الجهوية عن التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب، خاصة في سياق تكريس الدولة الاجتماعية، وتعزيز مقومات الأمن الإنساني، وبناء ثقة جديدة بين المواطن والدولةـ كما إنه مشروع يمزج بين العقلانية الاستراتيجية، والجرأة السياسية، والبُعد الإنساني، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى دولة قوية، ذكية، حاضرة… واستباقية.

5 مخاطر تهدد بحدوث كوارث طبيعية بالمغرب

 

وقعت الحكومة السابقة اتفاق قرض بمبلغ مائة مليون دولار أمريكي، المبرم بين المملكة المغربية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، بخصوص التمويل الإضافي الخاص بدعم التدبير المندمج لمخاطر الكوارث الطبيعية والقدرة على تجاوز آثارها.

وكشفت وثيقة صادرة عن البنك الدولي، بخصوص تقييم برنامج حول قرض بمبلغ 200 مليون دولار أمريكي (حوالي 200 مليار سنتيم) موجه إلى الحكومة المغربية لتمويل الخطة المتكاملة لمواجهة مخاطر الكوارث الطبيعية، أن المغرب مهدد بالكوارث الطبيعية، ما يستدعي اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية لمواجهة الوضع في المستقبل، ووافق البنك الدولي، على تمويل إضافي بقيمة 100 مليون دولار لمساعدة المغرب على مواجهة تداعيات الكوارث الطبيعية بشكل أفضل، وقالت المؤسسة المالية، التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، إن هذا التمويل سيمكن من تعزيز برنامج قائم تبلغ قيمته 200 مليون دولار، يرتكز على المرونة والتدبير المتكامل لمخاطر الكوارث، وذلك من خلال تحسين قدرات المؤسسات المغربية في مجال تدبير مخاطر الكوارث والاستثمار في الحد من المخاطر.

وأوضح البنك الدولي أن المغرب قام، على مدى العقد الماضي، بتحسين إطاره المؤسساتي والسياسي والاستثماري لتدبير مخاطر الكوارث بشكل أفضل، مشيرا إلى أنه من أجل تحسين مرونتها المالية أيضا، قامت المملكة بخلق صندوق للتضامن يهدف إلى التخفيف من التأثير المالي للكوارث الطبيعية على الأسر والمقاولات ووضع مجموعة من الآليات لتقليص ضعفها المالي أمام المخاطر.

وساهم البرنامج الأولي في تعزيز مرونة المغرب في مواجهة الكوارث الطبيعية، كما مكن، بالأساس، من تحويل صندوق مواجهة الطوارئ في حالة الكوارث إلى صندوق وطني للمرونة يمول حاليا بشكل مشترك أكثر من 150 استثمارا استراتيجيا يهدف إلى الحد من المخاطر المناخية، بدءا من البنية التحتية للحماية من الفيضانات وأنظمة المياه والإنذار المبكر، مرورا برسم خرائط المخاطر وتعزيز القدرات. كما دعم البرنامج الأولي استراتيجية وطنية لتدبير مخاطر الكوارث، وهي خطوة أخرى إلى الأمام في تعزيز الإطار المؤسساتي المغربي الذي يؤطر تدبير مخاطر الكوارث.

وحدد برنامج التدبير المندمج للمخاطر، الذي أطلقه المغرب سنة 2009 بدعم من البنك الدولي، لائحة لأهم المخاطر التي يواجهها المغرب، وتم تحديد 5 مخاطر ذات الأولوية، وهي الفيضانات، والزلازل، والتسونامي، والجفاف، والانهيارات الأرضية، وذلك بناء على تقييم أولي، فيما تم إجراء تقييم احتمالي متقدم لهذه المخاطر.

وحسب الوثيقة، فإن المغرب مازال عرضة لعدد من الصدمات الخارجية المختلفة، بما في ذلك الأخطار الطبيعية، وذكرت الوثيقة أن عدة كوارث طبيعية قد أثرت على مجتمعات في جميع أنحاء البلاد في السنوات الأخيرة لأن مخاطر الكوارث الطبيعية في المغرب ذات طبيعة مزمنة وحادة، وتعتبر الفيضانات مشكلة متكررة ومزمنة، وعلاوة على ذلك، يواجه المغرب احتمالات تكرار حوادث حادة واسعة النطاق.

