مواجهة مفتوحة بين المحامين وعبد اللطيف وهبي
تفاصيل ومستجدات القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة

دخل المحامون في مواجهة مفتوحة مع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، على خلفية تمرير القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة، ويؤكد المحامون أن أي تعديل يجب أن يتم بمقاربة تشاركية حقيقية تحترم المكتسبات المهنية، وتضمن دور المحامي كطرف أساسي في ضمان العدالة وحماية حقوق المواطنين، ومن جهتها شددت الحكومة على أن الإطار التشريعي يظل المنصة الطبيعية لمناقشة المشروع وتعديله، وأن باب الحوار سيظل مفتوحا أمام جميع الفاعلين المهنيين والمؤسساتيين. تهدف هذه المقاربة إلى التوصل إلى صياغة متوازنة بين متطلبات الإصلاح التشريعي، والحفاظ على استقلالية المحاماة، وصيانة حقوق الدفاع والمتقاضين، لكن التطورات الأخيرة تؤكد أن هذه المواجهة لن تحسم بسهولة، وأن الحوار المؤسساتي يظل السبيل الأمثل لتجنب أي توتر إضافي، بما يضمن استمرار تقديم خدمات الدفاع للمواطنين دون تعطيل، وحماية المهنة من أي قيود تشريعية قد تُضعف استقلاليتها.
إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي
تحظى مهنة المحاماة بالمغرب بمكانة كبيرة داخل منظومة العدالة، باعتبارها الضامن الأساسي لأهم حق من الحقوق التي يكفلها الدستور للمتقاضين وهو الحق في الدفاع الذي يعتبر أهم شروط المحاكمة العادلة، وبالنظر إلى دورها الهام في تصريف العدالة وإسهامها في تصحيح المراكز القانونية للأفراد ورفع كل حيف أو جور أو تعسف، بالإضافة إلى تعزيز ركائز دولة الحق والقانون استنادا إلى الطابع الحقوقي الذي يميزها.
ووعيا بأهمية هذه المهنة، عرفت أول تنظيم لها بموجب الظهير الشريف الصادر في 12 غشت 1913، ثم تعاقبت على تنظيمها عدة قوانين آخرها القانون رقم 28.08 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 من شوال 1429 20 أكتوبر 2008.
وبعد مرور 17 سنة على دخول القانون رقم 28.08 المذكور حيز التنفيذ، قررت وزارة العدل مراجعة هذا القانون وتعديله، وأكدت الوزارة أنها باشرت حوارا مسؤولا مع كافة الجهات المعنية والهيئات التمثيلية، والاستماع لتصوراتها ومقترحاتها بشأن مراجعة هذا القانون، وتطلعات المحامين بشأن مستقبل المهنة وتأهيلها، وأسفر هذا الحوار عن إعداد مشروع قانون جديد للمهنة يراجع بصفة كلية القانون الحالي.
تأهيل مهنة المحاماة
سعيا إلى الارتقاء بمعايير وشروط ولوج وممارسة مهنة المحاماة، تم التنصيص في مشروع هذا القانون على اعتماد نظام المباراة للولوج إلى المهنة بدلا من نظام الامتحان المنصوص عليه في القانون الحالي ساري النفاذ، بهدف وضع وسائل عملية للتحكم في أعداد الوافدين إلى المهنة وتمكينهم من الحصول على التكوين اللازم لهم، واستقطاب أجود الكفاءات.
واعتبارا لأهمية التكوين في تأهيل المحامين والارتقاء بمستوى أدائهم، جرى التنصيص على أن المترشح، الذي يجتاز بنجاح مباراة ولوج المهنة، يكتسب صفة طالب ويقضي بهذه الصفة فترة تكوين أساسي لمدة سنة واحدة بمعهد التكوين، يتلقى خلالها تكوينا نظريا ثم تمرينا لمدة أربعة وعشرين (24) شهرا تحت إشراف هيئة المحامين المعنية تتضمن عشرين (20) شهرا بمكتب محام يعينه النقيب وتدريبا لمدة أربعة (4) أشهر في مجال ذي صلة بممارسة مهنة المحاماة بإحدى الإدارات أو المؤسسات العمومية أو باقي أشخاص القانون العام أو المقاولات العمومية. ويجتاز المحامي المتمرن، بعد قضاء فترة التمرين، امتحان نهاية التمرين ويحصل بعد نجاحه على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة.
وإلى جانب ذلك جرى التنصيص على مقتضيات جديدة تهم الجانب المتعلق بالتكوين من خلال إسناد دور أكثر أهمية للمعهد يتمثل في توفير التكوين التخصصي لفائدة المحامين الممارسين قصد تمكينهم من تطوير خبراتهم بما يمكنهم من مسايرة التطورات والتحولات التي تعرفها التشريعات الوطنية والدولية في مجال المحاماة والعدالة، ومنحهم شهادة يكتسبون بموجبها صفة محامين متخصصين.
وسعيا إلى جعل تكوين المحامين أداة للارتقاء بقدراتهم المهنية وتأهيلهم لمواكبة المستجدات المتعلقة بالممارسة المهنية، تم التنصيص على إلزامية خضوع المحامين لتكوين مستمر واعتبار كل إخلال بهذا الواجب إخلالا مهنيا.
وسعيا إلى منح صفة الترافع أمام محكمة النقض لفائدة المحامين من ذوي الكفاءة والتجربة العاليتين بما يضمن جودة المقالات والمذكرات المقدمة أمام هذه المحكمة، تمت مراجعة شرط المدة المطلوبة للتسجيل في جدول المحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض إلى 15 سنة، مع التنصيص على ضرورة خضوع المحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض لتكوين مستمر لمدة 20 ساعة على الأقل سنويا. وذلك ضمن دورات التكوين المنظمة بتنسيق بين المعهد ومجلس الهيئة المعنية.
كيفية مزاولة مهنة المحاماة
تضمن مشروع هذا القانون مستجدات هامة في مجال أشكال ممارسة المهنة تروم إعطاءها كافة الإمكانات المتاحة لتسهيل مزاولتها خاصة بالنسبة للمحامين الجدد في بداية مسارهم المهني، مع فتح آفاق جديدة أمامهم بالانفتاح على المحامين الأجانب، وذلك من خلال التنصيص على إمكانية مزاولة المحامي للمهنة بصفة فردية أو مع غيره من المحامين في إطار عقد مشاركة مع محام آخر مسجل بالهيئة نفسها أو عقد شراكة مع محام آخر مسجل بهيئة أخرى شريطة الا يتجاوز عددهم محاميين اثنين أو في إطار عقد مساكنة مع محام آخر مسجل بالهيئة نفسها أو في إطار شركة مدنية مهنية أو بصفته محاميا مساعدا.
وجرى التنصيص، كذلك، على إمكانية إبرام المحامي لعقد تعاون مع محام أجنبي أو مع شركة مهنية أجنبية للمحاماة، وتم التنصيص على مقتضيات تهم ضبط ممارسة المهنة في هذا الإطار، وذلك بالتأشير على العقد المذكور من طرف نقيب الهيئة التي ينتمي إليها المحامي الوطني.
وعلى مستوى مزاولة المهنة من طرف المحامين الأجانب، تضمن المشروع مقتضيات تروم وضع الضوابط اللازمة لمزاولة مهامهم بهدف تشجيع الاستثمار الخارجي، وذلك من خلال التنصيص على عدم السماح للمحامي غير الحامل للجنسية المغربية، الذي يزاول المهنة في بلد أجنبي يرتبط مع المغرب باتفاقية تسمح لمواطني كل من الدولتين المتعاقدتين بمزاولة المهنة في الدولة الأخرى، بالقيام بمهام المهنة إلا إذا كان مسجلا في أحد جداول هيئات المحامين بالمغرب، وذلك بهدف إخضاع هؤلاء المحامين للضوابط القانونية المؤطرة لممارسة مهنة المحاماة واحترام أعرافها وتقاليدها.
وفي الشأن نفسه، وبناء على الاعتبارات المذكورة ذاتها، تم التنصيص على إمكانية الإذن من طرف وزير العدل بصفة استثنائية لمكتب محاماة أجنبي لا يرتبط بلده الأصلي باتفاقية مع المملكة المغربية بممارسة مهام المهنة، شريطة أن يكون مرتبطا بعقد مع شركة أجنبية لها بالمملكة المغربية مشروع استثماري أو صفقة، وأن يسجل بلائحة مستقلة لدى هيئة المحامين التي ينفذ بدائرة نفوذها المشروع أو الصفقة، وأن لا يمارس مهام المهنة خارج نطاق المشروع الاستثماري أو الصفقة، وإذا كان لهذا المشروع الاستثماري أو الصفقة امتداد بعدة مدن وجب على مكتب المحاماة الأجنبي التسجيل بلائحة مستقلة بهيئة المحامين بالرباط.
وجرى التنصيص، أيضا، على أن انتهاء آثار الإذن الصادر عن وزير العدل لمكتب المحاماة الأجنبي بانتهاء المشروع الاستثماري أو الصفقة، مع إخبار وزير العدل بذلك من طرف نقيب الهيئة المسجل بها مكتب المحاماة المذكور.
وسعيا إلى ضبط علاقة المحامي بموكله، ودعم آليات تعزيز ثقة المواطنين في الدفاع وتلافي جميع الإشكالات التي تثار بشأن نيابة المحامي، تم التنصيص لأول مرة على أنه يتعين على المحامي أن يتوفر على تكليف مكتوب من موكله يتضمن مجموعة من البيانات، من بينها الاسم الكامل للموكل والاسم الكامل للمحامي ورقم ملف القضية المكلف بها إن وجد، ومرحلة التقاضي المتفق عليها، وموضوع القضية وكيفية أداء الأتعاب عند الاقتضاء، مع إمكانية إضافة شروط أخرى يتفق عليها الأطراف.
وتم التنصيص، كذلك، على اعتبار إقرار المؤازر أو الموكل أمام جهة قضائية باسم المحامي المختار من طرفه بمثابة تكليف وتضمين هذا الإقرار بمحضر خاص.
تعزيز حصانة الدفاع
تضمن هذا المشروع مقتضيات جديدة تروم تعزيز حصانة الدفاع وذلك من خلال التنصيص على أنه في حالة اعتقال المحامي أو وضعه تحت تدبير الحراسة النظرية يجب إشعار نقيب هيئة المحامين الواقعة بالدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف حيث وقع الاعتقال وذلك بجميع الوسائل المتاحة، وعدم الاستماع إلى المحامي المعني، إذا كان الاعتقال يسبب مرتبط بممارسة المهنة إلا من طرف النيابة العامة بحضور النقيب أو من ينتدبه لذلك، وفي حالة تعذر إشعار النقيب لأي سبب من الأسباب ضمن ذلك في المحضر وجوبا.
ولتعزيز ضمانات حصانة الدفاع ومنع أي تطاول عليها بانتحال صفة المحامي، فقد تم التنصيص على إلزامية ارتداء المحامي بذلته المهنية عند حضوره أمام الهيئات القضائية أو التأديبية وكذا عند ولوجه للمحكمة في إطار ممارسته لمهامه احتراما للتقاليد والأعراف المهنية النبيلة التي تعارف عليها المحامون وتقوي حضورهم داخل منظومة العدالة والتي يتعين ترسيخها وضمان استمراريتها بتوثيقها والسهر على التشيع بها.
وفي نفس الشأن تم التنصيص على منع المحامين من تنظيم الوقفات الاحتجاجية ورفع الشعارات داخل فضاءات المحاكم في وقت انعقاد الجلسات والتشويش على السير العادي لها.
تعزيز فعالية وحياد المسطرة التأديبية
في إطار تعزيز فعالية وحياد مسطرة تأديب المحامين وتحسين نجاعتها، مع إحاطتها بكافة الضمانات الفائدة المحامي الذي قد يرتكب مخالفة للنصوص القانونية أو التنظيمية أو قواعد المهنة، تم التنصيص على وجوب اتخاذ النقيب قرارا بشأن الشكايات التي يتوصل بها في مواجهة محام بالمتابعة من عدمها داخل أجل شهر واحد ابتداء من تاريخ التوصل، مع تحويل الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف حق المنازعة أمام مجلس الهيئة على قرار الحفظ الصريح مع وجوب بت المجلس داخل أجل شهرين ابتداء من تقديم المنازعة، بعد الاستماع إلى جميع الأطراف.
وسعيا إلى تعزيز ضمانات الوقوف على حقيقة الادعاءات المنسوبة إلى المحامي المشتكى به تم التنصيص على تعيين عضو مقرر أو أكثر من أعضاء مجلس الهيئة في حالة قرر هذا الأخير إجراء المتابعة، يتولى إجراء تحقيق حضوري مع المحامي المتابع. وبهدف توفير ضمانات المحاكمة العدالة في المتابعة التأديبية، تم التنصيص على حق المحامي المتابع في الاطلاع على ملف القضية والحصول على نسخ من وثائقه، والاستعانة بمحام أو أكثر لمؤازرته.
وتجدر الإشارة إلى أنه تم التنصيص على إمكانية إيقاف البت في الشكاية وحفظها في حالة تنازل المشتكي عن شكايته، قبل بت مجلس الهيئة في موضوعها.
ولمعالجة الإشكالات التي تقوض نجاعة وفعالية المسطرة التاديبية، ثم التنصيص على تحويل كل من الوكيل العام للملك والمحامي المعني حق الطعن أمام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف المختصة في القرار التأديبي في القضية.
كما تم التنصيص على إحداث بطاقة شخصية لكل محام رسميا كان أو متمرنا، تعمك من طرف كل هيئة للمحامين، وتقيد فيها كل المقررات التأديبية الصادرة ضده، ومالها. ووضعية تنفيذها، وتضم إلى الملف المهني للمعني بالأمر، مع إحالة نظير منها في حالة انتقاله إلى هيئة أخرى.
مستجدات لتنظيم مهنة المحاماة
تضمن هذا المشروع مستجدا هاما يروم تقوية الإطار المؤسساتي للمهنة بهدف تسهيل عملية التواصل والتفاعل مع مخاطب يمثل المهنة وذلك بالتنصيص على إحداث مجلس هيئات المحامين يضم جميع هيئات المحامين ويعتبر الممثل الوحيد لها أمام السلطات والهيئات والإدارات العمومية المركزية، وذلك في كل ما يتجاوز نطاق مهام هيئات المحامين.
ويمنح مشروع القانون عدة صلاحيات للمجلس، منها اتخاذ قرار تأسيس هيئة محامين جديدة، ووضع التصورات العامة للتكوين الأساسي والمستمر الموجه الفائقة المحامين بتنسيق مع مجالس الهيئات المذكورة والمعهد، وإبداء الرأي فيما يعرض عليه من مسائل تتعلق بمزاولة المهنة ومنظومة العدالة، وإنشاء وإدارة مشاريع اجتماعية لفائدة المحامين وتوفير الموارد الضرورية الضمان الإعانات والمعاشات لهم أو لذويهم، بالإضافة إلى وضع مدونة الأخلاقيات المهنة، ووضع نظام موحد لتدبير حساب ودائع وأداءات المحامين وتعديله عند الاقتضاء بتنسيق مع الهيئات، فضلا عن إعداد تقارير حول شؤون المهنة ومنظومة العدالة وتقديم مقترحات لتحسين ظروف العمل وتوجيهها إلى السلطات المعنية.
