
حسن البصري
انتهت مهمة ميشال كوكا المشجع الكونغولي بعد إقصاء منتخب بلاده.
ألقى الرجل الصنم دروس التاريخ من مدرجات ملاعبنا، وذكرنا برمز من رموز الثورة في إفريقيا ثم غادر.
اختزل كل شيء في وقفته طيلة دقائق مباريات منتخب بلاده، فبدا منتصب القامة مرفوع الهامة، ثم انسحب.
لفت شبيه لومومبا انتباهنا إلى مظاهر سوسيولوجية وسلوكية تفرزها مدرجات ملاعب «الكان» دون أن نعيرها اهتمامنا، لأن عيوننا تطارد كرة تتقاذفها الأقدام.
لكن لكل منتخب مشجعه المرجعي الذي لا يستقيم حاله إلا إذا عاش طقوس الحال والجذبة في مباريات منتخب بلاده.
لا بأس، ونحن نعيش أطوار نهائيات كأس أمم إفريقيا، أن نتوقف عند مناصرين لا تستقيم أحوالهم إلا إذا تراقصت أمام عيونهم ألوان منتخبات بلدانهم.
أمادو سوري، ليس مشجعا عاديا لمنتخب بوركينا فاسو، بل هو جزء من كتيبة فريق يلقب بالخيول. لا يخلو لباس «الشغل» لدى أمادو من رأس حصان أسود، ولا يدخل الملعب إلا إذا ارتدى لباسا عسكريا وانتعل حذاء أشبه بقوائم الخيول. وقبل كل مباراة يشرح للجماهير أسباب نزول اللقب، كأنه يعطي درسا في التاريخ.
لمنتخب الكاميرون مشجعه الرسمي، واسمه «نكاندو بيكيه»، من شدة وفائه وحرصه على التواجد في الملعب مبكرا، نسي حقيبته في القطار الذي قاده إلى الرباط، ولكنه أجل الاستفسار عن مصيرها إلى ما بعد مباراة منتخب بلاده أمام جنوب إفريقيا.
في الحقيبة جواز السفر وتذكرة العودة إلى ياوندي وعلب صباغة، لكن الرجل أصر على تسجيل حضوره في المدرجات نصف عار يواجه قساوة برد يناير برقصته الفلكلورية.
حين انتهت المباراة بانتصار منتخب بلاده، توجه إلى محطة القطار ليسجل شكواه، وهو يقول: مادام جوازي عالقا في المغرب فمقامي سيطول، يا إلاهي.
أما «القعبوط» فحل بالمغرب مساندا لمنتخب بلاده تونس، وغادره مكسور الوجدان، لا أعلم سر هذا اللقب، لكن ما أعرفه هو كونه عائدا من رحلة تجنيد وأن فريقه المفضل هو النادي الإفريقي.
شوهد «القعبوط» وهو يزرع شجرة زيتون ناشئة في حديقة ملعب فاس، وتبين أنه يحرص على غرس نبتة زيتون في كل تظاهرة يحضرها، دون أن ينتبه له «الجارديني» إن وجد.
لمصر مشجع ستيني يدعى جمال حمدون الشهير بلقب «عم جمال»، يلفت الأنظار بجلباب بسيط مزخرف بألوان علم بلاده، يحرص على المساندة المطلقة مهما كانت النتيجة.
حين سئل عن الجهة التي مكنته من حضور «كان» المغرب، وجه شكرا خاصا للاعب محمد صلاح، الذي تحمل نفقات السفر والإقامة، واستدرك مبررا: «محمد صلاح بلدياتي»، لكن «عم جمال» ليس مشجعا لصلاح فحين يتغنى بنشيد «بلادي بلادي» يفقد فرامله.
لابد أن نتوقف قليلا لنترحم على أشهر المشجعين الغائبين عن دورة المغرب، فقد افتقدنا المشجع الجزائري عبد القادر وادي، الذي لطالما رمم تصدعات المناصرين وتصدى لحمالة الحطب. مات «كادي» وهو يركض خلف الكرة في مباراة ودية. ولأنه نجم مدرجات فقد كانت جنازته أكثر حشدا من جنازة بوتفليقة.
في صفوف مشجعي منتخب السينغال، يغيب أشهر مناصر لأسود التيرانغا، مات عبدو اللاي تيام غايندي، وعاشت مدرجات السينغاليين حالة يتم.
طالب الكثيرون بتحويل بيته إلى متحف، واقترح البعض تحويله إلى مدرسة لتكوين المشجعين، لما للراحل من فائض في منسوب القيم.
في هذا السرد، لابد أن نتوقف عند مشجع المنتخب المغربي نور الدين فلاح، واسمه الحركي «ظلمي»، هذا الرجل الذي لا تكتمل الفرجة إلا بحضوره، عانى من التنمر فتحمل، عانى من السخرية فتذمر، جرعة دوائه «منبت الأحرار».
ألا يستحق المشجعون المرجعيون جائزة..
وللمنظمين واسع النظر.