وسجلت وثيقة البنك الدولي، أن المغرب يتعرض لمخاطر ضخمة ومتكررة، كما يواجه احتمال وقوع كوارث كبرى، وإدراكا منه بأن الكوارث يمكن أن يكون لها آثار إنسانية واقتصادية حادة، تضيف الوثيقة، فقد زاد المغرب من استثماراته بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة من أجل التوصل إلى فهم أو تقدير أفضل للتعرض لمخاطر طبيعية بهدف إجراء تقييم أفضل وبالتالي إدارة أفضل لذلك، وفى إطار شراكة طويلة الأمد مع البنك الدولي بشأن إدارة متكاملة للمخاطر، وضع المغرب نمذجة حديثة للغاية لمواجهة خطر الكوارث التي تتعرض لها البلاد وتعتمد النمذجة على نظم المعلومات الجعرافية، تعرف بتقييم مخاطر الكوارث الطبيعية المحتملة في المغرب.

كما أوصت دراسة أنجزتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية حول تدبير حكامة المخاطر والكوارث الطبيعية بالمغرب، بإحداث وزارة خاصة مكلفة بتدبير مختلف المخاطر بالبلاد، وكذلك خلق جهاز تابع لوزارة الداخلية مكلف بتدبير المخاطر التي أصبحت تهدد المغرب، وتكلفه سنويا خسائر مادية جسيمة، وحسب تقرير في الموضوع، فإنه في إطار تكريس استراتجية جديدة خاصة بتدبير حكامة المخاطر والكوارث الطبيعية بالمغرب، خلصت هذه الدراسة، بعد تشخيص ميداني إلى إبراز مكامن القوة والضعف لمنظومة تدبير مخاطر الكوارث الطبيعية في المغرب، وكذا إلى إعداد خارطة الطريق التي تحدد المهام والاختصاصات وآليات الحكامة المقترحة، وقد نصت هذه الدراسة على إحداث إطار وزاري ذي طابع استراتيجي لتدبير المخاطر وخلق جهاز تابع لوزارة الداخلية يعهد إليه بتدبير هذا النوع من المخاطر.

وأوضحت المصادر، أن السياسة العمومية المعتمدة في هذا المجال كانت في البداية قطاعة موجهة بالأساس نحو إدارة الأزمات الناتجة عن الكوارث الطبيعية عند وقوعها بدل الوقاية منها، وذلك بالرغم من أن مختلف القطاعات الوزارية تتوفر مسبقا على مجموعة من المخططات لمواجهتها، كل حسب اختصاصاته، الأمر الذي أبان لاحقا عن نسبية فعالية هذه السياسة في مكافحة آثار الكوارث الطبيعية، وهو ما تؤكده المؤشرات المتعلقة بعدد الوفيات ضحايا هذه الظواهر والتي ظلت في تزايد، بالإضافة إلى ارتفاع الخسائر المادية التي تبلغ في المتوسط 870 مليار سنتيم.

هذا، وأصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريرا حول تقييم تدبير الكوارث الطبيعية، سجل غياب استراتجية حكومية في مجال تدبير المخاطر، رغم أن عدد الكوارث الكبرى قد تضاعف أربع مرات تقريبا ما بين سنة 1980 وسنة 2000، وبـ 22 مرة تقريبا ما بين سنة 2000 وسنة 2014، وأكد المجلس أن وجود هذه الاستراتجية يكتسي أهمية كبرى بالنظر لدورها في الوقاية وتدبير المخاطر، ويسجل في هذا الصدد وجود مجموعة من المخططات القطاعية في ظل غياب استراتيجية وطنية واضحة المعالم، وتحدث التقرير عن وجود مقاربة تعتمد على “رد الفعل” بدل “نهج استباقي”، وأشار التقرير إلى أن وقوع كارثة ذات أثر كبير غالبا ما يكون مناسبة للسلطات الحكومية للتفكير في مشاريع لأجل تأهيل البنيات التحتية المتضررة أو تلك المخصصة للوقاية، وكمثال على ذلك، كان زلزال الحسيمة لسنة 2004 وراء فتح نقاش عمومي موسع حول إشكالية البناء العشوائي والسكن غير اللائق، كما كان وراء إعداد نصوص تنظيمية وطنية جديدة خاصة بالبناء في المناطق المعرضة للزلازل.