ولتمكين هذا المجلس من أداء مهامه وتمثيل المهنة بشكل فعال، تم التنصيص على تمتيعه بالشخصية الاعتبارية وبالاستقلال المالي، مع ضمان تمثيلية مناسبة للنساء المحاميات ضمن أعضاءه، وعلى مستوى هيئات المحامين تم التنصيص لأول مرة على مقتضيات تروم تمثيلية النساء المحاميات بمجالس هيئات المحامين
وتفعيلا لتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة بمراجعة شروط الترشيح لمنصب النقيب، ثم التنصيص على حصر مدة انتخاب النقيب في ولاية واحدة فقط غير قابلة للتجديد.
وبهدف تقوية الإطار القانوني المنظم لهيئات المحامين ثم التنصيص على الرفع من النصاب القانوني اللازم لإحداث هيئة للمحامين إلى 500 محامي على الأقل، كما تم تعديل عدد المحامين المسجلين بالهيئات المطلوب لتحديد عدد أعضاء المجالس.
الصراع بين وهبي والمحامين.. خلاف يتجاوز النصوص
لم يعد الخلاف القائم بين هيئات المحامين ووزارة العدل مجرد نقاش تقني حول مضامين قانونية أو اختلاف في وجهات النظر بشأن إصلاح المهنة، بل تحوّل إلى صراع مفتوح يعكس توتراً أعمق داخل منظومة العدالة، ويطرح أسئلة جوهرية حول استقلال مهنة المحاماة، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم المهن القضائية.
هذا التوتر يجد جذوره في سياق سياسي وحقوقي عام يتسم، بحسب عدد من الفاعلين، بتراجع منسوب الحريات، وتضييق الفضاء الحقوقي، وارتفاع منسوب القلق بشأن ضمانات المحاكمة العادلة. وفي مثل هذا السياق، تبرز المحاماة كمهنة إزعاج بطبيعتها، لأنها تقف في الواجهة للدفاع عن الأفراد والجماعات في مواجهة السلطة، وتتصدى لاختلالات السياسات العمومية من زاوية قانونية وحقوقية.
المحاماة كسلطة موازية داخل منظومة العدالة
تاريخياً، لم تكن مهنة المحاماة مجرد نشاط مهني تقني، بل لعبت أدواراً مركزية في بناء دولة القانون، والدفاع عن الحقوق والحريات، والمرافعة من أجل استقلال القضاء. هذا الدور جعلها تُصنَّف، في نظر عدد من صناع القرار، كسلطة موازية داخل منظومة العدالة، وهو ما يفسر، جزئياً، محاولات تطويقها أو إعادة ضبطها عبر نصوص تشريعية جديدة.
ويرى محامون أن التوجه السياسي للحكومة الحالية لا ينسجم مع القيم التي تؤسس لمهنة الدفاع، باعتبارها مهنة مستقلة، تتمتع بحصانة تنظيمية، وتشتغل بمنطق التنظيم الذاتي، بعيداً عن وصاية السلطة التنفيذية. وهو ما جعل العلاقة مع وزارة العدل تتخذ، في الفترة الأخيرة، طابعاً تصادمياً.
لا ينفصل هذا الصراع، بحسب عدد من الفاعلين المهنيين، عن طبيعة العلاقة الشخصية والمؤسساتية التي تجمع المحامين بوزير العدل. إذ يُنظر إلى الوزير داخل أوساط المهنة كشخصية صدامية، تفتقر إلى منطق الحوار الهادئ، ولا تحظى بالثقة اللازمة لتنزيل التزاماتها تجاه هيئات الدفاع.
ويشير محامون إلى أن تصريحات الوزير المتكررة، والتي تضمنت في بعض الأحيان انتقادات مباشرة أو غير مباشرة للمحامين، ساهمت في تعميق أزمة الثقة، وأعطت الانطباع بوجود موقف سلبي مسبق تجاه المهنة. كما يعتبرون أن الوزير لا يعترف بما قدمته المحاماة من تضحيات تاريخية في الدفاع عن الحقوق والحريات، ولا يثمّن دورها داخل منظومة العدالة.
مشروع قانون مهنة المحاماة.. نقطة التحول
بلغ هذا الخلاف ذروته مع طرح مشروع قانون مهنة المحاماة، الذي اعتبره الجسم المهني أخطر نص تشريعي يهدد المهنة منذ عقود. فبدل أن يأتي المشروع لتعزيز استقلالية المحاماة وتطوير شروط اشتغالها، حمل في طياته، بحسب المحامين، تراجعات جوهرية عن مكتسبات راسخة، ومقتضيات تمس بشكل مباشر بالتنظيم الذاتي للمهنة.
الأخطر، في نظر هيئات الدفاع، ليس فقط مضمون المشروع، بل أيضاً المنهجية التي اعتمدت في إعداده، حيث تم تغييب المحامين عن المراحل الحاسمة لصياغته، في تعارض صريح مع مبدأ المقاربة التشاركية المنصوص عليه دستورياً.
الولوج إلى المهنة تحت وصاية وزارة العدل
من أبرز المستجدات التي أثارت غضب المحامين، ما يتعلق بمسطرة الولوج إلى مهنة المحاماة. إذ ينص المشروع على إحداث معهد خاص يلتحق به الحاصلون على شهادة الأهلية، كطلبة، لمدة سنة كاملة، يخضعون خلالها لتكوين تشرف عليه وزارة العدل، التي تتولى إعداد المقررات الدراسية والإشراف على البرامج التكوينية.
ويرى المحامون في هذا المقتضى تكريساً لوصاية مباشرة لوزارة العدل على التكوين المهني، وضرباً لمبدأ استقلال المهنة، معتبرين أن التكوين يجب أن يظل من اختصاص الهيئات المهنية، لا أداة بيد السلطة التنفيذية.
تمرين طويل وتدخل مباشر في مساره
بعد مرحلة التكوين، يفرض المشروع فترة تمرين تمتد لثلاث سنوات، يقضي منها المتمرن عشرين شهراً داخل مكتب محامٍ ممارس، وأربعة أشهر داخل إحدى مؤسسات الدولة. غير أن النقطة الأكثر إثارة للجدل، تتمثل في منح وزير العدل صلاحية تمديد مدة التمرين لسنة إضافية في حال عدم اجتياز امتحان نهاية التمرين بنجاح.
هذا المقتضى اعتبره المحامون تدخلاً سافراً في اختصاصات هيئات المحامين، التي كانت تاريخياً الجهة المخول لها تتبع أوضاع المتمرنين وتقييم أدائهم، ونسفاً لمبدأ التنظيم الذاتي الذي يشكل جوهر استقلال المهنة.
تضييق على الشباب وامتيازات لفئات أخرى
في الوقت الذي شدد فيه المشروع شروط الولوج إلى المهنة بالنسبة للطلبة، من خلال اشتراط شهادة الماستر وتخفيض السن الأقصى للترشح إلى أربعين سنة بدل 45، فتح الباب، في المقابل، أمام فئات أخرى للالتحاق بالمهنة بشروط ميسّرة.
فقد سهّل المشروع اندماج القضاة السابقين، وأساتذة التعليم العالي، وبعض فئات الموظفين، إضافة إلى المحامين الأجانب، وهو ما اعتُبر إخلالاً بمبدأ تكافؤ الفرص، وضرباً لحق الشباب في الولوج العادل إلى المهنة.
مقتضيات شكلية تعقّد ولوج العدالة
ومن بين النقاط المثيرة للانتقاد أيضاً، فرض شروط جديدة لتكليف المحامي في القضايا، عبر اشتراط تكليف مسبق ومحدد بشروط شكلية معينة. ويرى مهنيون أن هذه المقتضيات لا تخدم المتقاضين، بل تعقّد ولوجهم إلى العدالة، خاصة في القضايا التي تتعدد فيها المساطر أو تتغير طبيعتها.
كما انتقد المحامون ما وصفوه بـ“الحشو التشريعي”، عبر إدراج مقتضيات لا تضيف قيمة حقيقية للمهنة، بل تضعفها وتثقل كاهل الممارسة اليومية.
المحامي الأجنبي في صلب الجدل
أحد أكثر المقتضيات إثارة للجدل، ما ورد في المادة 11 من المشروع، التي تسمح للمحامين الأجانب غير الحاصلين على شهادة الكفاءة في بلدانهم الأصلية، بالخضوع لاختبار في القانون المغربي، يتم تحديد كيفياته بنص تنظيمي، قصد الترخيص لهم بمزاولة المهنة بالمغرب.
ويرى المحامون أن هذا المقتضى يفتح الباب أمام منافسة غير متكافئة، دون توفير أي ضمانات حقيقية لحماية المحامي المغربي، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل المهنة داخل الوطن.
منهجية مرفوضة وإصلاح محل شك
على مستوى المنهجية، تؤكد هيئات المحامين رفضها التام للطريقة التي اعتمدتها وزارة العدل في إعداد المشروع، معتبرة أنه صيغ بعيداً عن أي تشاور حقيقي، وبمنطق فوقي لا ينسجم مع مبادئ الحكامة الجيدة.
وفي المحصلة، يرى المحامون أن مشروع قانون مهنة المحاماة، بصيغته الحالية، لا يمثل إصلاحاً بقدر ما يشكل تراجعاً خطيراً عن مكتسبات دستورية ومهنية، وتهديداً مباشراً لاستقلال مهنة الدفاع.
وبين إصرار الوزارة على تمرير المشروع، وتمسك المحامين بمواصلة نضالهم المهني، يبقى الرهان الحقيقي هو مستقبل العدالة، وحق المواطن في محاكمة عادلة، تضمن له الدفاع الحر والمستقل، بعيداً عن أي وصاية أو حسابات سياسية ضيقة.
يوسف عبد القاوي: مشروع قانون المحاماة الجديد ضربة مباشرة لاستقلالية المهنة وحصانة الدفاع
في خضم النقاش القانوني والمهني الدائر حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، تتصاعد أصوات تحذيرية من داخل هيئات المحامين تنذر بمخاطر جسيمة على جوهر المهنة وضمانات العدالة. وللوقوف على تفاصيل هذه الانتقادات، تحاور «الأخبار» الأستاذ يوسف عبد القاوي، كاتب مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء، الذي يرى في هذا المشروع «تراجعات خطيرة» تمسّ باستقلالية المهنة وتحول المحامي من «مدافع حر» إلى شبه «موظف عمومي».. هذا الحوار يناقش أبرز الثغرات والمخاطر التي يحملها النص المقترح.
بداية، كيف تقيمون جوهر مشروع القانون رقم 66.23 بشكل إجمالي؟
المشروع، للأسف، لا يأتي في سياق تطويري أو تحديثي حقيقي، بل يُشكّل تراجعا خطيرا وممنهجا عن المبادئ التاريخية التي قامت عليها مهنة المحاماة الحرة المستقلة. هو محاولة لإعادة هندسة العلاقة بين الهيئة والسلطة التنفيذية، لصالح الأخيرة، عبر توغل وزارة العدل في صميم الشأن المهني الداخلي. نحن أمام تحول جذري من نموذج «الهيئة الحرة» التي تدير شؤونها ذاتيا وتراقب منتسبيها، إلى نموذج «الهيئة المهنية المنظمة بموجب قانون إداري صارم» تحت الوصاية المباشرة للوزارة، وهذا المسار يهدد أحد أركان دولة الحق والقانون وهو دفاع حر ومستقل.
من أبرز الانتقادات تداول مصطلح «النخبوية» وإقصاء الشباب، على ماذا تستندون؟
النص الجديد يكرس تجميد القيادة ويقصي الجيل الجديد من مراكز القرار بطريقة ممنهجة. اشتراط «20 سنة أقدمية» للترشح لمنصب النقيب، وتخصيص ثلثي مقاعد مجلس الهيئة لهذه الفئة شرط تعجيزي غير مسبوق. الأكثر خطورة اشتراط «ولايتين سابقتين في عضوية المجلس» للترشح للنقابة. هذا ينتج دائرة مغلقة من القيادات، ويبعِد كفاءات شابة وقادرة ربما لم ترغب أو تتح لها فرصة الخوض في المعترك الانتخابي سابقا. المهنة تحتاج إلى تجديد الدماء والأفكار، وهذا المشروع يقفل الباب أمام ذلك.
يمكن أن يرى البعض في نقل «مركز الثقل» في التمرين والتسجيل إلى وزارة العدل ضبطا للجودة وإشرافا للدولة. كيف ترون الأمر؟
هذا أخطر مقتضى في المشروع على الإطلاق. فهو ينزع الصلاحية النهائية في قبول المحامي الجديد (التسجيل في الجدول) من مجلس الهيئة – الذي يعرفه ويعرف ظروف تدريبه – ويسلمه لجهة إدارية هي وزارة العدل. بذلك، يتحول المحامي من «منتسب حر إلى هيئة مستقلة» إلى أشبه بـ«موظف عمومي» يحتاج إلى ترخيص إداري للعمل. هذه ضربة قاضية لمبدأ استقلال المحاماة عن السلطة التنفيذية. كيف يمكن لمحام أن يدافع بكل حرية وشجاعة ضد تعسف إداري أو انتهاكات، وهو يعلم أن جهة الطرف الآخر (السلطة التنفيذية) هي من منحته الترخيص بمزاولة المهنة في الأساس؟!
المشروع يعتزم فرض آجال قصيرة للبت في الملفات. أليس من شأن هذا تسريع الإجراءات وإنهاء التأخير؟
الظاهر براق، لكن الجوهر خطير. الآجال القصيرة (شهر وثلاثة أشهر) للبت في الملفات المعقدة، من قبيل الانتقال أو التأديب، تضغط على المجلس والنقيب وتفرغ الدراسة من عمقها، ما قد يؤدي إلى قرارات متسرعة. الأشد إشكالا هو إلغاء «إحالة الملف من جديد على المجلس» من قبل الغرفة المختصة. يعني ذلك أن القضاء أصبحت له سلطة تصحيح فورية وتدخل مباشر في قرار داخلي للهيئة، ما يقلص هامش استقلاليتها الذاتية في تدبير شؤونها. إنه تغليب واضح لمعيار «سرعة الإجراءات» على معيار «ضمانات الدفاع» والدراسة المتأنية.
النقطة الأخيرة تتعلق بمنع الدعوة لمقاطعة الجلسات، ألا يعد هذا تنظيما للحق في الإضراب وليس منعه؟
مقاطعة الجلسات أداة احتجاجية تاريخية وسلمية للمحامين، استخدمت للدفاع عن كرامة المهنة أو المطالبة بتحسين ظروف العدالة أو للوقوف ضد انتهاكات جسيمة. منعها، في إطار حزمة تراجعية شاملة، هو نزع لأهم أدوات الضغط السلمي المتاحة أمام الهيئة ويفسر على أنه إضعاف لقدرة المحامين على الدفاع عن وضعيتهم المهنية وعن قضايا العدالة الكبرى. إنه محاولة لـ«ترويض» الهيئة ونزع سلاحها الاحتجاجي المشروع.
ما الرسالة الأخيرة التي تود توجيهها للمسؤولين عن إصلاح مهنة المحاماة؟
رسالتي واضحة: لا عدالة حقيقية ولا صيانة للحقوق والحريات في بلد دون محاماة حرة مستقلة، ومحام حر وحصين. هذا المشروع، الذي أُعدّ بمنطق «الكتمان» وغياب الحوار التشاركي الجاد مع الهيئات، يعيد تعريف المهنة لتصبح تابعة وخاضعة. نناشد جميع الفاعلين، من برلمان وصحافة ومجتمع مدني، الوقوف عند خطورة هذا المسار. ندعو إلى فتح نقاش وطني جاد وشامل، يضع استقلالية القضاء والدفاع فوق كل اعتبار. التراجع عن هذا المشروع ليس مطلبا مهنيا فحسب، بل هو دفاع عن أحد مقومات الدولة الديمقراطية الحديثة.
ففي وقت يشهد المغرب حوارات إصلاحية في عدة قطاعات، يظهر أن مشروع إصلاح مهنة المحاماة يسير في اتجاه معاكس لروح الاستقلالية والحرية التي تعتبر حجر الزاوية لأي نظام قضائي نزيه. الحوار يجب أن يبقى مفتوحا، قبل أن تتحول هذه المقتضيات إلى قانون يمس جوهر مهنة الدفاع عن الحقوق والحريات.
مولود بنتاجر*: عدة عوامل جعلت العلاقة بين المحامين ووزارة العدل متوترة
ما خلفيات الخلاف بين المحامين ووزارة العدل؟
الخلاف القائم اليوم بين هيئات المحامين ووزارة العدل ليس وليد لحظة عابرة أو مرتبطا فقط بنص قانوني معين، بل هو نتيجة تراكمات متعددة ذات أبعاد سياسية ومهنية وحقوقية. فمنذ مدة، يشعر المحامون بأن هناك توجها عاما داخل الحكومة الحالية يسعى إلى إعادة تشكيل منظومة العدالة بمنطق إداري تقني، يغيب عنه البعد الحقوقي والدستوري الذي تعد مهنة المحاماة أحد أعمدته الأساسية.
المحاماة، تاريخيا، ليست مجرد مهنة تقنية لتدبير النزاعات، بل هي مهنة للدفاع عن الحقوق والحريات، وعن الأفراد والجماعات في مواجهة السلطة، سواء كانت هذه السلطة سياسية أو إدارية أو اقتصادية. وهذا الدور يجعلها بطبيعتها مهنة مزعجة لصناع القرار، خصوصا في سياقات سياسية تتسم بالتضييق على الفضاء الحقوقي، وتراجع منسوب الحريات العامة.
ولا يمكن إنكار أن الوضع الحقوقي العام في البلاد يعرف، خلال السنوات الأخيرة، نوعا من الاختناق، سواء على مستوى حرية التعبير، أو الحق في الاحتجاج، أو ضمانات المحاكمة العادلة، وهو ما يجعل المحامي في تماس مباشر مع هذه الاختلالات، وفي موقع دفاعي دائم عن المواطن في مواجهة السياسات العمومية التي قد تمس بحقوقه الأساسية.
إلى جانب هذا السياق العام، يبرز عامل شخصي لا يقل أهمية، ويتمثل في طبيعة العلاقة المتوترة بين المحامين ووزير العدل. فداخل أوساط المهنة يُنظر إلى الوزير كشخصية صدامية، لا تؤمن بالحوار المؤسساتي، ولا تبني علاقتها بهيئات المحامين على أساس الثقة المتبادلة. بل إن عددا من تصريحاته وسلوكياته عززت الإحساس بأن هناك موقفا سلبيا مسبقا تجاه مهنة المحاماة، ودورها داخل منظومة العدالة.
ويعتبر المحامون أن الوزير لا يعترف بما قدمته المهنة من تضحيات تاريخية في سبيل الدفاع عن دولة الحق والقانون، ولا يثمن مساهمتها في ترسيخ العدالة المستقلة، بل على العكس من ذلك، دأب في أكثر من مناسبة على توجيه انتقادات مباشرة أو غير مباشرة للمحامين، أحيانا بلهجة اعتُبرت مستفزة، ما عمق الهوة بين الطرفين، وكرس أزمة ثقة حقيقية.
كل هذه العوامل مجتمعة جعلت العلاقة بين المحامين ووزارة العدل علاقة متوترة، سرعان ما تحولت إلى صراع مفتوح مع طرح مشروع قانون مهنة المحاماة، الذي اعتُبر من طرف الجسم المهني تجسيدا عمليا لهذا التوجه الإقصائي.
ما أهم المستجدات التي جاء بها مشروع قانون المهنة، وأثارت غضب المحامين؟
مشروع قانون مهنة المحاماة جاء بعدد كبير من المستجدات التي اعتبرها المحامون مساسا مباشرا بجوهر المهنة وباستقلاليتها، وأثارت غضبا واسعا داخل مختلف هيئات الدفاع.
في مقدمة هذه المستجدات، التعديلات المرتبطة بولوج المهنة. إذ يقترح المشروع إحداث معهد خاص، يلتحق به الحاصلون على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة كطلبة لمدة سنة كاملة، يخضعون خلالها لتكوين تحدد مضامينه وزارة العدل، التي ستتولى إعداد المقررات الدراسية، والإشراف على البرامج التكوينية، وتقييم الطلبة.
هذا المقتضى اعتبره المحامون تكريسا لوصاية مباشرة لوزارة العدل على التكوين المهني للمحامين، وضربا لمبدأ الاستقلالية والتنظيم الذاتي الذي تتمتع به هيئات المحامين، وفتحا لباب التحكم في مهنة يفترض أن تكون مستقلة عن السلطة التنفيذية.
بعد مرحلة التكوين، ينص المشروع على إخضاع الطالب لفترة تمرين تمتد لثلاث سنوات، يقضي منها عشرين شهرا داخل مكتب محام ممارس، وأربعة أشهر داخل إحدى مؤسسات الدولة. الأكثر إثارة للرفض، هو منح وزير العدل صلاحية تمديد مدة التمرين لسنة إضافية، في حال عدم نجاح المتمرن في امتحان نهاية التمرين.
ويرى المحامون في هذا المقتضى تدخلا سافرا في اختصاصات هيئات المحامين، التي كانت تاريخيا الجهة المخول لها تتبع أوضاع المتمرنين، وتأطيرهم، وتقييم مسارهم المهني، معتبرين أن هذا التدخل ينسف مبدأ استقلال المهنة من أساسه.
وشدد المشروع شروط الولوج إلى المهنة بالنسبة إلى الطلبة، من خلال اشتراط التوفر على شهادة الماستر، وتخفيض السن القصوى للترشح إلى أربعين سنة بدل خمس وأربعين سنة، وهو ما اعتبره المحامون إقصاء لشريحة واسعة من الشباب، خاصة أولئك الذين حالت ظروفهم الاجتماعية أو المهنية دون استكمال مسارهم الجامعي في وقت مبكر.
في المقابل، فتح المشروع الباب بشكل واسع أمام فئات أخرى للالتحاق بالمهنة، مثل القضاة السابقين، وأساتذة التعليم العالي، وبعض فئات الموظفين، بل وحتى المحامين الأجانب، وهو ما اعتُبر ضربا لمبدأ تكافؤ الفرص، وتفضيلا غير مبرر لفئات بعينها على حساب المسار الطبيعي لولوج المهنة.
ومن بين المستجدات المثيرة للجدل أيضا، فرض شروط شكلية جديدة لتكليف المحامي في القضايا، من خلال اشتراط تكليف مسبق ومحدد وفق معايير معينة. ويرى المحامون أن هذا المقتضى لا يخدم مصلحة المتقاضين، بل يعقد ولوجهم إلى العدالة، خاصة في القضايا التي تتسم بتعدد المساطر أو تغير أطراف النزاع.
كما يتضمن المشروع، بحسب المحامين، حشوا تشريعيا كبيرا، عبر إدراج مقتضيات لا تضيف قيمة نوعية للمهنة، بل تضعفها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، ما ورد في المادة 11، التي تسمح للمحامين الأجانب غير الحاصلين على شهادة الكفاءة في بلدانهم الأصلية، بالخضوع لاختبار في القانون المغربي، تحدد كيفياته بنص تنظيمي، من أجل الترخيص لهم بمزاولة المهنة بالمغرب، وهو ما اعتُبر تهديدا مباشرا للمحامي المغربي ولمستقبل المهنة داخل الوطن.
وماذا بخصوص المنهجية التي اعتمدتها الوزارة في إعداد هذا القانون؟
على مستوى المنهجية، يكاد يكون الإجماع داخل أوساط المحامين قائما على رفض الطريقة التي اعتمدتها وزارة العدل في إعداد مشروع قانون مهنة المحاماة. فحسب هيئات الدفاع، لم يتم إشراكها بشكل فعلي وجدي في صياغة هذا النص، رغم كونها المعنية الأولى به، ورغم ما ينص عليه الدستور من اعتماد المقاربة التشاركية في إعداد السياسات العمومية والتشريعات المرتبطة بالمهن المنظمة.
ويؤكد المحامون، بنقبائهم وقدمائهم وشبابهم، أن الوزارة اكتفت بمقاربة شكلية للحوار، دون الأخذ بعين الاعتبار المقترحات والملاحظات الجوهرية التي تقدمت بها الهيئات المهنية، ما جعل المشروع يخرج إلى الوجود محملا بتراجعات خطيرة عن مكتسبات راكمتها المهنة عبر عقود.
ويعتبر الجسم المهني أن هذا المشروع لا يشكل إصلاحا حقيقيا لمنظومة العدالة، بقدر ما يعكس رؤية أحادية تسعى إلى إخضاع مهنة المحاماة لمنطق الوصاية والتحكم، بدل تعزيز استقلاليتها وتمكينها من أداء دورها الدستوري في الدفاع عن الحقوق والحريات.
كما يرى المحامون أن فتح الباب على مصراعيه أمام المحامين الأجانب، دون تحصين كاف لحقوق المحامين داخل الوطن، يكشف عن اختلال واضح في أولويات الإصلاح، ويطرح تساؤلات حقيقية حول مستقبل المهنة في ظل منافسة غير متكافئة.
في المحصلة، ترفض هيئة الدفاع هذا المشروع شكلا ومضمونا، وتعتبره تهديدا حقيقيا لمهنة المحاماة، ولمبدأ استقلال العدالة ككل. ويؤكد المحامون أن نضالهم ليس فئويا أو دفاعا عن امتيازات، بل هو دفاع عن حق المواطن في محاكمة عادلة، وعن وجود محام مستقل وقوي قادر على الوقوف في وجه أي تعسف أو خرق للقانون.
—







