
يسرا طارق
رزئت فيروز في وفاة ابنها هلي الرحباني، الذي عانى ومنذ ولادته في سنة 1958، من إعاقة ذهنية وحركية، وكانت الفنانة الكبيرة فقدت ابنها الموسيقار الفذ زياد الرحباني، يوم 26 يوليوز الماضي، وابنتها ليال الرحباني سنة 1988، وفقدت زوجها الفنان عاصي الرحباني سنة 1986، الذي انفصلت عنه بشكل رسمي سنة 1979.
نكبات فيروز الأسرية المتتالية، مرفوقة بنكبات لبنان المتتالية أيضا، منذ الحرب الأهلية، مرورا باجتياح بيروت سنة 1982، إلى تحوله مع حزب الله إلى جبهة مفتوحة ضد إسرائيل، مع ما صاحب ذلك من خسائر ودمار، كل هذا جعلها تدخل عزلة طويلة وكاملة، لا تُخرجها منها إلا مراسيم عزاء تبدو فيها مثل بطلة تراجيدية عرفت كل ما يمكن أن تهبه الحياة من شهرة ومجد وسمو، وما يمكن أن تنزعه من صحة وهناء وسعادة، وما يمكن أن تذيقه من فقد وحزن ودموع.
بدت فيروز في مراسيم عزاء ابنيها ذاهلة عن المعزين، تراهم بعيون فارغة، وتتمتم كلاما لا معنى له، لكنها، ورغم كل ذلك، تبقى متماسكة وشامخة، فهي غنت لكل صور هذه الحياة الغادرة التي تمر أمامها. تعرف فيروز جيدا أن هذا الموت الذي يتربص بها، والذي يختطف في كل مرة فلذة من فلذات كبدها، والذي يطرحها مرارا أرضا، لن ينال منها إلا ما تناله الطبيعة من ورقة شجرة تسقط في الخريف، وتتحول بعد اختمار إلى سماد، إنها دورة الحياة كما سنتها الطبيعة، لكنها ستبقى خالدة، ما بقيت في الحياة صباحات يشع فيها نور خجول، وتشم فيها رائحة قهوة وتتفتح فيها قلوب غضة، ستبقى ما بقيت الجداول والغابات والندى وندف الثلج.
لقد سكنت فيروز أيامنا، وحنينا لطفولتنا، ولقرانا الصغيرة وارتباطنا بالأرض، وبقيم البساطة والعفوية والحب. سكنت قضايانا الوطنية والإنسانية العادلة، وعلمتنا كيف نحس وننظر ونشم، ومنحت حياتنا تلك العذوبة الملائكية، التي تجعل الحياة منة وفرصة علينا أن نعيشها بأقصى ما يمكن من أمل وثبات.
يصعب على من رافقته فيروز في حياته بمختلف أطوارها، على من يفتح عينيه في الصباح على صوتها، أن يتخيل عالما لا تكون فيه فيروز حاضرة بصوتها وصورتها، وهي واقفة تؤدي أغانيها بجدية ملاك يبلغ رسالة سماوية. آلام فيروز كبيرة كبر فنها وحضورها، ولعل حياتها، وما فيها من مآسٍ متتالية خير مثال على أن الحياة، مثل النار، يمكنها أن تحرق وتكوي، لكنها أيضا هي ما يصقل ويُجلي.