ثلاثة أسئلة لسعيد الخمري *

 

«المغرب ليس بمنأى عن الأزمات وإحداث منصة للمخزون الاستراتيجي بالجهات رؤية استراتيجية للمملكة»

 

1- ما أهمية إنشاء منصات للمخزون والاحتياطات الأولية في ظل الأوضاع الحالية؟

بالتأكيد وفي ظل الأزمات التي أضحى يعيشها العالم اليوم، والمغرب ليس في معزل عنها، سواء كانت أزمات طبيعية أو ناجمة لا قدر الله عن حوادث أو كوارث معينة، أو إلى ما لا ذلك، فإن إحداث منصة للمخزون الاستراتيجي على مستوى جهات المملكة، يجسد رؤية استراتيجية لدى الدولة المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس، وهذا التوجه يجسد كذلك التجربة التي أضحى يتوفر عليها المغرب في ما يخص تدبير الأزمات، وبالخصوص الأزمات الطبيعية، وهو الأمر الذي بدا واضحا خلال أزمة كورونا، وكيف تمكن المغرب من تخطيها، بل إن المغرب جسد خلال تلك الأزمة مكانته كقوة إقليمية، ودولة متماسكة الأركان ومتراصة المقومات في مواجهة هكذا أزمات، في الوقت الذي تأثرت فيه بشكل كبير العديد من الدول، بما فيها دول شرق وغرب أوروبا والتي عانت وعاشت عدم الاستقرار، والمغرب إبان تلك الأزمة، لم يوفق فقط في تجاوزها، بل إنه كان يلعب دورا مساعدا، ودورا تضامنيا مع العديد من البلدان، سواء في القارة الإفريقية، وأيضا حتى في أوروبا.

هذا بالإضافة إلى الطريقة التي دبر بها المغرب مخلفات وتداعيات زلزال الحوز، وقبله بسنوات زلزال الحسيمة، والتي جسد البعد التضامني والمؤسساتي القوي، وبالتالي فنحن أمام دولة متمرسة في تدبير مثل هذه الأزمات، كما أن الإعلان أن هذا المركز لن يكون الأول، بل سيتم تعميم التجربة على باقي جهات المملكة الاثنتي عشرة، يدل على البعد الاستراتيجي للدولة المغربية في توقع واستباق الأزمات، كما ينم كذلك عن نوع من العدالة المجالية في تدبير وتبني توجه استباقي في مواجهة الأزمات في المستقبل لا قدر الله.

وعموما يجب التأكيد على أنه في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية وتداعيات الأزمات الصحية والاقتصادية، أصبح إنشاء منصات للمخزون الاستراتيجي أحد المحاور الأساسية في السياسات العمومية بالبلاد، وتأتي هذه المبادرات في إطار السعي إلى تعزيز السياسة اللوجستية، وضمان تزويد السوق الوطنية بالمواد الحيوية في حالات الطوارئ أو التقلبات الدولية، وهذه المبادرة ليست وليدة اللحظة، حيث تم الشروع في إعداد تصور متكامل لإنشاء منصات جهوية لتخزين المواد الأساسية، تشمل على وجه الخصوص المواد الطاقية، والمنتجات الغذائية الأساسية، والمستلزمات الطبية، وهو الأمر الذي كان قد دعا إليه الملك محمد السادس في خطاب سابق.

