شوف تشوف

الرئيسيةالقانونية

هل يعتبر أصحاب المهن الحرة موظفين عموميين بمفهوم الفصل 224 من القانون الجنائي؟

أحمد الهداجي – باحث في العلوم الجنائية والتعاون الجنائي الدولي
ورد مفهوم الموظف العمومي في الفصل 224 من القانون الجنائي، وهو أوسع بكثير من نظيره في قانون الوظيفة العمومية. ويختلف المفهوم أيضا في قانون المسطرة الجنائية عن القانونين آنفي الذكر، مع استحضار القاعدة العامة التي يستند عليها القضاء في تحديد مفهوم الموظف، وهي الرجوع إلى الجهة المشغلة المتضررة من الجريمة، بحسب النشاط الذي تقدمه للمرتفقين، أو بحسب القانون المنظم لها، أو بحسب مساهمة الدولة في رأسمالها أو خضوعها لرقابة الدولة بواسطة أجهزتها الرقابية أو رخصت لها الدولة للقيام بتنفيذ أعمال ذات مصلحة عامة، وقد تواترت قرارات محكمة الاستئناف بالرباط على القول بهذا المعيار، وقد جاء في أحد قراراتها بتاريخ 27 يونيو 2012 تحت عدد 3 في الملف عدد 2/2624/12: «يرجع استنباط الصفة العمومية للموظف، طبقا للفصل 224 من القانون الجنائي إلى الجهة المشغلة المتضررة من الجريمة، إما بحسب النشاط الذي تقدمه للمرتفقين، أو بحسب القانون المنظم لها، أو بحسب مساهمة الدولة في رأسمالها أو خضوعها لرقابة الدولة بواسطة أجهزتها الرقابية، أو إذا رخصت لها الدولة القيام بتنفيذ أعمال ذات مصلحة عامة…».
ونود في هذا المقال أن نتطرق إلى إشكالية امتداد صفة الموظف العمومي إلى أصحاب المهن الحرة، كالعدول والموثقين والمحامين، بحيث يعتبر إسباغ هذه الصفة من عدمه محوريا في تحديد التكييف والتهمة المناسبين، إما سرقة أو خيانة أمانة من جهة، أو اختلاس وغدر من جهة ثانية، مع ما يصاحب ذلك من تباين جوهري في المسطرة المتبعة.
ويذهب بعض الباحثين إلى إسباغ هذه الصفة على ذوي المهن الحرة، ويضربون مثلا لذلك بالعدول والموثقين الذين يوفر لهم قانون خطة العدالة وقانون مهنة التوثيق الحماية المنصوص عليها في الفصول 263 و276 و381 من قانون الجنائي المتعلقة بالاعتداء على موظف عمومي وانتحال صفة ينظمها القانون، ويضيفون أيضا أن العدل بمناسبة أداء مهامه فإن زبناءه قد يضعون بحوزته مبالغ التسجيل والضرائب إلى غير ذلك، وبالتالي فالاستيلاء عليها يعتبر اختلاسا.
لكن هذا التوجه في نظرنا غير مؤسس لعدة اعتبارات، أولها أن هناك مجموعة من النصوص في القانون الجنائي، كتلك العائدة للتزوير تذكر العدول والموثقين إلى جانب القاضي والموظف العموميين، إذ لو صح التوجه المشار إليه أعلاه لم احتاج المشرع إلى ذكرهم صراحة بجانب الموظف العمومي، لأنهم سيعتبرون في حكمه.
ثانيا، إسباغ المشرع حماية الفصل 263 على وجه الخصوص على العدول والموثقين والمفوضين القضائيين إنما هو من قبيل تمكين هؤلاء من أداء مهامهم على أكمل وجه، ولو اعتبرهم المشرع في عداد الموظف العمومي لما احتاج أصلا أن يحيل على تلك الفصول في المجموعة الجنائية، بالإضافة إلى أن قانون خطة العدالة في مادته الأولى وقانون مهنة التوثيق بدوره في المادة الأولى، ينصان على أن هاتين المهنتين هما ذات طبيعة حرة.
وحسب اعتقادنا، فذوو هذه المهن مبدئيا لا يعتبرون موظفين عموميين، لكن استثناء يمكن خلع هذه الصفة عليهم، إذا كانوا يقومون بعمل مساهمة في خدمة الدولة أو المصالح العمومية أو الهيآت البلدية أو مصالح ذات نفع عام.
أما بالنسبة إلى المحاماة باعتبارها أيضا مهنة حرة، فقد ثار أخيرا على الساحة الوطنية نقاش حاد، حول اعتبار المحامين من قبيل الموظفين العموميين من عدمه، وذلك على خلفية استيلاء محام بهيئة القنيطرة على مبالغ مالية طائلة من هذه الأخيرة، وقد اعتبرت المحكمة الابتدائية بالقنيطرة هذا الأخير موظفا عموميا، وقد قضى الحكم – حكم بتاريخ 10 نونبر 2016 ملف جنحي عدد 4037/2103/16- بعدم الاختصاص النوعي للبت في القضية، وبإحالتها على غرفة جنايات الأموال بمحكمة الاستئناف المختصة، مع إقرار حالة الاعتقال.
وبعد إحالة ملف القضية على قاضية التحقيق المكلفة بجرائم الأموال باستئنافية الرباط، قضت بدورها بعدم الاختصاص وبإحالة الملف والمتهم المعتقل على ذمة القضية على الجهة المختصة بواسطة النيابة العامة، بحيث اعتبرت أن المحامي المتابع لا تتوفر فيه صفة الموظف العمومي.
وقد تم رفع طلب من طرف الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط إلى محكمة النقض، للفصل في تنازع الاختصاص السلبي الناتج عن صدور مقررين قضائيين في القضية نفسها، ليتم نقض الحكم المشار إليه أعلاه الصادر عن ابتدائية القنيطرة وإقرار اختصاصها النوعي. وقد عللت محكمة النقض في قرارها – عدد 1331/8 المؤرخ في 16 غشت 2018 ملف جنحي عدد 15490/ 6/8/2018 – كيف أن المحامي لا تنطبق عليه صفة الموظف العمومي، وجاء في مقررها: «لما كان الثابت من خلال قراءة المادة الأولى من قانون المحاماة كما تم تعديله أن المحاماة مهنة حرة، مستقلة، تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة… يكون المشرع قد حدد الطبيعة القانونية لمهنة المحاماة، فلم يعد هناك مجال لتغيير هذه السمة إلا بتدخل تشريعي، وهذه السمة تتنافى وضوابط الوظيفة العمومية، خاصة السلطة الرئاسية والتسلسل الإداري».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى