
يونس جنوحي
خلال الربع الأول من السنة الحالية، انخفضت الصادرات الصينية نحو الولايات المتحدة الأمريكية ما يقارب 108 مليارات دولار، فيما تراجعت الواردات الصينية من السوق الأمريكي إلى 31 مليار دولار، مقارنة مع السنة الماضية.
جاء في تقارير اقتصادية أن التنازلات التجارية، التي قدمتها الصين أخيرا، تحت ضغط السياسة الأمريكية الجديدة بخصوص الرسوم الجمركية، تُمثل تحولا جذريا في موقفها الدبلوماسي. وهو تحول، بحسب هذه التقارير، لا يعكس الثقة، وإنما «اليأس»، داخل القيادة الصينية.
الصحافة الأمريكية تؤكد أن الرئيس الصيني، «شي جين بينغ»، بعد أن كان له سبق رفض تلقي مكالمة هاتفية من الرئيس ترامب، يعود الآن إلى طاولة المفاوضات متخليا عن سياسة التحدي، وحتى عن «السخرية» التي واجهت بها الصين قرار إدارة ترامب المتعلق بالرسوم الجمركية على السلع الصينية.
حسب المحللين الأمريكيين، فإن عودة الرئيس الصيني إلى فتح باب التواصل مع إدارة ترامب تكشف عن تطور حاسم على مستويين اثنين: أولا، تداعي الموقف الصيني أمام الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، وهو ما أجبرها على التنازل، ثم تآكل سلطة الرئيس داخل الحزب الشيوعي.
وحسب ما نقلته وسائل إعلام متخصصة في الشأن الاقتصادي الآسيوي، فإن الآثار المتتالية لسياسة الرسوم الجمركية الأمريكية، بالإضافة إلى انفصال قطاع التكنولوجيا، وأيضا تراجع الاستثمار الأجنبي، كلها دفعت «بكين» إلى السعي جاهدة لإنعاش الاستهلاك المحلي، وتعزيز فرص العمل، وذلك لتجنب أزمة أعمق.
المشكل، حسب التقارير ذاتها، يكمن في السياسة الداخلية للحزب الحاكم في الصين، والتي تتسم بتشديد الهيمنة السياسية، دون تقديم أي إصلاح مهيكل ذي جدوى.
جاء في تصريح وزير التجارة الصيني، أخيرا، ما رأت فيه وسائل إعلام أمريكية أنه نبرة «تصالحية» مع الولايات المتحدة، وتحول في الموقف الصيني. فقد قال الوزير إن التجربة أثبتت أن الحوار والتشاور مع القيادة، والتواصل على عدة مستويات، يُمكّن من حل الخلافات.
وهذه المرة الأولى التي يدلي فيها مسؤول حكومي صيني بتصريح مماثل، بعد قرابة تسعة أشهر من مواجهة القرار الاقتصادي الأمريكي بالسخرية.
وزير التجارة الصيني قال، أيضا، إن المحادثات السابقة، في كل من جنيف ولندن، تُثبت أن اندلاع الحرب التجارية مرة أخرى، أمر غير ضروري، مشيرا إلى رغبة بلاده في تحقيق الاستقرار وتجنب المواجهة.
إلى الآن لم يتم الكشف عن أي تفاصيل تخص الاتفاق، لكن وزارة التجارة الصينية قالت إن الطرفين- الأمريكي والصيني- توصلا إلى توافق بشأن الإطار التجاري.. لكن المعلومات المطروحة أمام الاقتصاديين والسوق العالمية، كلها تكشف استمرار الخلاف وتأثيره الحاد على الاقتصاد الصيني.
من جملة ما سيتم تفعيله أن الصين سوف تفرض رسوما جمركية منخفضة على الواردات الأمريكية نحو بلادها، لا تتجاوز 10 بالمئة. في حين أن الولايات المتحدة سوف تخفض الرسوم الجمركية على السلع الصينية بنسبة تصل إلى 55 بالمئة. وسوف تعود الصين إلى استئناف تصدير المعادن التي تدخل في الصناعات الدقيقة، وهي نفسها المعادن التي استعملتها الإدارة الصينية سلاحا خلال بداية مرحلة التوتر التجاري مع الأمريكيين.
لا يرجح الأمريكيون أن تعلن الصين عن كون الاتفاق تنازلا من طرفها، إذ إن شيوعيي الحزب الحاكم لازالوا يصرون على تصوير الضغوط الأمريكية على أنها مجرد استفزاز، في حين أن الأرقام كلها تؤكد تضرر الاقتصاد الصيني جراء قرارات إدارة ترامب.
التقارير المتداولة تؤكد أن التنازلات التي قدمتها الصين، في المفاوضات التجارية الأخيرة، لا تمثل مجرد تعديلات تكتيكية، بل إنها تشير إلى ضغوط هيكلية أعمق داخل الاقتصاد الصيني والتسلسل الهرمي الداخلي للحزب الشيوعي. التقارير نفسها تقول إن استمرار الحزب الشيوعي الصيني بات مهددا، في ظل الأزمة الاقتصادية الكبرى والعواقب الدبلوماسية والسياسية المترتبة على سياسة الحزب.
في النهاية هذا التراجع الصيني، الذي تواكبه التقارير الدولية، يكشف عن تآكل نموذج اقتصادي قديم، تحت الضغط، ويفتح المجال نحو خريطة اقتصاد لا بد أن تشهد الكثير من التغيرات.