 

2- ماذا بخصوص تدبير هذه المنصات والاحتياطات؟

أولا، يجب أن ننتبه إلى مسألة أساسية، وهي أن تدبير الأزمات هي مسألة من شأن الدولة وهذا لا يعني أن الحكومة لا تشارك فيه، بل إن الحكومة تدبر السياسة العامة للدولة كما تم وضعها من قبل جلالة الملك من خلال ترؤسه للمجالس الوزارية هذا من جهة، من جهة ثانية، ففي لحظة الأزمات نلاحظ أن الجهة التي تتكفل في الغالب، هي الداخلية إلى جانب الجيش، وهنا يجب أن نؤكد وبكل موضوعية أن وزارة الداخلية هي الإدارة الأكثر تنظيما وهي الإدارة الأوفر من حيث العنصر البشري ومن حيث الدربة، ومن حيث توفرها على الكفاءات التقنية وعلى ما يكفي من الموارد البشرية، وهذا لا يعني أن باقي الوزارات لا تتدخل، بل قد تتدخل في لحظة الكوارث الطبيعية أو الأزمات الصحية، كما كان الأمر في تدبير أزمة وباء كورونا، حيث كانت الداخلية تدبر من الناحية الإدارية، ولكن كانت وزارة الصحة صاحبة الحضور القوي أيضا من خلال توفرها على العناصر البشرية ذات الدربة في المجال الصحي.

إن هذا التفاعل المؤسساتي يعكس طبيعة الدولة المركبة، وتعدد المستويات في اتخاذ القرار وتنفيذه. فالدولة ليست جسما أحادي المركز، بل هي شبكة من المؤسسات التي تتكامل أدوارها، وفق حجم الأزمة وطبيعتها.

وفي المحصلة، فإن فعالية تدبير الأزمات لا تقاس فقط بسرعة الرد، بل أيضا بقدرة الدولة على تنسيق مؤسساتها، واستباق المخاطر، وبناء الثقة مع المواطنين، وهذا ما يتطلب تعزيز الاستثمار في القدرات البشرية، وضمان الحكامة الجيدة داخل الإدارة العمومية، وتطوير آليات اشتغالها بما يتماشى مع متطلبات المرحلة.

 

3- انطلاقا من التجارب السابقة، ما تقيمك لتجربة المغرب في تدبير الأزمات؟

لقد شكلت أزمة «كوفيد-19» لحظة اختبار حقيقية لمدى جاهزية الدول وقدرتها على تدبير الأزمات المركبة. وفي هذا السياق، برز النموذج المغربي باعتباره تجربة جديرة بالتأمل، ليس فقط من حيث الإجراءات الوقائية والاحترازية، ولكن أيضا من حيث النجاعة في تنسيق الجهود وتعبئة الطاقات المؤسساتية بشكل استباقي.

لقد استطاع المغرب، بفضل تضافر جهود الحكومة وتدخل الوزارات المعنية، وتنسيق عمل القطاعات الحيوية والمتخصصة، أن يواجه الجائحة بمنطق الوقاية والتدبير المتدرج، وهو ما تجلى في عدد من المبادرات الرائدة، من بينها إحداث مستشفيات ميدانية ومتنقلة في وقت قياسي، ما سمح بتوسيع الطاقة الاستيعابية للمنظومة الصحية وتفادي انهيارها، بل إن عددا من الأسرة بقي غير مستعمل نتيجة فعالية الإجراءات الوقائية وسرعة التدخل.

ولم يتوقف الأداء المغربي عند حدود تدبير الأزمة داخليا، بل تجاوز ذلك إلى مبادرات تضامنية إقليمية، حيث بادر المغرب إلى تقديم مساعدات طبية إلى الدول الإفريقية التي كانت تواجه الوضع الوبائي نفسه، في خطوة تعكس البعد الإنساني والسياسي للدبلوماسية الصحية المغربية.

إن هذه التجربة تؤكد أن المغرب، برعاية ملكية سامية، يتجه بخطى ثابتة نحو استكمال مشروع الدولة الاجتماعية، وهي دولة لا تضع الاقتصاد أو الأمن فقط في قلب أولوياتها، بل تجعل المواطن محور السياسات العمومية وهدفها الأسمى، من خلال ضمان الحماية الاجتماعية، وتيسير الولوج إلى الخدمات الأساسية، وبناء مؤسسات قادرة على التفاعل السريع مع الطوارئ دون ارتباك أو تأخر، ومن خلال هذا المسار، يبدو أن المغرب بصدد ترسيخ نموذج تنموي جديد يوازن بين البعد الاجتماعي والبنية المؤسساتية الصلبة، في أفق بناء دولة متماسكة قادرة على الصمود أمام التحديات وتحقيق الكرامة والعدالة لمواطنيها.

*أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بالمحمدية

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى